• ١٧ نيسان/أبريل ٢٠٢١ | ٥ رمضان ١٤٤٢ هـ
البلاغ

حبُّ الوطن والحنین له

عمار كاظم

حبُّ الوطن والحنین له

حرص الإسلام في تربيته على تعزيز حبّ الوطن وتعيمقه، وفي ذلك ورد: «حبُّ الوطن من الإيمان». لذا، لم يكن غريباً أن يسكن هذا الحبّ ويتوطَّن في قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حتى وهو يواجه المصاعب والأخطار من أهل وطنه، فقد ورد في السّيرة النبويّة، أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما خرج من وطنه مكَّة إلى المدينة، وقبل أن يتجاوز حدود مكَّة، توجَّه إليها قائلاً: «ما أطيبك من بلد وأحبَّك إليَّ! ولولا أنَّ قومي أخرجوني منك، ما سكنت غيرك»، رغم أنّه لاقى ما لاقى من أهلها، حتى وصل الأمر إلى قرارهم باغتياله.

وتضيف السّيرة النبويَّة، أنَّ رسول الله لما بلغ الجحفة وهو في طريقه إلى المدينة، اشتدَّ حنينه وشوقه إلى مكَّة، فأنزل الله عليه قرآناً ليطمئنه، فقال: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) (القصص/ 85)، أي لرادّك إلى مكَّة التي أخرجك أهلها منها. وعندما وصل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة واستقرَّ فيها، كان دعاؤه: «اللّهمَّ حبّب إلينا المدينة كحبّ مكَّة». وورد عن الإمام عليّ (عليه السلام): «من كرم المرء، بكاؤه على ما مضى من زمانه، وحنينُهُ إلى أوطانه، وحفظه قديم إخوانه».

والقرآن الكريم حفل بالكثير من الآيات التي أظهرت موقع الوطن في حسابات الله سبحانه، عندما اعتبر أنَّ إخراج الإنسان من وطنه، يبرِّر له الجهاد والتّضحية بالنّفس العزيزة من أجله (قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ الله وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا) (البقرة/ 264). فقد جاء الإذن للمسلمين بالقتال بسبب ما تعرَّضوا له من ظلم، ومظهر هذا الظّلم، هو أنهم أخرجوا من ديارهم بغير وجه حقّ. وأكثر من ذلك، فقد قرن القرآن الكريم بين حبِّ الأرض وحبِّ النّفس، فقال: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) (البقرة/ 84)، فقد اعتبر أنَّ الإخراج من الوطن يوازي قتل النّفس.

وهذا التعزيز لحبّ الوطن، هو أمر طبيعيّ في حسابات الله وحسابات الدّين، كونه يتَّصل بهدف وجود الإنسان، وهو إعمار الأرض والبناء، والّذي أشار إليه الله بقوله: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود/ 61). ونحن عندما نتحدَّث عن حبّ الوطن، فهذا لا يقتصر على وطن المسلمين، بل على أيِّ وطن يسكنه الإنسان، حتى لو كان هذا الوطن ليس بلداً إسلامياً، أو عندما تكون غالبيّته من غير المسلمين، فقيمة الوطن أنّه وطن، بعيداً من هويّته الخاصّة.

لكن هذا الحبّ للوطن والميل له والتعلّق به، لم يتركه الإسلام بدون حدود وضوابط، كما في تعامله مع كلّ غرائز الإنسان، فالدّين لم يترك الغرائز التي أودعها في الإنسان بدون ضوابط وحدود، فغريزة الطّعام لها ضوابطها، كما غريزة حبّ الإنسان لنفسه، أو غريزة الجنس، أو غير ذلك. فحبّ الوطن لا ينبغي أن يخرج الإنسان عن القيم والمبادئ التي أراد الله له أن يعيشها، أو أن يكون على حسابها.

وأولى هذه الضَّوابط، أنّه رفض أن يتحوَّل هذا الحبّ إلى عصبيّة، بحيث يرى أنَّ وطنه دائماً على حقّ، أو لا يرى الخير فيما يصدر عن الأوطان الأخرى حتى لو كان حقّاً وعدلاً، والذي يتمثّل بشعار: (وطني فوق الجميع)، أو (وطني دائماً على حقّ). فالعصبيَّة من صنع إبليس، وهو إمام المتعصّبين، وقد ورد في الحديث: «ليس من العصبيَّة أن يحبّ الرَّجل قومه، لكن من العصبيّة أن يرى شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين». 

ومن المنطلق نفسه، رفض الإسلام من الإنسان أن يبقى حبيس الارتباط بالوطن، عندما يتحوَّل الوطن إلى سجنٍ لا يستطيع أن يعيش فيه، أو أن يعبّر فيه عن قناعاته وأفكاره، ولذلك قال القرآن الكريم: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) (العنكبوت/ 56).

وقد ندَّد الله سبحانه بأولئك الذين يقدِّمون التّنازلات من كرامتهم لقاء بقائهم في وطنهم، فقال عنهم: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) (النساء/ 97). وهدرُ الكرامةِ كما قد يكون بالإساءة إلى إنسانيَّة الإنسان، قد يكون نتيجة صعوبة تأمين الرّزق، ما قد يدفع الإنسان الى أن يذلَّ نفسه حتى يصل إلى رزقه، أو أن يتسكَّع على الأبواب لأجله، وفي هذه الحالة، على الإنسان أن يسعى لأن يهاجر إلى أرضٍ يحصل فيها على رزقه، ولا يذلّ فيها لتحصيل حاجاته ومتطلّبات حياته.

والأخطر من ذلك، أن يكون حبّ الإنسان لوطنه ومكوثه فيه على حساب مبادئه ودينه، بحيث يخسر دينه، أو يضعف دينه بسبب وجوده في وطنه. فحبُّ الوطن حتى لو علا، لا ينبغي أن يكون على حساب الله الذي لولاه لم يوجد الإنسان ولم توجد الأوطان. وقد حذَّر الله الذين يحبّون آباءهم أو أبناءهم أو أخوانهم أو أزواجهم أو أوطانهم أو أموالهم أكثر من حبّهم لله ولرسوله وللجهاد في سبيل الله، بأنهم لن يكونوا بمأمن من غضبه، عندما قال: (قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ وَالله لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة/ 24).

ارسال التعليق

Top