• ٢٧ أيار/مايو ٢٠٢٠ | ٤ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

ثقافتنا في مواجهة الأعاصير

أحمد الفلاحي

ثقافتنا في مواجهة الأعاصير
الثقافة بصورة عامة هي سمة التحضر لأُمّة من الأمم فكلما ظهر اهتمام الأمة بالثقافة وكلما ازدهرت الثقافة دلَّ ذلك على التمدن والرقي والتحضر وكان ذلك عنوان التقدم وإن تراجعت الثقافة وقلَّ الاهتمام بها كان ذلك انعكاساً لتأخر الأمّة وعدم تطورها.
والثقافة هي خصائص الأُمّة وجوهر تميزها ولهذا تسعى الأمم لإبراز ثقافتها والحرص على صيانتها. والثقافة وإن كانت حالة خاصة تعكس أحوال مجتمع ما ولكنها في جانب آخر حالة ممتدة ومنفتحة على المجتمعات الأخرى بعدت أو قربت فهي تأخذ وتعطي وتؤثر وتتأثر وتتشكل من هذا الاتصال والتواصل فثقافات الأُمم على مدى عصور التاريخ تتغذى من بعضها البعض مهما كانت المسافات بعيدة وقد كان ذلك في القرون البعيدة يوم كان التواصل بين البشر في غاية الصعوبة فما بالك بعالم اليوم الذي وصفه الواصفون بأنّه "قرية صغيرة" بحكم التقدم في وسائل الاتصال وتطورها إلى حد مذهل ولكن ثقافات الأُمم وإن تقاربت وتأثر بعضها ببعض تظل لكل ثقافة خاصيتها وملامحها المختلفة التي تميِّزها عن الأخرى فهي للأُمّة كالبصمة بالنسبة للإنسان الفرد.
والثقافة هي موئل الأُمّة وملاذها الذي تتحصن بداخله – إن صح هذا التعبير – في لحظات الضعف والتراجع واشتداد الأزمة كما هو حال أمتنا اليوم لهذا يدعو الداعون من حكماء الأُمّة والمفكرين فيها باستمرار للحفاظ على الهوية الثقافية ومقاومة التيار الجارف المتدفق عبر السموات من أقاصي الدنيا يهدد قيم الأُمّة ومواريثها وخصائصها.
هذه الثقافات الآتية من البعيد والمنطلقة انطلاقة سرعة الضوء والعابرة للكون تكتسح سمواته وأراضيه وتفرض نفسها على كل شيء كأنّها "ليل النابغة" الذي لا يحول دونه حائل هي ثقافات من الخطورة بمكان وخاصة على الأُمم الصغيرة الضعيفة التي لا تكاد تملك من أمرها إلا اليسير إن ملكته والتي نطبق عليها قول الشاعر القديم:
ويقضي الأمر حين تغيب تيم **** ولا يستأذنون وهم شهود
وقد قال قوله حين قاله هاجياً أو منتقصاً من شأن تلك القبيلة التي زعم أن حالها أشبه بالعدم حيث يقرر الأمر في حضورها فلا تستشار ويقرر في غيابها دون حاجة لانتظارها بسبب حالة الضعف والمهانة التي هي فيها وهذا حال ينطبق اليوم أكبر الانطباق على أمتنا العربية وأمم أخرى تشابهها في هذا العالم مستضعفة مستباحة أطلق عليها اسم "العالم الثالث" فثقافة هذه الأًُمم أكثر عرضة للخطر لأنها لن تستطيع فعل سوى القليل لدرء هذا النازل الذي ينصبّ عليها من آفاق السماء.
وقد تنادت أمم كبرى لها في عالم ميزان راجح مثل فرنسا واليابان والصين لوقاية ثقافاتها من هذه الثقافات الوافدة والحد من آثارها وسخّرت لهذه المهمة موارد عظيمة وتقنيات عالية ولكنها لم تستطع صد الطوفان وإن قللت من أخطاره. فإن كان هذا حال الأُمم القوية فكيف يكون حال الأُمم الضعيفة؟.
ولكننا نقول مع ذلك إن ما لا يُدرك كله لا يُترك كله وقد حققت تلك الأُمم نجاحات ملحوظة في حماية ثقافاتها وتحصينها ولا شك أن ثمة وسائل عديدة لدينا يمكننا بها الحد من التأثير السلبي لتلك الثقافات وتقوية جذور ثقافتنا ورأب تصدعاتها واستنفار ما فيها من خصائص ولعل أبرز ما لدينا هو تراثنا الروحي الضخم الذي يمتلك طاقات لو وظفت التوظيف الصحيح لأمكن إحراز الكثير. والمواجهة لا يمكن أن تكون بالمنع والإغلاق وإنما بإبراز عناصر ثقافتنا وتطويرها لتلائم العصر وجعلها مغرية تستطيع اجتذاب أبنائنا وشبابنا فالمنع والإغلاق لا يؤديان إلا إلى عكس المراد فضلاً عن أنّه اليوم في حكم لا نسعى للمنع والقمع وإنما التركيز يجب أن يكون على إعداد أنفسنا للمنافسة وإظهار ما لدينا وتقديم خصائصنا في قالب عصري مشوق ولا ينبغي الانغلاق والتقوقع فإن ذلك هو المهلك والمدمر. والأمر على أي حال ليس بتلك السهولة ولكن مع التخطيط وانتقاء الأشخاص الذين توكل إليهم المسؤوليات والمهمات من ذوي العقول الذكية وإعدادهم الإعداد المناسب المتفق مع أحوال العصر فإنا لا شك سنصيب من النجاح ما نستطيع به خدمة ثقافتنا وإبراز روحها وجوهرها والتقليل من حجم خسائرنا.
 
المصدر: كتاب حول الثقافة

ارسال التعليق

Top