• ٢٦ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠ | ٨ صفر ١٤٤٢ هـ
البلاغ

حين يحدث الحب

د. فوزية الدريع

حين يحدث الحب

كلّ تفاصل الحب غامضة. ولكن، من جرّب الحب يدرك مسألة مهمة فيه، وهي أعراض الحب. وكلّ الذين حدث لهم الحب مرّوا بهذه الأعراض، المتمثلة في وجه جامد ونظرات مشدوهة، وفم مفتوح، ونفَس محبوس، وقلب تختل نبضاته حتى لكأنه توقّف للحظات، ثمّ ينفجر بالضربات. إنّه عارض الحب، المتمثل في الانبهار والتوتر الصامت في كلّ ملامح الحياة.

ثمّ هناك الحالة النفسية، حيث تذوب الأنا، وحيث كلّ شيء يصبح ممكناً في لحظات الحب، وكلّ الأحاسيس والخطط والممنوعات تصبح بلا معنى.

ثمّ يبدأ الانتباه لتفاصيل صغيرة، تفاصيل ربما حين كنا أطفالاً  كنا نلهو بها ومعها، ونتسامر من خلالها، مثل فراشة تطير، أو مياه جارية، أو ورقة شجر تسقط على الأرض. كلّ شيء في الحب يبدو مختلفاً، ويصاب العاشق بحالة الشرود الجميلة، والتي لا يعرفها من لم يمر بالحب.

إنّ للعاشق نظرة خاصة تختلف عن نظرتنا حين لا نكون في حالة حب. فما هذا الساحر الذي يجعلنا نرى الأمور بشكل مختلف، وبشكل فيه روحانية وجمال وتفاصيل؟ ثمّ إن أجمل ما في الحب أنه يجعلنا ننتظر، ولفترة أطول، وبذلك نعطي الآخر الذي ننظر إليه فرصة، في حين أن معظمنا حين يكون بلا حب، تكون نظراته سريعة وغير مستقرة، وكأنها تريد مسح كلّ شيء بسرعة.

إنّ الإنسان حين يقع في الحب يصبح أكثر تقديراً والتصاقاً بالطبيعة، وذلك حسب بيئته. فإن كانت بيئته بحرية نراه يُطيل الوقوف أمام البحر، وإن كانت بيئته برّية نراه يسرح في البَر، وإن كان بيئته خضراء، نراه يلامس بيده العشب والغابات، ويمد كلتا يديه للأمطار، وكأنّه يلتقط من السماء حبات لؤلؤ متساقطة.

وهناك حالة تُشبه خليطاً من حُب اكتشاف البيئة والتسبيح فيها في الوقت ذاته. إنّ الحب حالة إلهية عظيمة تصيب الإنسان، وتجعله يبتهل ويتأمل في خلق الله. وهي وإن كانت حالة مؤقتة، لكنها في ما بعد تترك أثراً نفسياً كبيراً عند الإنسان.

ومع أنّ الحالة التي يمرُّ بها العاشق قد تثير استغراب أو استهزاء البعض، لكنها حالة تتملك الإنسان، وتجعله أكثر تقبلاً للتعليقات. فما كان يغيظه سابقاً لا يعود يغيظه، لأنّه يصبح في حالة غريبة فيها طفولة اللامبالاة، وفيها نضج اللامبالاة.

أحد الأوصاف الجميلة التي سمعتها عن الوقوع في الحب وحالة الشرود التي يسببها، هو أنّ هذه الحالة لا يشبهها إلا الإحساس بقدوم المولود الأوّل. هذا الحدث يهزُّ كيان كلّ المحيطين. ويكفي أنّه يُثبت للكبير أنّ مخلوقاً صغيراً في إمكانه خلق أحاسيس فينا وتغيير أحوال الآخرين. وماذا أجمل من أن يقول إنسان إنّ هذا المخلوق الصغير جعلني أماً أو أباً أو جداً أو خالاً أو عماً؟ ثمّ انظر إلى كلّ هؤلاء الناضجين، وهم يراقبون الطفل بحالة حب، وكأنّه معجزة المعجزات. والحقيقة أنّ الطفل معجزة، ولكن قد يكونون رأوا أكثر من طفل، إلا أنّه حين يكون طفلهم، فهناك نظرة حب وتأثر تصل إلى تدفُّق الدموع. هو هكذا الحب، حالة تقدير وتأثُّر وفقدان منطقة في حجم التعبير عن الذات.

ولعلنا هنا نتكلم عن المحب العاشق. لكن، ما هو إحساس المتلقي؟

إن أبسط ما يقال عن العاشق إنّه محظوظ بكل هذا العشق والهيام والتقدير، خصوصاً إذا كان أمامه شخص يعشقه هو الآخر، ويتأمل في وجهه ويراه أجمل مخلوقات الكون. بالطبع، من لم يقع في الحب ليس أقل أهمية من غيره. لكن من وقَع في الحب يمرُّ بتجربة مثيرة من دون شك. ونقطة أخرى مهمة، وهي أن نشوة الحب لا تعني بالضرورة حب رجل لامرأة. الحب بمفهومه العام قد يأخذك إلى درجة نشوة عالية، سواء أكان حب وطن، أم حب هواية، أم حب عمل إنساني. لك، بالطبع، قدَر الحب أن يكون في أقصى درجاته، حين يكون بين امرأة ورجل.

ارسال التعليق

Top