• ١٤ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

دور الإعلام في تلاحم المجتمع

عمار كاظم

دور الإعلام في تلاحم المجتمع

كلمةُ إعلام هي مصدرُ الفعل (أعْلَمَ) أي نقل إلى غيره معلومة أو أكثر لم يعرفها من قبلُ، ويتمّ نقلُها عبرَ عمليةٍ اتصاليةٍ، لأنّ الإنسان مخلوقٌ اتصالي لا يستطيع العيشَ دون التواصل مع الآخرين، يأخذ منهم ويعطيهم، ويقوم الإنسانُ بالاتصال مع نفسه حين يكون متأملاً ومفكراً، ومع الآخرين ليشاركهم أفكارَهم، ويتبادل معهم المعلومات والخبرات والمصالح سواء بالاتصال الشخصي أو الجمعي أو الجماهيري. وكلمةُ اتصال تعني المشاركةَ، وتلاقي العقول التي تسعى لإيجادِ مجموعةٍ من الرموزِ المشتركة في أذهان أُولئك الذين يقومون بالاتصال. وعمليةُ الاتصال تتمُّ باتجاهين معاً ينتجُ عنها استجابات مشتركة بين المرسل والمتلقي، فهي عمليةٌ اجتماعيةٌ مستمرة تتحقّق من خلال اللغة المنطوقة أو المكتوبة، وكذلك من خلال مجموعة من الأفعال كالابتسام والعبوس والإشارات المختلفة. والقائم بالاتصال لا يمكن أن يكون معبِّراً إلّا إذا كان فاهماً، إذ لا يمكن نقلُ الفكرة أو المعنى إلى أسماع الناس وأذهانهم إلّا إذا كان المُرسل نفسه قد سبر غور المعاني التي يتضمّنها النص، وأحسّ وتأثر بالفكرة، ثمّ نقلها بحيوية متدفقة.

وبدأ مفهومُ عملية الاتصال في الإسلام منذ نزول الوحي الإلهيّ على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أوّل آية بقوله تعالى في سورة العلق: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق/ 1-5). والقراءةُ هي تلقّي المعلومة، وفهمها، والتفاعل معها تفاعلاً مناسباً يعبّر عن المضمون، ويرتبط هذا التفاعل ارتباطاً وثيقاً بمستوى الخلفية المعرفية في عملية الاتصال الذاتي. وهذه بعض الآيات توضح بعض أنواع الاتصال؛ قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل/ 125). وقال عزّوجلّ: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) (الشعراء/ 214). وقال جلّ شأنه على لسان أنبيائه ورسله: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ) (الأعراف/ 65). فهذه الآياتُ وغيرُها تشيرُ إلى مهمّة اتصالية لها عناصرها، وتتم باستخدام الترميز اللفظي وغير اللفظي لتحميل الرسالة بالمعلومات والمعاني التي توصل إلى الهدف في تلاحم المجتمع الواحد. فالاتصال في المفهوم الإسلامي مهارةٌ إنسانية متميزة، والرسالة الصادرة عن التفكير أو الواردة إليه تؤدِّي إلى التأثير في المواقف والأفكار والقيم، ومن ثمّ في السلوك الإنساني، وهذا ما يقصد إليه العمل الإعلامي. والدعوة إلى الله هي أرقى عمليات الاتصال أسلوباً وهدفاً، وهي مهمّة الأنبياء ثمّ أنبل بني البشر، لأنّها تحمل دلالات تتصل بمعرفة الخالق العظيم الذي يرجع إليه الأمر كلّه، قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصّلت/ 33).

إنّ هذا التعطش الفطري المتجدد لدى البشر - إلى المعرفة والتعارف - هو ما أكسب التجمعات البشرية منذ القدم صفة «المجتمعات» وخصائصها، وهو أيضاً ما حدا بالإنسان في كلّ العصور إلى تطوير وسائل الاتصال بغيره - من قريب وبعيد حتى تطوّرت تلك الوسائل إلى ما نشهد الآن في العصر الحديث من وسائل الإعلام المتقدمة. ولا شكّ أنّ الإعلام في العصر الحديث - أصبح يمثّل قوّة كبرى لها خطرها وأثرها في بناء وتطوير المجتمعات البشرية المختلفة. فللإعلام دور في بناء المجتمع وتطويره؛ فنقول: إنّ ما يستطيع أن يحصل عليه المواطن من مجالات الإعلام المختلفة - هو ما يستطيع أن يحصل عليه هذا المواطن - فيما لو استطاع أن يتصل بغيره من البشر، فيعلم ما لديهم من الأخبار والمعلومات، ويطلع على ما قد اكتسبوا من التجارب والخبرات وما حقّقوا من الإنجازات.

ارسال التعليق

Top