• ٢٦ أيار/مايو ٢٠٢٠ | ٣ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

في الفهم الأخلاقي للسجود القرآني

السيد محمّد الصدر

في الفهم الأخلاقي للسجود القرآني

القرآن الكريم كلّه ذكر لله عزّ وجلّ. والمفروض بالمؤمن أنّه كلّما سمع الذكر سجد. فإن لم يسجد جسمه سجد قلبه وعقله.

وما قد يخطر في البال: من أنّ القرآن يحتوي على مطالب كثيرة ليست من ذكر الله كذكر الأنبياء والكفار وفرعون وإبليس وآيات التشريع وغيرها، فلا يكون كلّه ذكراً.

فجوابه: إنّ احتواء القرآن على ذلك مسلم وواضح. إلّا أنّه مع ذلك، هو ذكر لله عزّ وجلّ أو لا أقل إنّه مذكر بالله عزّ وجلّ. وذلك لعدة وجوه. منها:

أوّلاً: لأنّ الفرد حين يقرأ القرآن ينبغي أن يتذكر بوضوح كونه نازلاً عن الله عزّ وجلّ. وهذا سبب كافٍ للذكر لا محالة.

ثانياً: إنّ كلَّ ما ذكره الكتاب الكريم إنما هو من زاوية إلهية. فالكفار هم كذلك أمام الله وفرعون طاغية تجاهه. والأنبياء مرسلون من الله. والتشريع مجعول منه سبحانه وهكذا. وهذا أيضاً سبب كافٍ لجعل تلك الأمور كلّها من قبيل الذكر أو سبباً للذكر.

إذن فالقرآن الكريم كلّه ذكر، والسجود مناسب مع الذكر لا محالة. كلّ ما في الأمر أنّه كما يمكن أن يراد به السجود الظاهري يمكن أن يراد به السجود الواقعي، وهو غاية الخضوع لله عزّ وجلّ. فمن المناسب أن لا يقرأ القرآن إلّا في مثل هذه الحال، أو يحاول الفرد إيجادها لدى القراءة.

وقد يخطر في البال: أنّه ورد في الأخبار: أنّ هناك عدة أماكن لا يقرأ فيها القرآن. وعد منها الركوع والسجود. وهذا ينفي أو ينافي ما قلناه.

وجوابه: أنه يمكن حمل السجود هنا على السجود الظاهري الاعتيادي. أو حمله على السجود في الصلاة، فيرتفع التنافي بين الأمرين.

وإذا كان السجود في كلِّ القرآن مطلوباً، فأحرى به أن يكون في بعض القرآن مطلوباً. أو بتعبير آخر: إنّ أبعاض القرآن الكريم وآياته تختلف في أولوية السجود فيها. فقد تبلغ الأهمية درجة كافية، بحيث يكون من المصلحة أن تأمر الشريعة عامة الناس القارئين للقرآن بالسجود في تلك المواضع. وعندئذ يكون (السجود القرآني). وهذه الأهمية قد تكون بدرجة الاستحباب، كما هو الحال في أغلب الآيات، وقد تكون بدرجة الوجوب.

وهنا، أعني الوجوب، قد يعني فيما يعني، أنّ الله سبحانه، لا يريد من العبد أن يكمل القرآن كلّه، وهو غير ساجد على الإطلاق، بل يريد أن يرى عبده ساجداً ولو في البعض القليل من القرآن الكريم.

وقد يخطر في الذهن أنّ ما مشينا عليه ورمزنا إليه، إلى الآن، هو أن يقرأ الفرد وهو ساجد، إما بالسجود الظاهري أو السجود المعنوي. في حين نرى أنّ (السجود القرآني) لا يجب فيه بل لا يشرّع فيه قراءة القرآن. وإنما يقطع الفرد قراءته ويسجد، ثمّ يستمر بها إن أراد. إذن فالسجود القرآني، ليس هو الذي قصدناه.

وهذا له عدة أجوبة منها:

أوّلاً: إنّ هذا السجود المأمور به هو رمز عن ذلك السجود. فإنّ الفرد الاعتيادي قد لا يفهم السجود بالمعنى الذي قلناه أو لا يستسيغه. ومن هنا أمر بالسجود خارج قراءة القرآن.

ثانياً: إنّ الفرد الاعتيادي الذي لم يكن ساجداً خلال قراءة القرآن لا سجوداً معنوياً ولا ظاهرياً. يمكنه أن يعوض عن ذلك بالسجود خارج القراءة كرد فعل أو خشوع ناتج من القراءة نفسها. كما لو سجد بعد نهاية كلّ سورة أو بعد كلّ مقطع قرآني. فتكون فكرته هي فكرة السجود القرآني نفسه.

هذا مضافاً إلى ما ورد إلى استحباب أنّ الفرد كلما مرّ على آية رحمة طلبها وكلما مرّ على آية عذاب استعاذ منه. فمن الحري به أن يطلب ويستعيذ ساجداً سجوداً ظاهرياً أو معنوياً، مضافاً إلى مشاركة الساجدين في سجودهم كسجود الملائكة أو غيرهم مما هو مروي في القرآن الكريم.

ولا يخطر في البال أننا في الفقرة السابقة نفينا إمكان السجود، فيما إذا كان الأمر متوجهاً إلى الغير، كالملائكة. فكيف أثبتناه هنا.

وجواب ذلك: أننا في الفقرة السابقة نفينا أن يكون الأمر بالسجود متوجهاً إلى القارئ ما دام منصوباً في الآيات على أنّه متوجه إلى غيره. وإذا لم يتوجه إليه الأمر بالسجود فلا مورد لامتثال الأمر القرآني.

إلّا أنّ امتثال الأمر شيء ومشاركة الساجدين في سجودهم والتعاطف معهم شيء آخر. فهو يسجد تعاطفاً وإن لم يكن مأموراً. فيكون سجوده أكثر ثواباً وأعلى مقاماً.

 

المصدر: كتاب فقه الأخلاق/ ج1

ارسال التعليق

Top