• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

عقل المراهق

د. عبدالعزيز بن محمّد

عقل المراهق

ما الذي يدعو المراهق للاختلاف في الرأي مع والديه ومعلميه؟ وما الأسباب التي تجعله يناقش القضايا معهم ويجادل فيها بعد أن كان مستسلماً مطيعاً في سن طفولته؟ ولماذا يريد المراهق التحدث والنقاش والمداولة؟ ولماذا ينزع المراهق إلى الاستقلالية؟ وإلى محاولة الانفراد في اتِّخاذ القرار؟ وخصوصاً في شؤون حياته الشخصية؟ بل لماذا يسفه آراء الآخرين، ويتهمهم بالإجبارية، والتَّنَفُد، ومصادرة الآراء أو يَسِمُهُم بالفردية والتحيز؟ ولماذا يعاند ويصر ويجابه؟ ولماذا يجنح المراهق – في كثير من الأحيان – إلى المثالية والصور النموذجية للحياة، ويطالب بذلك؟ ثمّ ما أسباب ورود الأسئلة الملحة على المراهق مثل: مَن أنا؟ ما هويتي؟ ما وظيفتي؟ ما هدفي؟ ما موقعي في الأسرة، ما موقعي في المجتمع؟ هل أنا طفل أو طفلة؟ هل أنا رجل أو امرأة؟ بل قد ترد أسئلة مثل: لماذا خلقت؟ ما هدف الحياة؟ وما نهايتها؟ وأسئلة أخرى عن الحياة، والكون، والإنسان أعمق وأشمل.

ولماذا تبرز مواقف الإباء ومقت التبعية، والاشمئزاز من المنّ والأذى؟ ولماذا تظهر ألفاظ العزة والأنفة أحياناً؟ بل لماذا يلجأ بعض المراهقين إلى محاولة الانفصال، والبعد عن الهيمنة الأسرية؟ والاعتماد على النفس؟ أو التظاهر بالقدرة على ذلك. بل لماذا المجابهات بين الآباء والمراهقين، والمتعلقة بكيفيات الإنفاق ومصادره، ومدى الحرية أو التبعية فيه؟ ولماذا يفكر المراهق في ذاته ودواخل نفسه، ويتأملها، وينتقدها أحياناً، بعد أن لم يكن كذلك؟ وكيف ينتقد هيئته وصفاته ويتفكر فيهما؟.

أسئلة كثيرة ترد في هذا الصدد، لم نشر إلا إلى جزء منها، وكلها تنم عن تحول مهم وجديد في تكوين المراهق وحياته.

إنّ التحولات والتغيرات العقلية، والمعرفية، هي من أهم المسوغات والأسباب التي تمثل الإجابة على تلك الأسئلة الآنفة الذكر.

لقد تحول المراهق والمراهقة من التفكير المادي إلى التفكير المعنوي، ومن التفكير الفردي البحت إلى التفكير شبه الجماعي، ومن التفكير الموجَّه للخارج فقط إلى التفكير القادر على تأمل الذات، وتأمل المحيط الخارجي في الوقت نفسه. كما أنّ المراهق والمراهقة تحولا عن التفكير السلبي القابل للتبعية إلى التفكير الإيجابي الباحث عن المسؤولية. وعن التفكير الآني إلى التفكير الآني والمستقبلي معاً.

إنّ القدرة العقلية في مرحلة المراهقة تشهد تحوّلاً نوعياً حيث يبدأ الفرد بإدراك المجردات، والمعنويات، بعد أن كان أسيراً للمادة، لا تتضح له الأشياء إلّا بالتمثيل المادي، ولا يستوعب القضايا المطروحة استيعاباً صحيحاً إلّا بعد اقترانها بالنماذج والأمثلة الموضحة. فالمراهق يستطيع باستعداده العقلي أن يدرك معاني الصدق والإخلاص، والأمانة، وقيم الوفاء، والنبل، والعزة، والكرامة، وصفات الحرية، والعدل، والمسؤولية ويستطيع المراهق إدراك الأبعاد المتعددة للقضية الواحدة في وقت واحد، لأنّ القدرة على تصور الموقف وتخيله موجودة، فهو يستطيع – مثلاً – تصور الوصول لمكان معيّن من عدة طريق دون سابق خبرة. ويتمكن من التحكم في البدائل المتعددة للوصول إلى حل المشكلة. فهو يستطيع – مثلاً – عندما يقع في مخالفة لا يرضى عنها والده أن يتصور الموقف المنتظر بأبعاده ويفكر في الأوجه المتعددة للحل وما يترتب على كلِّ وجه ويقوم بعملية الاختيار.

وعندما تعرض عليه قضية مثل "الفراغ: أسبابه، وكيفية استغلاله" بإمكانه تفهم هذه القضية، وتصور الأسباب، والكيفيات بخلاف الأطفال، فقد لا يدركون المعنى الحقيقي لكلمة "فراغ" ما لم توضح وتمثل، فضلاً عن أسباب الفراغ وكيفيات استغلاله.

وقد تمت دراسات عديدة وضحت أنّ المراهق يتميز عمن دونه بالقدرة على التفكير المعنوي، وعلى التصور، والتخيل، مما يساعده على تفهم القضايا، ووضع الحلول للمشكلات حتى قبل حدوثها وهذا هو الذي يجعل المراهق يعي المعاني والقيم ويستطيع تفهمها، وتتجاوز تساؤلاته الإطار المادي القريب إلى الأبعاد المعنوية النفسية والكونية، فهو يفكر في معنى الحياة وأهدافها، وخلق الكون، والنفس، وأسبابه، ويستطيع إدراك المعاني المرتبطة بذلك. وهو يبحث عن هويته، وموقعه ممن حوله، ووظيفته الاجتماعية... إلى غير ذلك من الجوانب المحتاجة إلى هذا النوع من التفكير التجريدي.

ورغم ما تمنحه خاصية التفكير المجرد، والتصور التخيلي للمراهق من سعة أفق، وقدرة على التعامل مع البيئة بكافة أبعادها وعلى فهم المعاني، والمجردات على وجه حقيقي – إلا أنّ لذلك مشكلات معرفية واجتماعية، من أهمها: المثالية في المطالب، والحيرة بين البدائل:

المثالية: إنّ خاصية القدرة على التخيل والتجريد تعطي المراهق فرصة التفكير للوصول إلى حلول مثالية للمشكلات الشخصية، والأسرية، والمجتمعية، غير ممكنة التطبيق، مع عدم استحالة تحقيقها، ويمكن للمراهق على أساس من هذا التفكير أن يتصور بيتاً مثالثاً، ومجتمعاً مثالياً، وأُمّة مثالية، لكنه يصطدم بالواقع الثقيل المعقد. وهذا الخلل في الاستفادة من خاصية التفكير المجرد والتصور نشأ عن فقد الخبرة، فالمراهق يملك القدرة على التجريد والتصور، لكنه يفقد الخبرة، والتجربة، والرصيد العلمي الواقعي، الذي يتكوّن من احتكاك الفرد بظروف الحياة المختلفة، ومن اختلاطه بأصحاب الخبرة والمراس، الذي يساعده على الواقعية ويمكن أن نمثل هذه المشكلة التي يعيشها المراهق بالمعادلة الآتية:

 التفكير المجرد + فقد الخبرة = المثالية أو النموذجية

ولأنّ المراهق يكون مثالياً في التفكير – أحياناً – وتصدر عنه آراء مثالية، ومطالب نموذجية، تواجه بالرفض والإهمال من قبل الوالدين، أو المجتمع – ينشأ عن ذلك صراع بينه وبين الأسرة، أو بينه وبين المجتمع، أو ينشأ الاغتراب الذي يؤدي إلى سلبية الشاب وتشاؤمه. ويمكن أن نمثل هذه المشكلة بالمعادلة الآتية:

 آراء ومطالب مثالية + رفض مستمر دون بيان = صراع أو اغتراب

الحيرة والنقد: يستطيع المراهق أن يتصور المواقف المختلفة قبل حدوثها، ويستطيع عند مواجهة المشكلات أن يدرك الوجوه المختلفة لها، والبدائل المتعددة لحلها، وعندما يواجه مشكلة ذات بدائل متعددة في حلها لابدّ من اتِّخاذ قرار لتحديد الحل واختياره، وإذا وُضِعَ في الاعتبار فقدُ الخبرة، مع طبيعة المراهق الانفعالية – كانت هذه مشكلة بالنسبة له، فهو لابدّ أن يختار، ولابدّ أن يعرف التعليل لاختياره هذا الحل دون ذاك. ومن هنا تنشأ مشكلة الحيرة بين البدائل، وموجة الشك والتردد، والاتجاه للنقد والتمحيص فيما حوله، حتى في بعض المسلمات التقليدية الاجتماعية – باحثاً عن الحكمة من ورائها، ومناقشاً لوالديه، أو معلميه في مواقفهم، وفي اتِّخاذهم للقرارات، وفي اقتناعهم بالمسلمات. ورغم ما يواجهه المراهق من حيرة بين البدائل إلا أنّه ينزع إلى اتِّخاذ القرار بنفسه، واختياره الحل الذي يقتنع به، لكنه قد يُخْفِقُ في كثير من الأحيان، ويفشل ما لم تتم إحاطته بوسط يساعده على اتِّخاذ القرار المناسب، بطريقة غير مباشرة، أو بطريقة مباشرة غير ملزمة.

والمراهق يستطيع استيعاب الرموز المركبة، أي أنّ بإمكانه أن يستخدم الرمز لرمز آخر، فإذا رمز للرمز "1" بـ"س" ورمز للرمز "2" بـ"ص" فإنّ المراهق يستطيع معرفة أنّ "س" زائد "ص" يساوي "3". وهذا يؤدي إلى أن يصبح المراهق قادراً على التفكير في ذاته، وهو ما يمهد لقدرة المراهق على تأمل ذاته، وأحواله، والتفكير في سماته، وصفاته، ويدعوه لنقد الذات، أو الاعتداد بها، كما أنّه يستطيع تكوين فكرة عن ذاته، وطاقاته، وميوله، وحاجاته، ولا يتقبل رأي الآخرين فيه بسهولة، فهو يرى أنّه قادر على معرفة نفسه، والتعمق فيها والحكم عليها. ويدّعي أنّه لا يحتاج إلى رأي الآخرين. وقد يدعوه ذلك إلى رفض توجيهاتهم، ونصائحهم، أو إلى قبولها مع عدم القناعة بها، خصوصاً عندما تملى عليه، أو عندما تصدر من سلطة لا يقوى على رفض أوامرها. ولبروز قدرة المراهق على التفكير والتأمل في النفس والذات ينشأ أحياناً الإدعاء بأنّ الراشدين لا يفهمونه، ولا يدركون مرحلته، ومعاناته، وأنّهم أبعد الناس عن مشاركته الفكرية، والوجدانية، وأكثر الفئات جهلاً به، وتخبطاً في تفسير توجهاته، ومسالكه. وهذا النوع من التفكير – حتماً – لم يكن موجوداً في مراحل الطفولة، والصبا فهو من خصائص مرحلة المراهقة، التي تتسم بالتغيرات البالغة في مستوى التفكير، ونوعيته.

والمراهق يخرج من التفكير السلبي التبعي إلى التفكير الإيجابي الباحث عن المسؤولية، والمتفحص لذاته، ومقامه، وسمعته، إنّه يتساءل: ما هي صورتي عند الناس؟ بماذا يحكم علي الآخرون؟ هل أنا كبير بالفعل؟ ولماذا لا أقوم بمهام الرجال؟ هل أنا كبيرة بالفعل؟ ولماذا لا أقوم بمهام النساء؟ هل أحمل صفات الكبار؟ هل أنا مقبول عند الجنس الآخر؟ وما الذي يجعلني مقبولاً؟ ما هي عناصر القبول والرفض الاجتماعي؟ وكيف أقوم بالعمل المناسب؟

إنّ لدى المراهق مستوى من النضج العقلي، يمكنه من الشعور بالهامشية عندما يكون مهملاً منبوذاً، ومن الشعور بالقيمة عندما يكون ممكَّناً مسؤولاً. وهو يستطيع أن يدرك إدراكاً عالياً مدى ارتباط صورته عند الناس. بمهماته، وأعماله، ومسؤولياته، وممارساته. وهذا مؤشر مهم على إيجابية تفكيره، وتفتح هذا التفكير على الحياة.

ومما يتميز به المراهق إدراكه التام لمفهوم الزمن، وقدرته على التفكير المستقبلي إضافة للتفكير الآني، فالمراهق لا يكون أسير الحال مشدوداً إليه، كما هو حال الطفل دون سن العاشرة. إنّ عقلية المراهق تتمكن من فهم الأبعاد الزمنية: الماضي والحاضر والمستقبل. وتستطيع ذاكرته استدعاء الماضي، كما تستطيع التفكير في المستقبل – ما قرب منه وما بعد – بالتحديد وبالتعميم، فهو يدرك معنى الأيّام، والأشهر، والسنين، والقرون. ويدرك معنى بداية الحياة، ونهايتها ويدرك مفهوم الدنيا والآخرة. ويفهم الوعد والوعيد والأمل والطموح، والوسيلة والغاية، والمرحلة والنهاية، إلى غير ذلك من المفاهيم المرتبطة بالزمن وأبعاده.

وهذا الاستعداد يؤدي عادة إلى الفهم الصحيح لكلِّ هذه المعاني دون لبس أو غموض. وليس كحال الطفل الذي يفهم هذه المعاني فهماً خاصاً به، مختلفاً عن مفهوم الكبار، نظراً لمحدودية استعداده العقلي. كما أنّ هذا الاستعداد هو من المهيئات التي تدعو المراهق للتساؤل البعيد عن الكون، والحياة: أهدافها وأسبابها. وعن الإنسان: غاياته، ووظائفه، ونهايته. كذلك هو من المهيئات التي تدعو المراهق للتفكير بالمستقبل، وتخيله، والتخطيط له، والانشغال بذلك. بل وتمكنه هذه الاستعدادات – أحياناً – من مواجهة الآخرين، والتصدي لهم عندما يريدون التخطيط لمستقبله بمعزل عن رأيه، ووجهات نظره كما يفعله كثير من الأبناء في مواجهة الآباء. ويتضمن التفكير في المستقبل الصورة المستقبلية لحياته، وطبيعة عمله، أو نوع مهنته، وشريك حياته – وهو من أهم الموضوعات – ومكانته في الأسرة، وفي المجتمع. ولدى المراهق استعداد أوسع من ذلك يمكن أن يتضمن التفكير المستقبلي في أحوال مجتمعه، ومستقبل أُمّته، ومكانتها بين الأُمم، والعمل للنهوض بها، لتحقيق مستقبل زاهر. ولا يسلم المراهق من المثالية في التفكير، نظراً لقلة خبرته، وقصر تجربته، مما يصيبه بالإحباط، وخيبة الأمل أحياناً.

 

المصدر: كتاب المراهقون/ دراسة نفسية إسلامية للآباء والمعلمين

ارسال التعليق

Top