• ٢٧ أيار/مايو ٢٠٢٠ | ٤ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

صديقي المرحوم كاظم عبدالحسين.. ضمير أخلاقي وروح رحمانية تتألم لآلام الآخرين

عبدالجبار الرفاعي

صديقي المرحوم كاظم عبدالحسين.. ضمير أخلاقي وروح رحمانية تتألم لآلام الآخرين

رحل صباح يوم الثلاثاء 16-10-2018 عن عالمنا الصديق الحاج كاظم عبدالحسين، الرجل الذي نذر حياته وماله ووجاهته وعلاقاته لمداواة جراح الفقراء والبؤساء... الرجل الذي لم ينس خلق الله فلم يُنسِه اللهُ نفسَه... الرجل الذي لم يسكره ترفُ الأغنياء والوجهاء وذوي السلطان كما أسكر غيرُه ممن نسى الله فأنساه الله نفسَه.

تعرَّفت على الأخ كاظم عبدالحسين قبل أكثر من 45 عاماً، حين كنت في زيارة للكويت مطلع السبعينيات من القرن الماضي، وأنا فتى لم أتجاوز المرحلة المتوسطة في الدراسة، ولفرط ثناء شقيقي أبي عادل "شريف القحطاني" على كاظم عبدالحسين، وتبجيله لروحه الخيرية وتطوعه في رعاية خلق الله، صار لقاؤه أمنية في نفسي، وألححت على أخي أن نبادر فوراً لزيارته في اليوم الثاني من وصولي للكويت قادماً من العراق، ربما سنة 1971، فذهبنا إلى شركته مع صديقه المرحوم أحمد ملا رضا، في منطقة "الشرق" في مدينة الكويت.

ظننت أن كاظم عبدالحسين رجلاً متكلفاً في حديثه وجلوسه ولغة جسده، حسب الصورة المتخيلة في ذهني للوجهاء والبشر الأغنياء، غير أني فوجئت حين وجدته شخصية عفوية، متفائلة، طموحة، مهذبة، دافئة، حميمية، صادقة، أصيلة، حقيقية، تلغي المسافات الشاسعة بينك وبينها بسرعة، ولا تشعرك بفارق في العمر، أو المقام، أو أية ميزة إضافية حقيقية أو زائفة.

كان يتحدث معنا ويوجه حديثه لي؛ وكأننا أصدقاء منذ سنوات طويلة. ترك ذلك اللقاء ذكرى لن تمحوها الأيام في ضميري، بالرغم من أني لم أتفاعل مع شريكه أحمد ملا رضا، الذي لم تكن لغةُ جسده وتعبيرات وجهه وكلماته الشحيحة، وطريقته البروتوكولية في التعامل جذابةً لي للوهلة الأولى.

أنا أنتمي إلى الجيل الذي تخلص بأعجوبة من زنزانات صدام وحروبه المزمنة، وبالنسبة لي وجماعة من معارضي نظام صدام الفاشي من جنوب العراق والفرات الأوسط، لولا الملاذ الذي توفر لنا في الكويت، لأفنتنا آلة القتل والتعذيب الصدامية، لم يكن بوسعنا أن نصل الكويت عبر الحدود بجوازات سفر، لأننا كنا مطاردين من السلطة، فاضطررنا أن نأتي للكويت عام 1980 ليلاً، هربنا نتخبط في الصحراء، عبر مسالك وطرق عشوائية فوضوية في الصحراء، تحملنا فيها سيارة حديثة "وانيت GMC"، كدسونا في حوضها المكشوف، ونحن 25 شخصاً، كما السردين المعلب.

أمضينا ليلة مرعبة، نكاد كل ساعة أن نسقط في فخ كمائن الشرطة الخافرة للمناطق الحدودية وما يتاخمها؛ لكن خبرة مغامرين ثلاثة من شباب البادية الجنوبية أنقذتنا، فقد كانوا يتناوبون على قيادة السيارة، فيجازفون في التخبط بالسير في ظلام الصحراء الحالك، دون إضاءة المصابيح الأمامية للعربة أو غيرها، ولولا مهارتهم في المراوغة والاختباء عن الشرطة التي أوشكت أن تصطادنا غير مرّة، لسقطنا في الفخ، وأمسى مصيرنا في زنزانات إعدام صدام.

كُنّا غرباء في الكويت لا نمتلك أية وثيقة رسمية تمنحنا حق الإقامة، ما اضطرنا أن نلبث لسنوات في أقبية وبيوت عتيقة في مناطق شعبية، مثل: خيطان وجليب الشيوخ وصيهد العوازم والفروانية... وغيرها. أمضيت أكثر من سنة حتى حصلت على جواز سفر من سفارة دولة عربية، تكفلت رعاية المعارضة العراقية، ثم استطعت تأمين إقامة على هذا الجواز، حتى غادرت الكويت للمرة الأخيرة في الأيام الأخيرة من عام 1983، بعد أن مكثت فيها أربعة أعوام تقريباً.

لم يكن متاحاً لي ولا لزملائي التواصل مع الكويتيين بيسر وسهولة، بحكم وضعنا السياسي الخاص، بوصفنا معارضين لنظام صدام؛ لكن منذ وصولنا ارتبطنا ببعض الشخصيات بعلاقة وثيقة، لعل عددهم لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، إلا أنهم تضامنوا معنا تضامناً إنسانياً أخلاقياً، في ظروف بالغة الحرج والحساسية الأمنية والسياسية، لم تكن لنا أية علاقة سياسية بهؤلاء الأصدقاء، ذلك أننا غير معنيين بالشأن السياسي والأمني الكويتي، ولا تهمنا سياسة حكومة الكويت، كافة جهودنا مكرسة لتحرير بلدنا من نظام صدام الفاشي. منحنا الكثير من الثقة والاحترام والرعاية والدعم؛ الأخوة: كاظم عبدالحسين، فزاع الحسون، حسن حاجي، المرحوم محمد خضير "أبو مصعب"، وحسن فالح.

لكن كاظم عبدالحسين كان ملاذنا في كل مأزق، أو أزمة، أو مهمة عاجلة ملحة، طالما بادر في مواقف كريمة، قبل أن يسمع منّا سؤالاً، أو طلباً لحاجة. العراقي بطبيعته فائق الحساسية، ينفر من الشخصيات اللامسؤولة أو الباردة أو البطيئة الاستجابة، وميزة كاظم عبدالحسين أنه يستبطن حدساً أخلاقياً وروحاً رحمانية تكتشف آلام الآخر وتتوجع لما يعانيه، فيبادر لإسعافه وإغاثته.. إنه لا يمنّ على شخص بإشارة أو قول أو فعل أو حركة تفسد إحسانه.

كاظم عبدالحسين وجيه محترم، يمتلك شبكة علاقات إستثنائية بمراجع الشيعة في النجف وقم، ورجال الدين والخطباء في الحوزات الشيعية، ورجال الأعمال المعروفين في الكويت، يحظى بدعم وثقة كلّ مَن عاصرهم من المراجع، فهو وكيلهم ومعتمدهم الذي لم تتصدع ثقة أحد منهم به على طول حياته.. مثلما يحظى بثقة معظم مَن يعرفه من الشيعة، بوصفه متطوعاً للعمل الخيري والخدمة الاجتماعية.

لم تتوقف مبادرات وآثار حاج كاظم عند الكويت، بل توطنت مجتمعات أخرى، فهو يسهم في بناء مبرات الأيتام بلبنان، ويرعى "مؤسسة البلاغ" في طهران، ويدعم العمل الخيري والتعريف بالإسلام في افريقيا، ويتنقل على الدوام في بلدان عديدة، بحثاً عن فرص لبناء مشاريع الخدمة الاجتماعية التي تتكفل تأمين متطلبات الناس الأساسية، وتوفير فرص مناسبة للتربية والتثقيف والإغاثة.

"دار التوحيد" و"حملة التوحيد" مشروعان رائدان يرمزان لبصمة الروح التطوعية لهذا الرجل الذي يبتهج بما يهبه للآخرين، ويجسّد الشخصية المثالية، لما شدّد عليه رسول الله (ص): "خير الناس مَن نفع الناس".

"دار التوحيد" مؤسسة تهدف لنشر ثقافة إسلامية للناشئة والشباب، تعرّف بالإسلام، ومعتقداته، ومفاهيمه، وأحكامه، بأسلوب ميسر يفهمه الجميع، ويبتعد عن إثارة وترويج أي شكل من التعصبات الطائفية، وما يشي بكراهيات تكفيرية أو مغالية. بادر هو بمعية مجموعة من رجال الأعمال بتأسيسها عام 1974، ورصدوا لها ميزانية تؤمن نفقات التأليف والطباعة والنشر والتوزيع، على أن توزع إصداراتها مجاناً.

تتخذ إصداراتها شكل كراسات لا تتجاوز صفحاتها 100 صفحة في الغالب، تعاقب على إدارتها في الكويت: المرحوم داود العطار، حسن حاجي، عبدالجبار الرفاعي، عمار كاظم عبدالحسين.

تسلّمتُ إدارة "دار التوحيد" سنة 1983 من الصديق حسن حاجي، الذي لبث يعمل لسنوات مديراً متطوعاً لها، وقتئذ كنت بعمر 29 عاماً، ولم تكن لدي خبرة متراكمة في إدارة المؤسسات ثقافية، غير أني وجدت التنظيم الذي أرسى تقاليده السيد داود العطار، وكرسه حسن حاجي، يتكفل تسييراً ذاتياً للدار وضبط إيقاع العمل فيها، بالرغم من غزارة إنتاجها يومذاك، وقلة فريق العمل فيها، فقد كانت توزع من كل كراسة بحدود 10000 - 20000 نسخة عبر البريد لمختلف بلدان العالم الإسلامي في آسيا وافريقيا.

حدثني حاج كاظم أنه كان يرى مصابيح "دار التوحيد" مضاءة أحياناً خارج أوقات دوام فريق عملها، في منتصف الليل، ليكتشف لاحقاً أن داود العطار يعمل ليلاً مع بناته لإنجاز ما لم يستطع العاملون في الدار إنجازه لزحمة مهامهم وتنوعها.

حين كنت أدير اجتماعات مجلس أمناء "دار التوحيد" المؤلفة من نخبة رجال أعمال، أدركت أن "دار التوحيد" هي كاظم عبدالحسين، وكاظم عبدالحسين هو "دار التوحيد"، كل منهما يُعبِّر عن الآخر ويمثله.. إنها مؤسسة مشبعة بأحلامه ورؤيته المشرقة المتبصرة، ومتطلعة إلى ترسيخ إيمان يُحرِّر روح الإنسان من اغتصاب المعتقدات المتطرفة العنيفة، وبناء تدين أخلاقي إنساني، ينشد التسامي بإنسانية الإنسان.

كما أن "حملة التوحيد" لم تكن قافلة تقليدية لأداء مناسك الحج، مثلما هي قوافل الحج الأخرى، إنما هي مشروع أغنى وأشمل وأرحب من ذلك، لا أتذكر أني تشرفت في موسم الحج ولم أحل ضيفاً على "حملة التوحيد".. كان يبهرني فيها التنظيم في كل شيء، ومجموعة من الشباب الكويتيين المتدفقين حيوية، ممن يبادرون إلى توفير كافة المتطلبات الضرورية والكمالية للحجاج، كل حسب المهمات الموكلة إليه.. مع أن أولئك الشباب يفتقرون لمثل هذه الحيوية في بلدهم، ذلك أنهم يعتمدون في إعداد متطلبات حياتهم ومنازلهم على العدد الفائض من الخدم والخادمات؛ لكن تطوع كاظم عبدالحسين بالخدمة المجانية هو وأولاده، وتشديده على شعار يتلخص بقوله: "لا وقت للراحة، الراحة هي وقت العمل"، ورفضه الارتزاق من ريع "حملة التوحيد"، كل ذلك عمل على إشادة فضاء تربوي روحاني أخلاقي في موسم الحج؛ يتدرب فيه الشباب على تعزيز روح المبادرة لخدمة الناس، والمسارعة للتسابق لفعل الخيرات.

مما يميز "حملة التوحيد" إنها هي الوحيدة التي تفردت ببرنامج تثقيف ديني مختلف، يتولاه المرحوم السيد محمد حسين فضل الله، الذي كان جسوراً صريحاً في دعوته لتحديث التفكير الديني، وتشديده على ضرورة إصلاح المؤسسة الدينية، والمنبر والشعائر الحسينية.

كنت أحرص على الإصغاء لعظاته الدينية بعد الصلوات في "حملة التوحيد"، وأتعطش لنقده الجريء ودعوته الإصلاحية، واهتمامه ببناء علاقة ودّية مع الشباب الحالمين بالتجديد أمثالي. لا يكفّ السيد فضل الله عن الثناء على حماسنا، والتفاؤل بما سيؤول إليه نمط التدين ومصائر عالم الإسلام لو تنامت مجالات النقد، واتسعت مساحة المنخرطين في الدعوة للإصلاح.

بالرغم من أن كاظم عبدالحسين يفتقر إلى التكوين الأكاديمي والثقافي النظري، ولا يقرأ أو يتابع الإنتاج الفكري، إلا أنه كان يتمتع بحس ثقافي، ورؤية إصلاحية، وإرادة يقظة للتغيير، وروح حرّة، وعزيمة لا تتراجع، وإصرار لا يتراخى، ومثابرة لا تهدأ.. فهو على الدوام ينحاز للإصلاح ولا يتردد في دعم أية محاولات للبناء الهادف، ويتضامن بشجاعة وإصرار مع رواد الإصلاح في الحوزات الشيعية، ولا يكترث بما يثيره مناهضوهم من تهم وافتراءات ظالمة.

هكذا كانت علاقة كاظم عبدالحسين بالمرجع السيد محمد باقر الصدر، الذي انتدبه وكيلاً عاماً له في الكويت، ومنحه ثقته التامة، وتعمقت علاقتهما بمرور الأيام، فقد حدّثني الحاج كاظم انه ذهب بنفسه الى الشهيد الصدر، وقال له: "سيدي لي إليك حاجة، أرجو أن تقضيها". فأجاب الشهيد الصدر: "تفضل". قال الحاج كاظم: "لدي أمنية أن أشتري لك داراً من أموالي الخاصة لا من الحقوق الشرعية (الخُمس)"، فتبسّم الشهيد الصدر، ثم قال: "اشتر؛ لكن بشرط أن تشتري داراً لكل طالب علوم دينية في النجف لا يملك داراً، وأنا أحد هؤلاء". يقول الحاج كاظم، فقلت له: "سيدنا إن هذا الشرط غير مقدور"!

وهكذا تواصلت مواقفه الكريمة مع المرجع السيد فضل الله، فقد وظّف كافة إمكاناته وعلاقاته وجهوده لرعاية مؤسساته الخيرية، وانبرى للدفاع عنه بشجاعة وصرامة، فرفض كل ما ألصقه به المزورون والمهرجون من اتهامات مبتذلة.

لم يكن كاظم عبدالحسين مليارديراً ولا مليونيراً عظيماً؛ لكنه كان يمتلك تأثيراً معنوياً كبيراً على جماعة من رجال الأعمال والتجار المعروفين في الكويت، كانوا يثقون به قدر ثقتهم بأنفسهم، ويضعون تحت تصرفه ما تتطلبه مشاريعه الخيرية من أموال.

لا تعرف اهتمامات أغلب رجال الأعمال والأغنياء الشيعة المتدينين في البلاد العربية إلا إعطاء الخُمس للمراجع ووكلائهم، والإنفاق على الحسينيات ومتطلبات وطعام العزاء وقُرّاء التعزية.. ونادراً ما نجد أحداً من رجال الأعمال والأغنياء الشيعة في بلادنا مَن يبادر للاهتمام بالتنمية العلمية والثقافية ومؤسسات التربية والتعليم والثقافة، فيعمل على إنشاء جامعات أو مؤسسات فكرية أو مراكز أبحاث، أو ينفق على مطبوعات علمية وثقافية رصينة، أو يساهم بتمويل ما هو جاد منها.. ولم نجد أحداً منهم يبادر لتأسيس جائزة على غرار جائزة الشاعر الإمارتي سلطان العويس، أو يتبنى مؤسسة ثقافية كمؤسسة عبدالحميد شومان في الأردن.

أتذكر أني طالعت حواراً مع رجل الأعمال الإماراتي الشيعي مهدي التاجر نشرته مجلة "سوراقيا" التي كانت تصدر في لندن قبل نحو ثلاثين عاماً، قال فيه انه "يمتلك خمسة مليارات دولار"، وإن كنت أشك في امتلاكه لهذه الثروة وقتئذ؛ لكن المشهور أن مهدي التاجر كان مليارديراً، غير أن ذلك الملياردير لم يترك في عالمنا بصمة ثقافية تخلده، مثلما فعل مواطنه سلطان العويس، الذي صار الكبار من المبدعين العرب يفتخرون بتتويجهم جائزته الرائدة.

يبقى كاظم عبدالحسين علامة فارقة بين كل مَن أعرف من رجال الأعمال والتجار الشيعة المتدينين العرب، لأنه بذكائه الفطري أدرك الأهمية الكبرى للفكر مبكراً، فأسس دار التوحيد سنة 1974 وكفل تأمين تمويل إصداراتها عبر علاقاته الواسعة.

رحم الله الصديق النبيل كاظم عبدالحسين، الضمير الأخلاقي والروح الرحمانية اليقظة التي تتألم لآلام الآخرين، والذي كرّس حياته لخدمة الناس وإسعادهم، وأدرك أن حقيقة "السعادة هي أن تسعد الآخرين".

يظل المرحوم كاظم عبدالحسين ملهماً لأخلاقيات الإيمان والصدق والإخلاص والأمانة والشجاعة والوضوح وعدم المراوغة.. تعلمت منه شعاراً طالما بعث طاقتي وقت التعب: "لا وقت للراحة، الراحة هي وقت العمل".

ارسال التعليق

Top