• ٨ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٨ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

دعوة إلى العفو والتسامح

د. علي مشاعل

دعوة إلى العفو والتسامح
 
 (.. وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ...) (النور/ 22).
العفو هو أن يقوم الإنسان بإسقاط حقه جوداً منه وكرماً وإحساناً، مع قدرته على الانتقام لنفسه. والعفو على هذه الصورة يُعد من مكارم الأخلاق التي حث الإسلام التحلي بها وقد كان رسول الله (ص) أجمل الناس صفاً، وأوسعهم عفواً، يتلقى من قومه الأذى فيعرض عن الرد عليهم ومقابلتهم بمثل عملهم، ثمّ يعود إلى دعوتهم ونصحهم كأنّه لم يلقَ منهم شيئاً.
معنى العفو هو التجاوز عن الذنب وتركه، وأصله المحو والطمس. أما الصفح فهو ترك التأنيب وهو أبلغ من العفو. وقد يعفو الإنسان ولا يصفح. وفي العفو الصفح والتسامح رحمة بالمسيء، وامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى، وطلب عفوه وغفرانه، والعفو من صفات المتقين وهو لا يزيد الإنسان إلا عزاً ورفعة، فعن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال: "ما نقصت صدقة من مالٍ، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عجزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله". صحيح مسلم. وعن عبدالرحمن بن عوف (رض) أنّ رسول الله (ص) قال: "ثلاث والذي نفسي بيده إن كنت لحالفاً عليهنّ: لا ينقص مال من صدقة فتصدقوا، ولا يعفو عبد من مظلمة إلا زاده الله بها عزّاً يوم القيامة، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر".
إنّ العفو والصفح التسامح من أهم الصفات التي جاء بها القرآن الكريم، والتي كانت من أخلاق النبي (ص) ومن جملة خلقه العظيم، قال الله عزّ وجلّ: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف/ 199)، وقال سبحانه وتعالى: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (الحجر/ 85)، وقال عزّ وجلّ: (.. وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ...) (النور/ 22).
 
- قيمة أخلاقية رفيعة:
العفو قيمة أخلاقية رفيعة ظهرت لنا من أخلاق النبي (ص) ومواقفه. فقد روي عن أنس بن مالك (رض) أنّه قال: "كنت أمشي مع رسول الله (ص)، وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه من ردائه جبذة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله (ص) قد أثّرت فيها حاشية البُرد من شدة جبذته. ثمّ قال: يا محمد مُر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه رسول الله (ص) ثمّ ضحك، ثمّ أمر له بعطاء". متفق عليه.
إنّها صورة من صور العفو والتسامح لا يقوى عليها إلا الأنبياء وورثة الأنبياء والمتبعون لهم بإحسان، حيث جسّد النبي (ص) آيات القرآن وإرشاداته، جسدها في أخلاقه ومواقفه التي لم يكن فيها متكلفاً. فمن ذا الذي يكون قادراً على رد الإساءة بمثلها ويُنال منه كما نال هذا الأعرابي من سيد الخلق وحبيب الحق (ص)، ثمّ يبتسم في وجهه ويعطيه ما طلب، ويُحسن إليه؟
كما روى ابن مسعود (رض) فقال: "كأني أنظر إلى النبي (ص) يحكي نبياً من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللّهمّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" صحيح البخاري.
 
- ثمرات التسامح:
هكذا كان الأنبياء (صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً) وهكذا يكون أتباع الأنبياء، يحسنون لمن أساء إليهم، ويعفون ويسامحون من آذاهم، ويدعون لمن عاداهم بالهداية والرحمة والمغفرة. وهكذا يثمر التسامح والعفو هداية ورحمة ومغفرة.
لقد فتح رسول الله (ص) مكة ودخلها نهاراً وكان قد خرج منها ليلاً، وحطم الأصنام بيده، ووقف أهل مكة ينتظرونالعقاب الذي سينزل بهم جزاء لما قدموه من أذى وضُر وعذاب وتهجير، وأكل للأموال وسلب للحقوق واعتداء على الأرواح والممتلكات وحروب شنوها ظلماً وعدواناً، نظروا يوم الفتح إلى هذا النبي (ص) الذي مكنه الله تعالى من رقابهم بعد أكثر من 20 سنة في الدعوة والصبر والتحمل، فقال لهم: "ما تظنون أني فاعل بكم؟". لقد دارت رؤوسهم وتذكروا كل ما فعلوه مع النبي (ص) وصحبه الكرام فارتعدت فرائصهم. وتوقعوا أقسى العقوبات أن تنزل بهم، لكنهم تذكروا أخلاق سيدنا محمد (ص) ورحمته وعفوه وتسامحه وحلمه، إحسانه وفضله، معروفه وخيره، فقالوا: خيراً. أخ كريم وابن أخ كريم. فكان جوابه لهم أنّه قال "اذهبوا فأنتم الطلقاء". عندها استردوا أنفاسهم وفتحوا أبوابهم وبيوتهم وبايعوا رسول الله (ص) ودخلوا في دين الله أفواجاً، فكان نتيجة هذا العفو والتسامح الفتح الأكبر والفتح المبين للقلوب والعقول والأرواح. ونزل في فتح مكة (سورة النصر): (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا). وقد تجلى في هذا الموقف العظيم العفو عند المقدرة والحلم عند التمكن من الانتقام، إذ لم يكن من أخلاق رسول الله (ص) أن يحقد أو أن ينتقم أو يغضب أو ينفعل، لأن غضبه وانفعاله ما كانا إلا لله تعالى وحده لا لنفسه ولا لشيء من الدنيا. فاستحق أن تخضع له الرقاب وتنجذب إليه القلوب وتنفتح له النفوس وتعظمه العقول، قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ...) (آل عمران/ 159).
هكذا يفعل العفو وهكذا يثمر التسامح، فتحاً للقلوب وليناً للنفوس وهداية للضالين. فما أحوجنا إلى هذه الأ×لاق العظيمة التي تنفع أول ما تنفع صاحبها، بأن تجعله سليم القلب طيب النفس لا يضمر إلا خيراً، ولا يكن إلا بِراً يشتمل قلبه إلا على الحب.
 
- مَن عفا عن أخيه عفا الله عنه:
إنّ مما يجعل العاقل يميل إلى العفو والتسامح ما أعده الله تعالى للعافين عن الناس، وما سيجزي به المتنازلين عن حقوقهم والمسامحين لإخوانهم من الثواب العظيم والنعيم المقيم. فمن عفا عن أخيه عفا الله عنه، ومن أقال عشرة أخيه أقال الله عثرته، ومن سامح أخاه سامحه الله، ومن رحم أخاه رحمه الله، فالراحمون يرحمهم الرحمن، والعافون يعفو عنه المنال. ثمّ إن أخلاق الإنسان المسلم تدفعه نحو سلامة الصدر والترفع عن الانتقام ورد السيئة بمثلها، كما أنّ الصفات الكريمة والأخلاق العظيمة ترتقي بصاحبها إلى درجات العفو والتسامح، التي بها تُنال الدرجات العالية والسمعة الطيبة والذكر الحسن بين الناس.
ثمّ إن من الأسباب التي تدعونا إلى العفو والتسامح علمنا بأن كل إنسان مُعرض للخطأ، وأننا يمكن أن نقع في ذلك الخطأ مع أحد فننظر إلى أعظم ما نتوقعه منه وأطيبه وأكرمه، ألا وهو العفو والمسامحة، فكما نحب أن يعاملنا غيرنا بالعفو إذا أخطأنا فكذلك ينبغي أن نتخلق بهذا الخلق مع من أخطأ في حقنا. فقد ورد عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به.
وأخيراً، فإنّ الواحد منا عندما يعفو ويصفح إنما يفعل الخير لنفسه ومع نفسه قبل أن يصل إلى الآخرين، لأنّ هذا الخير سيسجل في صحائف من فَعله، ثمّ سيرى عاقبته الكريمة في الدنيا قبل الآخرة. فيرجع عفوه على نفسه في الدنيا رفعة وكرامة وفضلاً وإحساناً ومعروفاً وجميلاً وذكراً حسناً، ويرجع أيضاً عليه في الآخرة عفواً من الله تعالى، ورحمة ومغفرة ورضاً ونعيماً مقيماً.

ارسال التعليق

Top