• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

المروءة في شخصية الإمام الجواد (ع)

عمار كاظم

المروءة في شخصية الإمام الجواد (ع)

الإمام الجواد تاسع أئمة أهل البيت (ع) الذي اضاءت الدنيا بعلمه وبفضائله وکمالاته. يقول (ع): «حَسبُ المرء من كمال المروءة تركُه ما لا يَجْمُلُ به، ومن حيائه ألاَّ يلقى أحداً بما يكره، ومن أدبه ألا يترك ما لا بدَّ له منه، ومن عرفانه علمُه بزمانه، ومن ورعه غضُّ بصره وعفة بطنه، ومن حُسن خُلُقه كفُّه أذاه، ومن سخائه برُّه بمن يجب حقّه عليه وإخراجه حقّ الله من ماله، ومن إسلامه تركه ما لا يعنيه وتجنّبه الجدال والمراء في دينه».

المروءة مفهوم يختزن في داخله العناصر الإنسانية التي تمثل التوازن في حركة الإنسان في حياته الفردية والاجتماعية بما يوحي بالكمال الأخلاقي والاتزان السلوكي.. والإمام الجواد (ع) ـ حسب هذه الرواية ـ يحدّد كمال هذه القيمة السلوكية للإنسان بترك الكلام أو العمل الذي لا يتناسب مع مقامه وخطه المستقيم ومواقفه المبدئية، بحيث يتحرّك من خلال المقارنة بين ما ينطلق به من نشاط وما يتناسب معه.. أما الحياء، وهو الحالة النفسية التي تبتعد بالإنسان عن كلّ قبيح يُخجل الإنسان في حياته ويبتعد به عن ساحة المواجهة القاسية في العلاقات، فمن مظاهره أن لا تلقى الناس في كلماتك وأفعالك وعلاقاتك بما يكرهون، مما قد يدخلك في مداخل الحرج الذي يسي‏ء إلى موقعك عندهم، ويخلق لك المشاكل معهم، ومن الأدب أن يوجّه اهتماماته إلى الضرورات العملية التي لا بدّ للإنسان من الإتيان بها، لأن لها علاقة بالقضايا الحيوية في حياته وحياة الآخرين في نطاق مسؤولياته العامة والخاصة، ومن المعرفة أن يعرف عصره في ذهنيته التي يفكر بها، وفي قضاياه التي يتحرك في داخلها، وفي تطلعاته التي يتطلع إليها، وفي حاجاته التي يتطلبها، وفي خطوطه الفكرية التي ينفتح عليها، وفي التحديات التي يواجهها أو يطلقها ويحركها، وفي أوضاعه السياسية والاجتماعية والأمنية والثقافية التي تحيط به.. فيكون من خلال ذلك في مستوى الوعي الذي يسير به نحو التقدّم والتطوّر في ساحات المعرفة الشاملة. أمّا الورع عن الحرام، فمن مظهره عفة البطن عن الأكل الحرام والشراب الحرام، وعفّة جسده عن الشهوة الحرام.

أما خُلقه الحسن، فمن مظهره أن يكف أذاه عن الناس انطلاقاً من روحيّته الأخلاقية بالمسالمة للناس، فلا يسي‏ء إلى أحد، بل ينفتح على الإحسان.. أما البرّ في حياته، فمن خصاله أن يتحمّل مسؤوليته عن الذين يجب عليه الإنفاق عليهم والرعاية لهم وإخراج الحقوق الشرعية الإلهية من ماله لأصحابها.. أما إسلامه، فقد يتمثّل بأن يترك الكلام في ما لا يعنيه لأنه من لغو القول ومن زوائده، وأن يترك الجدال في الدين بما لا ضرورة له. أما عن حقيقة الإيمان، يقول (ع): «لن يستكمل العبد حقيقة الإيمان حتى يؤثر دينه على شهوته، ولن يهلك حتى يؤثر هواه وشهوته على دينه». إنّ على المؤمن أن يعيَ حقيقة دينه في طبيعته من حيث انطلاقه من قاعدة الحقيقة التي تحكم الحياة كلها والوجود كله، ومن حيث أثره في تركيز موقف الإنسان على أرض صلبة لا اهتزاز فيها، ومن حيث نتائجه في النجاة من عذاب الله في يوم القيامة.. وعلى هذا الأساس، فلا بد له من أن يختار السير على الخط الديني في العقيدة وفي الشريعة وفي المنهج وفي الحركة، لأنه الخط المستقيم الذي يحصل به الإنسان على رضا الله والقرب إليه، وأن لا يطيع شهوته في حركة غرائزه في نقاط ضعفها، فإن الشهوة لا تخضع لقاعدة ولا تتحرك في خطة ولا تنسجم مع الاستقامة، بل إنها تهتز بالإنسان في كلّ مواقعه، ولا تثبت به على أساس متين، وتؤدي به في النهاية إلى الهلاك الدنيوي والأخروي عندما تتغلّب عليه وتصادر التزامه الديني وتتحرك به مع الأهواء ليضيع في متاهات الحياة فيسير على غير هدى، أما الثابتون على دينهم الذين ينظرون بعين البصيرة إلى عمق الشهوات في نتائجها السلبية، فهم الناجون عند الله، الكاملون في إيمانهم.

ارسال التعليق

Top