• ٧ آذار/مارس ٢٠٢١ | ٢٣ رجب ١٤٤٢ هـ
البلاغ

بين المعتكف والبيت

د. أحمد عيسى

بين المعتكف والبيت
  ·       بين القيام والنوم: -        أنا.. هل جربت يوماً الإعتكاف في المسجد؟ هل جربت يوماً الإعتكاف للذكر والطاعة والصلاة والتأمل والتدبر.. منقطعاً عن كل شيء إلا الله.. هي حالة وجدانية فريدة يزيد من عمقها كونها في العشر الأواخر من رمضان، والتي فيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. لكن، هل نسيت زوجك في تلك الأيام والليالي.. أم أنّه شعور الذي يقوم بمهمة عظيمة وعبادة جليلة.. يفترق لها الأحباب؟ هل هو شعور الحاج الذي يسافر وحده بلا زوجة وكله رضا؛ لأن شرف الطاعة وقدسية العبادة يتبعه كلأ المطاع وحفظ المعبود.. لأهله.. ولنفسه؟! وقد يكون شعور المجاهد – ولمّا نتذوقه بعد! – حينما يهبّ للنداء حتى ولو كان في حضن العروس، أو ليلة الزفاف (البناء)؟! عجيب أمر الإعتكاف.. فخصوصية المساجد، تدرّب قلب المعتكف على التعلق بالمسجد، ويفوز بظل الله في اليوم العبوس القمطرير. وأعتقد أن تأثير الإعتكاف على الأسرة عظيم؛ إذ نجح الإعتكاف في تصفية الروح وتنقية القلب، فيحدث التغيير في الأسرة والعلاقة بين الزوجين إلى واقع من التراحم والتفاهم. وفي المذهب الحنفي جواز إعتكاف المرأة في مسجد بيتها، وهو مكان تكون قد أعدته للصلاة والعبادة بوجه خاص، ويقيس فقهاء معاصرون الأمر على الصلاة؛ فصلاتها في بيتها أولى (وكذلك الإعتكاف). لا أعتقد أنّ الرباط الروحي بين الزوجين يضعف بهذا الإعتكاف، بل يقوى ويدعو أحدهما للآخر بظهر الغيب. والإعتكاف في رمضان سنة مؤكدة – إلا أن يكون قد نذَرَه الإنسان فيجب – ولما كان سنّة، فإذا تعارض مع ما هو واجب، أو أوجب، فيقدم الأهم. لا أجد في الرجل الذي يترك إمرأته مريضة، طاعة بالإعتكاف وتركها وهي تحتاج إلى الرعاية التي يرفع الله قدره بها، ويفيض عليه من بركاته أعظم مما يناله بالإعتكاف. ولا أجد في المرأة التي تترك واجباتها الأسرية طاعة بالأعتكاف والمبيت في المساجد (والجمهور على أنّها لو اعتكفت بغير إذن زوجها لا يصح إعتكافها وعليها الإثم). ولا أجد في الإعتكاف فرصة للتغيير إذا كان الإعتكاف فرصة للسمر والحديث والكلام في الهواتف المحمولة.. ورغم ما في الإعتكاف من لزوم المسجد وترك الأهل، فإذا وقع ما يحتاجه الأهل والزوجة ضرورياً فلابدّ أن يضطر الزوج للخروج، فالأعذار الإضطرارية لا تفسد الإعتكاف، وإن قطعت إعتكافك لأمر أكثر وجوباً فهذا هو الشرع. وترى في ذلك توافقاًواختلاطاًواندماجاً بين اللآخرين،لأنه دين الحياة. ما أجمل أن يتدرب الإنسان على الإعتكاف – بعد رمضان – ويتذكر أنّه لو دخل هو أو دخلت هي المسجد وجلست تنتظر الصلاة؛ فيمكن أن تنوي الإعتكاف تقرباً لله. حينما تغمر السعادة بيت الزوجية حيثما تطمئن القلوب بذكر الله وتهدأ النفوس بالقرب من الله، ويكون في الإعتكاف درس لترك مشاغل الدنيا حيناً حتى تتزود القلوب بما يساعدها على مواجهة تلك المشاغل. -        هي.. حين تأتي العشر الأواخر من رمضان؛ يحطّ كثير من الصائمين رحالهم في محطة الإعتكاف؛ حيث القرب والتفرغ والإنقطاع للعبادة في ليالٍ هي خير ليالي السنة. وللمرأة نصيب في هذا الإعتكاف، وإن كان نصيب الرجل هو الأوفى والأكبر، حيث يستطيع أن يلازم المسجد وحده وهو مطمئن البال على أطفاله وأسرته؛ حيث تركهم في رعاية زوجه الصالحة التي تشجعه على الإعتكاف وذكر الله عزّوجلّ. وأظن أنّها لا تقل عنه في الثواب إذ تشاركه فيه؛ لأنّها من أسباب تفرغه لهذه السُّنة الطيبة.. سنة الإعتكاف. بعض الزوجات يصممن على الإعتكاف في المسجد وتصحب معها أطفالها وما يلزمهم من طعام وشراب وملابس، وقد يتطلب ذلك منها أن تطبخ لهم وتعد طعامها وطعامهم؛ فيتحول المسجد إلى ما يشبه الفندق أو الحضانة، ولا أظن أنّ ذلك العمل يخدم الإعتكاف والمعتكفين أو يؤدي الغرض من ذلك الإعتكاف، مع ما يكون من ضجيج وصراخ ولعب الأطفال الذين علم الله حالهم فلم يشق عليهم ويكلفهم بعد، ولعل ذلك من أسباب فضيلة صلاة المرأة في بيتها عنها في المسجد. إنّ بإمكان المرأة أن تعتكف بإذن زوجها ما دام لا يؤثر إعتكافها على بيتها ورعاية أولادها وتأدية واجباتها، وإذا كان الإعتكاف سُنة؛ فإن رعاية أولادها فريضة لا ينبغي أن تهملها بحجة أداء السُّنة، خاصة إن كانوا في حاجة إليها. وهي إن اعتكفت عرفت آداب الإعتكاف فتأدبت بها؛ حتى تنال نصيبها من الأجر وافياً، ولا يكون لها منه فقط الكد والنصب، فأحياناً يقع من بعض المعتكفات أخطاء تنقص من أجر الإعتكاف وتقلل من أثره، حيث يكون إجتماع النساء فرصة لهنّ للحديث والكلام والسمر والنوم، وربّما للشحناء وإختلاف الرأي، وما شُرع الإعتكاف إلا للتجرد من شهوات النفس والتعود على لزوم الطاعة وتحلية اللسان بالذكر وتنقية القلب بالفكر وتقوية النفس بالإنقطاع عن الدنيا والخلوة مع ملك الملوك عزّوجلّ. حين يترك الزوج بيته مخلفاً من ورائه زوجه وماله وأهله، رسالة له ولمن حوله، توحي أوّلاً بالحب لله المعطي الواهب، حباً فاق حب الدنيا ونعيمها، فلئن كان يحب الدنيا فها هو ينخلع منها، ولئن كان قلبه معلقاً بالزوج والولد فها هو يفارقهم بإرادته ولو إلى حين، لأنّه الآن في معية من أعطاه إياهم، كما أن ساعات البُعد والإنقطاع تذكر بيوم يفارق المرء فيه أحبابه رغماً عنه. وحين يخرج الزوج من معتكفه طاهراً نقياً يجد زوجته هي الأخرى وقد تطهرت واطمأنت بذكر الله، فيلتقي كلاهما على هدف واحد ويصبح عوناً لصاحبه في هذه الحياة.

ارسال التعليق

Top