• ١٤ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

كربلاء من جديد

العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله

كربلاء من جديد
في كلّ سنة لنا ذكرى مع أجواء عاشوراء، وفي كلّ سنة نستعيد في وعينا وحياتنا كربلاء. لكن قيمة عاشوراء وكربلاء الذكرى أنّ لها لقاء في كلّ زمن مع الأُمّة، تمدّها وتعطيها من حيويتها، وتدفعها إلى المواقع المتقدّمة في مسيرة الحياة الكريمة... فكنا نراها شاخصةً في السابق، ونراها الآن تتحرَّك في حياتنا لتمنح عطاءها لكل بلاد العالم الإسلامي في واقعها الجديد، ومعاناتها الجديدة. فلم تعد كربلاء متصلةً بقصة جغرافية في نطاق بلد معين أو دولة معيَّنة، بل راحت تتفاعل مع كلّ أرض يعيش فيها المسلم الصراع ضد الكفر والظلم والاستغلال والاستكبار، وبدت لنا أكثر من كربلاء، لنا كربلاء هنا، ولنا كربلاء في العراق، ولنا كربلاء في إيران، ولنا كربلاء في أفغانستان، ولنا كربلاء في كل بلد يقف فيه الإسلام والمسلمون ضد الكفر. ولم تعد عاشوراء – عاشوراء الحسين وعاشوراء الشهداء – مجردة في التاريخ، وإنما تحوَّلت لتكون منطَلَقاً في كل زمن، وكل جيل تتمثَّل فيها المجالات التي يقف فيها الإنسانُ المسلمُ في كل مرحلة من مراحل الجهاد من أجل العزة والكرامة في سبيل الله.
 
عاشوراء في صميم الواقع:
ولكن عندما نتمثَّل كربلاء في كل أرض يتحرَّك فيها الجهاد، وفي كل زمن ينطلق فيه خط الجهاد؛ لابدّ لنا من أن نعيش هذه الروح، وهذه القضية، وهذا التحرّك بعمق المعاني التي عاشتها تلك الأرض، وبعمق الأهداف التي عاشها أولئك الشهداء.
كي لا تصبح عاشوراء مجرد زمن يتحرَّك فيه الجهاد، لابدّ أن يكون الجهاد الذي نمارسه بحجم فكر الإمام الحسين (ع)، بحجم تطلعاته ووعيه لدوره وإخلاصه لربه، وبحجم الأهداف الكبيرة التي يستهدفها للحياة. كذلك لابدّ لنا أن نعيش في أنفسنا وفي حياتنا أجواء أولئك الشهداء الذي قال الإمام الحسين (ع) فيهم: "والله ما رأيت أبرّ ولا أوفى من أصحابي إنّهم يستأنسون بالمنيّة استئناس الطفل بمحالب أُمّه".
لابدّ أن نعيش هذه الروح المخلصة لله سبحانه وتعالى. فكربلاء ليس فيها شيء للذات أو للفئة، أو للإطار. كربلاء كلّها لله سبحانه وتعالى. القتال كان فيها لله، والسلم كان فيها لله، والصلاة كانت فيها لله، وكل العلاقات كانت منها في سبيل الله. لهذا إذا كنّا نفكِّر في أي مرحلة وفي أي مجال من مجالاتنا العملية في آفاقنا الضيقة، كما كنا نفكر سابقاً... إذا كنا نفكر أن يتعَلّب كل واحدٍ منّا في إطار معيّن أو في شخصيته أو في ذاته، وأن يتعقَّد من أخيه المؤمن لمجرّد أنّه ينتسب إلى ما لا ينتسب إليه؛ فإنّ عاشوراء ترفضنا وترفض جهادنا الذي سوف لا يكون لله، وإنما يكون للإطار الذي نعيش فيه، وللذات التي نختنق فيها.
وفي الظروف التي تريد منا أن نعيش فيها الإخلاص لله تعالى، علينا أن لا نترك للشيطان مجالاً ينفذ فيه إلى أفكارنا ومشاعرنا وعلاقاتنا... فلا نتحاور حوار الذين يَعيش كل واحد منهم الحذر والتحفظ من الآخر. إن علينا أن نشعر بأنّ المعركة والمرحلة تصهرنا وتجعلنا أكثر وعياً لدورنا ولساحتنا، وأشد إخلاصاً في علاقتنا بالله سبحانه وتعالى. علينا أن نبدأ هذا الموسم الذي تتفاعل فيه الذكرى مع الواقع، والذي تتفاعل فيه دموع المظلومين عبر التاريخ مع دموع المظلومين والمقهورين في حاضرنا في مرحلة جديدة من تاريخنا الإسلامي ومن دورنا الإسلامي. وعندما نستحضر الآن ذكرى الآلام التي خلّفها الاضطهاد، والكفر والطغيان في عاشوراء التاريخ، علينا أن نرتبط بهذه الآلام التي يعيشها الناس هنا وهناك، وفي كل بلد من بلدان العالم الإسلامي.
إنّ علينا أن نشحن عاشوراء بدلالات جديدة، مستمدة من واقعنا الذي نعيش فيه. علينا أن نلوّن عاشوراء بلون الزمن الذي نمر فيه، بلون قضاياه ومضمونها... وفي طليعة ذلك قضية الحكم في الأُمّة؛ هذه القضية التي يجب أن تُعتبر الأساس، التي يفترض على الأُمّة أن تتحمَّل مسؤوليّتها كاملة غير منقوصة، وذلك في سبيل أن يكون لها الحكم العادل الذي يسير على أساس كلام الله، وعلى أساس سنّة الله ورسوله... أن يكون الحكم قضية الأُمّة كما هو طعامها وشرابها، بدلاً من أن يبقى على الهامش، على أساس الفهم والدراية، لا على أساس الانفعال أو الحماس، فإن أخطر ما تواجهه الأُمّة في مرحلتنا هذه هي ركوب موجة الانفعال والحماس والعاطفة.
إنّ العدو يخطط للفتنة بين المسلمين، وعندما نواجه عدواً يخطط للمدى البعيد، علينا أن نخطط كما يخطط، وأن نفكّر كما يفكّر... إنّ علينا أن لا ننطلق كما انطلقنا في فترات سابقة من وحي الحماس والانفعال، كما إن علينا أيضاً، أن لا نتأثر بكل أساليب التخويف الترغيب.. التي يراد منها أن تهزم الأُمّة في كل قضاياها العامّة.
عندما نستقبل عاشوراء، علينا ان نستقبلها على أساس ما نحمل من مسؤولية تجاه الله سبحانه وتعالى، أن نعيش التقوى في الفكر عندما نفكر، وفي العمل عندما نعمل، وفي علاقاتنا وكل أوضاعنا العامّة.. وأن نشعر، أيضاً، أن لا صفة لنا إلّا أننا مسلمون، وعلى أساس هذه الصفة يجب أن نتصرَّف في أوضاعنا وعلاقاتنا وحربنا وسلمنا... يجب أن لا نحرِّك رجلاً إلّا بعد أن نعلم ما هو حكم الله هنا، وما هو حكم الله هناك.
لقد وحّدت عاشوراء أولئك الصفوة الطيبة على اسم الله، من خلال الإمام الحسين (ع)، وعاشوراء هذه قادرة أن توحّدنا الآن. إنّ الساحة تحتاج إلى الوحدة اليوم كما كانت تحتاجها في أي مرحلة أخرى.. الوحدة في كل مجال، لا تحاولوا أن تلعبوا بالمصير كما يلعب الأطفال بالكرة. اسحقوا كل حساسياتكم وكل عقدكم وكل أطركم؛ وليبقى هناك شيء واحد هو كلمة الله، ومصير الأُمّة... لا تتلاعبوا بمصير الأُمّة على أساس هذه الأشياء الصغيرة التي تختلفون عليها (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) (الصف/ 4)، لكنّ المهمّ أن نكون بنياناً مرصوصاً في النفوس قبل أن نكون بنياناً مرصوصاً على الأرض. إنّ المهم أن تكون نفوسنا مليئة بالله وبحبّه.
في ذكرى عاشوراء علينا أن نتطلّع إلى الإمام الحسين (ع) في تلك الأرض التي واجه فيها الضَلال والطغيان بكل قوّة، وواجه فيها الآلام بكل فرح روحي. "هوّن عليّ ما نزل بنا إنّه بعين الله" عندما تتألمون، وعندما تجرحون... لا تتخاذلوا ولا تهنوا، وإنما قفوا وقفة الإمام الحسين عندما أخذ دمَ ولده الرضيع، وقال، وهو يرفع وجهه إلى السماء: "هوّن عليّ ما نزل بنا إنّه بعين الله"[1]، لنقل جميعاً: هوّن ما ينزل بنا من كل الآلام إنها في سبيل العزة والكرامة والنصر في مواجهة الكفّار.
إننا نريد أن نعيش في هذا البلد أعزاء كرماء. نريد أن نعيش من موقع إنسانيتنا، من موقع إسلامنا وحريتنا، من موقع كوننا أُناساً نريد الحُرية كما يريد الآخرون لأنفسهم الحرية. لهذا فعلينا أن نقول: "هوّن عليّ ما نزل بنا أنّه بعين الله"، لأنّ الله يعلم أننا لا نسير إلا من أجل رضاه، ولا شيء غير رضاه في الدنيا، ورضاه في الآخرة.
 
المصدر: كتاب من وحي عاشوراء


[1]- البحار، ج45، ص46، باب 37.

ارسال التعليق

Top