• ٢٠ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠ | ٢ صفر ١٤٤٢ هـ
البلاغ

صلاتي.. وصلاحي/ ج(2)

أسرة

صلاتي.. وصلاحي/ ج(2)
 -        ما هي أشكال العمل الصالح؟
في الليلة التالية، وبعد أن انتهت العائلة من تناول طعام العشاء الشهي، بادرت (ليلى) إلى تحريض أبيها على مواصلة حديث الأمس، فقالت (ليلى): بعد هذا الطعام الشهي الهنيء، الذي أحسنت أمِّي صناعته، نريد أن نتزوّد منك يا أبتِ، فنحنُ في شوق إلى معرفة أشكال العمل الصالح.
ابتسم الأب قائلاً: التشوّق إلى المعرفة يزيد في نماء الذكاء وحدّته، وينوِّر العقل، ويشرح القلب، ويُحرِّك الأعضاء للعمل.
(أحمد): والمعرفة – كما علّمتنا – هي أفضل ما يميِّز أحدنا عن الآخر.
الأب: بارك الله فيكما، فالله تعالى يقول: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر/ 9).
والآن، دعونا نستكمل الرحلة مع قصّة العمل الصالح في التعرّف على أشكاله، فيا ترى كم شكل هناك للعمل الصالح؟
أحمد: أشكاله متعدِّدة لا حصرَ لها.
ليلى: هو واحد في المضمون، متعدِّد في الشكل، حسب التعريف الذي أخذناه بالأمس.
ويبتسم الأب ملتفتاً إلى زوجته ليسألها: وماذا تقولين أنتِ يا أمّ أحمد؟
الأُم: أنا أفهم من قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (غافر/ 58)، أنّ الصالحات ليست عملاً واحداً وإنّما هي عدّة أعمال.
الأب: كلّ ما تفضّلتم به جميل ومفيد وصحيح. فالعمل الصالح الذي يتحرّك من خلال نيّة القُرب إلى الله، واحد في معناه، ولكنّه ذو وجوه ومظاهر كثيرة يمكن تسميتها بالصالحات أي الأعمال التي يتوافر فيها هذا الشرط.
ليلى: دعنا إذاً نفكِّر في استعراض بعض هذه الأعمال.
الأب: هذا يسعدني يا ليلى، هاتِ ما عندكِ؟
ليلى: أرى أنّ الكلمة الطيِّبة عمل صالح، تلك التي يصفها الحديث الشريف بالقول: "الكلمة الطيِّبة صدقة".
الأب: هذا صحيح، فالكلمة الطيِّبة ليست مجرّد كلمة يطلقها اللِّسان، وإنما هي كلمة هادفة تبتغي الاصلاح، وذلك قوله تعالى (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) (النساء/ 114).
كما أنّها تستهدف إسعاد الآخرين بتطييب خواطرهم وجبرها، والتخفيف من معاناتهم، وإسماعهم كلمات التشجيع والتحفيز التي تشدّ من أزرهم، وترفع من معنوياتهم، وتجعلهم يتفاءلون أكثر، ولذا فقد صدق الشاعر الذي يقول:
لا خيل عندك تهديها ولا مالُ **** فليُسعد النطق إن لم يُسعد الحالُ
ولكنّ خير الكلمات كلّها تلك التي تهدي إلى سبيل الرّشاد والصواب والحق والخير والعدل (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت/ 33).
وأحبّ هنا أن ألفت انتباهكم إلى أنّ مجال الكلمة الطيِّبة ليس فقط الكلمات التي نتبادلها في اللقاء المباشر، وإنّما تشمل أيضاً الكلمة الهادية الهادفة المُصلِحة التي تنشرها في كتاب أو صحيفة أو تلفاز أو إذاعة أو شبكة معلومات.
كما تتضمّن كذلك التعليم والتربية والتهذيب التي تُساعد الآخرين على الخروج من ظلمات الجهل إلى نور العلم، وتشمل أيضاً كلمات الدفاع عن الحقّ والحرِّية وشهادات الحقّ والخير، والتضامن مع المدافعين عن الحق.
من أجل ذلك رفع الله تعالى قيمة الكلمة الطيِّبة (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (فاطر/ 10). ولاحظوا هذا التوازي الدقيق والحكيم بين (الكلمة الطيِّبة) وبين (العمل الصالح). وإنّما صعدت الكلمة الطيِّبة ورُفع العمل الصالح لأنّ كلاً منهما يصبّ في بحر رضا الله. ولا شكّ أنّ الكلمة التي في سبيل الله، والعمل الذي في سبيل الله، هو عمل للأُمّّة وفي خدمتها، ذلك أنّ المراد من مصطلح (سبيل الله)، هو خدمة عيال الله، وهم الإنسانية كلّها. وبالتالي فإننا نفهم أنّ العمل الصالح ليس طقساً عبادياً أو شعيرة من شعائر الإيمان يؤدِّيها الإنسان المؤمن، فيحصل ثوابه من الله سبحانه وتعالى، وإنّما هو عمل له مردودات اجتماعية أيضاً.
كما نفهم من جملة الحديث المتقدِّم أنّ مَن لا يحسب كلامه من عمله فهو مخطئ، ولو لم يكن الكلام من عملنا لما قال الله تبارك وتعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق/ 18). أي أنّ الملائكة الموكلين بحفظ أعمالنا يُدخِلون كلماتنا في سجل أعمالنا إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ.
(أحمد): أمّا أنا فأرى أنّ من بين أهم أشكال العمل الصالح نفع الناس وخدمتهم ودفع الأذى عنهم ابتغاء مرضاة الله عزّ وجلّ.
الأب: هذا عنوان كبير آخر، فكلّ عمل من شأنه أن يهدي الناس سواء السبيل، أو يرفع من مستواهم العلمي أو العملي أو المعاشي أو الصحي أو الثقافي أو يتكفّل الدفاع عن أنفسهم في مواجهة الأخطار والأعداء والتحدِّيات، وكلّ عمل يمهِّد لهم طرق الانتاج والانجاز والإبداع في حقول المعرفة كلّها، وكلّ عمل يبني علاقاتهم الاجتماعية وفقَ المنهج الإسلامي الأخلاقي والتربوي.. هو عمل صالح.
وكلّ عمل يبعد عنهم الشرور والأذى، والقلق والمخاوف، وينقِّي البيئة الطبيعية ممّا يلوِّثها، والبيئة الاجتماعية ممّا يهدِّد سلامتها، والبيئة التعليمية ممّا يطرأ عليها من مفاسد وتصدّعات، والحياة الأسرية ممّا تتعرّض له من الويلات والنكبات.. هو عمل صالح.
الأُم: وفي رأيي المتواضع، أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو عمل صالح.
الأب: بل هما من أكبر الأعمال الصالحة وأرقاها، فكما أنّ الأمر بالمعروف وهداية الناس ودعوتهم إلى الخير والصلاح عمل صالح، فكذلك النهي عن المنكر وتغييره بإحدى الوسائل الثلاث المعروفة: "اليد واللِّسان والقلب".
إنّ العمل على محاربة الكذب وقطع الطريق على الكذّابين، بأن نكون الصادقين في قولهم وفي عملهم، وأن ندعو الآخرين إلى التزام طريق الصدق، ومصادقة الصادقين، والإكثار من الأعمال الصادقة والمشجِّعة على الصدق، هو عمل صالح ولا شك.
كما أنّ العمل على مكافحة الغيبة باجتنابها، وباعتماد الحديث المباشر الصريح والجريء، وإهداء العيوب بشكل شخصي وسرِّي، وتحذير الآخرين من الوقوع في مستنقعها.. كلّ ذلك عمل صالح.
 
أمّا العمل على المطالبة بالحرية ومحاربة المستبدِّين والظالمين من أجل تخليص الناس من شرورهم وجرائهم وعدوانيّتهم، والمساهمة في بناء الحياة الحرّة الكريمة المتكافلة العزيزة، من خلال الأعمال المؤسسة المنظّمة، والاعتماد على الذات ونبذ التبعية، فمن أفضل الأعمال الصالحة.
ومن الأعمال الصالحة الجليلة القدر، والتي تُعدّ أرقى الأعمال الصالحة على الاطلاق، هو أن نحكم بما أنزل الله، ولا يكون ذلك إلا بإقامة هذا الحكم في الأرض، فمن خلاله يمكن أن تعدّ التربة الصالحة لزراعة العمل الصالح بكل ألوانه وأشكاله، وذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) (الحج/ 41).
(أحمد): أعتقد أنّ الاصلاح عمل صالح أيضاً.
الأب: بالتأكيد، فليس كلّ عمل فيه شيء من السوء أو الفساد نعتبره عملاً ساقطاً يحتاج إلى التغيير الجذري. فقد تحتاج بعض الأعمال إلى إدخال اصلاحات أو ترميمات عليها حتى تعود إلى سابق عهدها.
ففي العلاقات بين الناس يعتبر (إصلاح ذات البَيْن) أي إعادة المياه إلى مجاريها في العلاقة بين أخوين متخاصمين من الأعمال الكبيرة في الإسلام، ففي الحديث "إصلاح ذات البَين أفضل من عامّة الصلاة والصيام"، وذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات/ 10).
بل ويمكن النظر إلى الإصلاح في كل مجال يتعرّض إلى التصدّع، وعلاج ما فسد منه في مهده أو في مراحله الأولى، على أنّه عمل صالح.
وبإمكاني أن أضيف إلى ما ذكرتم قائمة أخرى بالأعمال الصالحة: فإزاحة الأذى عن طريق المسلمين.. عمل صالح، والامتناع عن التدخين في الأماكن العامة لما يسبِّبه من إضرار في صحّة الآخرين.. عمل صالح، وعدم رمي الأوساخ في الطريق ممّا يلوِّث البيئة بالأوبئة من قاذورات وبصاق وتكاثر الذباب والبعوض، عمل صالح، ذلك أنّ الأماكن العامّة أو الطرق والشوارع ملك عامّ فلا يحقّ لأحد التصرّف بها على أنّها ملكه الخاص.
والكفّ عن رفع صوت المذياع أو التلفاز أو مكبِّرات الصوت، بل حتى الامتناع عن رفع صوت الإنسان خاصّة في أوقات استراحة الناس في الليل.. عمل صالح.
فضلاً عن أنّ المحافظة على جمال البيئة، وعدم الاعتداء على الأشجار والأزهار والحشائش وأماكن التنزّه والاستجمام، بقطعها أو حرقها أو قطفها.. عمل صالح، ألا ترون إلى بعض البلدان التي تتشكّل فيها أحزاب تُسمّى بـ(حزب الخضر)، تأخذ على عاتقها مهمّة الحفاظ على البيئة الطبيعية من أي عدوان؟
وهكذا الأمر بالنسبة للرِّفق بالحيوان وعدم قتله أو تعذيبه أو حبسه، حيث نرى جمعيات قائمة بذاتها تهتم بهذا الجانب، وقد دعا الإسلام إلى هذا الرفق ونهى عن الإساءة إلى الحيوانات والطيور في لفتات تربوية رائعة، ممّا يجعل الاهتمام والعناية بهذه الكائنات عملاً صالحاً.
وعلى نحو الإجمال، فإنّ المظهر الحضاري والإنساني والإسلامي للحياة هو هذا الذي تحقِّقه الأعمال الصالحة التي يمتثل فيها الإنسان المسلم لنداء ربِّه في إعمار الأرض وإصلاحها بكل ما هو خيِّر ونافع وعادل وحقيقي وجميل.
إنّ الكثير من الأعمال تُعدّ اليوم أعمالاً حضارية ودليلاً على الرقي والتمدّن، هي ممّا سبق الإسلام في الدعوة إليه وأهمله المسلمون، وكلّما ارتفعت نسبة هذه الأعمال في المجتمع المسلم، عاد إلى دوره الريادي المشرِّف في قيادة العالم إلى مصاف القيم التي تفتقر إليها بلدان وشعوب كثيرة، وتعاني من جرّاء افتقادها الكثير من الأمراض النفسية والصحية والاجتماعية والتربوية. وليس جزافاً يربط القرآن بين الإيمان والعمل الصالح لتلازمهما الوثيق وترابطهما العضوي الذي لا انفصام له: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) (البينة/ 7).
وسأحدِّثكم اللّيلة القادمة بإذن الله عن نماذج من العمل الصالح لسببين:
أوّلاً: حتى لا يكون كلامنا نظريّاً، وثانياً: عسى أن نتشجّع ونندفع ونتحفّز للقيام بالأعمال الصالحة، فإلى الغد رعاكم الله وتصبحون على خير.
العائلة: وأنتَ من أهل الخير والصلاح.

ارسال التعليق

Top