• ٢ حزيران/يونيو ٢٠٢٠ | ١٠ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

لُغة القرآن الكريم

شلتاغ عبود شرّاد

لُغة القرآن الكريم
لقد تعددت آراء البلاغيين القدامى والمحدثين في وجوه الإعجاز في القرآن الكريم. وربّما كان أكثرها وجاهةً – من الناحية الأدبية – هي تلك التي وقفت عند خصائص الأسلوب القرآني الفريد في علاقاته اللغوية وطريقة نظمه، وأسلوب التصوير فيه. وللغة القرآنية المقام الأوّل في هذا الأسلوب.
إنّ أوّل ما يلفت حسَّ المتلقي للّغة القرآنية هو جمال جرسها ووقعها في السمع، وانسيابها إلى الوجدان من خلال هذا الظل الذي يوحي به اللفظ، فيرسم معناه في المخيلة، حتى ولو لم يكن المتلقي على علم بمعنى المفردة القرآنية مسبقاً. إنّ هيئة وشكل هذه المفردة يقربه من جوِّ الدلالة المرادة. يقول إبن الأثير: "فالألفاظ الجزلة تُتخيل في السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار، والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذوي دماثة ولين أخلاق ولطافة مزاج".
أُنظر إلى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأرْضِ...) (التوبة/ 38)، فإذا تأملت هذه اللفظة (اثَّاقَلْتُمْ) وجدت حروفها قد صيغت بتناسق يجسِّد معناها، ويقربه إلى الذهن. فهذه الثاء المشدَّدة الثقيلة الممدودة، وهذه القاف المقلقة، بالإضافة إلى حرف اللام والميم اللذين يساهمان في رسم صورة الإنسان الملتصق بالأرض، ولا يكاد يريم عنها. وتستطيع أن تلحق بمثل هذه المفردة العديد من المفردات القرآنية مثل: (عسعس، تنفس، ليبطِّئن، أفنلزمكموها)، وغيرها الكثير.
إنّ اللفظة القرآنية، في أغلب الأحيان، مصوِّرة ناطقة بمعناها، موحية به، كما يلاحظ هذا في قوله تعالى: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا...) (فاطر/ 37). هذه (الطاء) الزائدة ما هي إلّا تصوير لثقل الصراخ المرير الذي يتضاغى فيه المجرمون في نار جهنم، فهو ليس صُراخاً، بل اصطراخاً فظيعاً لا تبقى معه قوة لدى هذا المخلوق إلا استنفرها من أعماقه وهذا التصوير مبعثه صياغة المفردة وعلاقة حروفها بعضها ببعض.
وقد التفت اللغويون القدامى إلى هذه الصلة القائمة بين اللفظ ومعناه، ثمّ توسع فيه الباحثون في أسلوب القرآن من المحدثين. كما أفادوا من الدراسات اللغوية في اللغات الأجنبية.
وللقرآن دقة خاصة في استعمال اللفظة ووضعها، فهي لا تترادف مع أُختها، بل لكل لفظة موقعها في السياق، ووظيفتها التي تؤديها غيرها بتلك الدقة. وقد لاحظ القدماء مثل هذه الدقة المعجزة، قال الجاحظ: "وقد يستخف الناس ألفاظاً، ويستعملونها، وغيرها أحق بذلك منها. ألا ترى أنّ الله – تبارك وتعالى – لم يذكر في القرآن (الجوع) إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع، والعجز الظاهر. والناس لا يذكرون السغب، ويذكرون الجوع في حال القدرة والسلامة، وكذلك ذكر (المطر)، لأنّك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في موضع الإنتقام، والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وبين ذكر الغيث...".
هذه الدقة في الوضع والإستعمال تدلك على أنّ اللغة القرآنية مختارة منتقاة بما يناسب أغراضها، وبما يؤثّر في النفس الإنسانية ويستميلها إلى الإستجابة والإذعان. وهذا ما لا تمتاز به لفظة على أخرى. يقول إبن الأثير: "أُنظر إلى قوارع القرآن عند ذكر الحساب والعذاب والميزان والصراط، وعند الموت، ومفارقة الدنيا، وما جرى هذا المجرى، فإنك لا ترى شيئاً من ذلك وحشي الألفاظ ولا متوعّراً. ثم أُنظر إلى ذكر الرحمة والرأفة والمغفرة والملاطفات في خطاب الأنبياء، وخطاب المنيبين والتائبين من العباد، وما جرى هذا المجرى، فأنك لا ترى شيئاً من ذلك ضعيف الألفاظ ولا سفسفاً".
وتستطيع أن تتبع هذه الألفاظ والعبارات القرآنية، مع اختلاف المواقف، فلا تجد إلا ألفاظاً أُختيرت لمعانيها بدقة معجزة، فتقف مردّداً قوله تعالى: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود/ 1).
ليس صحيحاً، إذنْ، أن نقول بأنّ لغة القرآن جزلة مطلقاً، أو رقيقة مطلقاً، بل هي لغة تتساوق مع الموقف وحالة المخاطبين، وإنّ النفس لتتملى هذه اللغة في حالة قوة جرسها ولينه، فتهتزُّ، ويأخذها الإنبهار والدّهش. ننظر، مثلاً، قوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ...) (البقرة/ 223). ونقرأ وقفة سيد قطب – رحمة الله عليه – عند هذا التناسق: "وفي هذا التعبير ألوان من التناسق الظاهر والمضمر... وأدق ما فيه هو ذلك التشابه بين صلة الزارع بحرثه، وصلة الزوج بزوجه في هذا المجال الخاص، وبين ذلك النبت الذي يخرجه الجرث، وذلك النبت الذي تخرجه الزوج، وفي كليهما تكثير وعمران وفلاح...".
هذه الدقة في الوضع والإختيار والتناسق تتبعها دقة في المعنى، ودقة في الوصف، تجعل الموصوف أكثر حضوراً في الذهن والوجدان، مما يجعل هذا الوصف جزءاً من التلاحم العضوي للتعبير، وليس وصفاً خارجياً زائداً، وتحلية جمالية. وهذه سمة قرآنية لا تقتصر على صفة دون أخرى. ولكننا نستحسن ذكر النموذج الذي يجسِّد هذه الخصيصة، فنجده مثلاً، في قوله تعالى: (.. وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) (فصلت/ 51). وقوله: (.. وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) النساء/ 21)، فأنت تقف عند (عريض) و(غليظ)، فتجد نفسك مأخوذاً بالدهش من هذا الوصف الذي ارتبط بموصوفه، بل انّك لتكتشف الموصوف الآن، بعد أن كان غائماً غير محدد.
أكثر من ذلك، فانك تجد اللفظة القرآنية مشعة بأكثر من دلالة، وموحية بأكثر من معنى، وكله مقبول، مرضي في الوجدان والعقل. فحين احتمل تفسير الثقال أنْ يكون المقصود (الشباب والشيب، الأغنياء والفقراء، أو الأعزاب والمتزوجين، أو النشطين والكسالى، أو الأصحاء والمرضى). فأية شمولية بعد هذا، أنت واجدها في غير هذا البيان المعجز؟
ولعلّ هذه الشمولية في الدلالة المعنوية هي التي أوحت إلى المفسرين والكلاميين وأصحاب المذاهب هذا التباين في الفهم والتخريج، وانّها لثروة ما كان المسلمون أن ينالوا منها شيئاً بغير هذا الكتاب.
ومع هذه الشمولية والإيحاء المشع، تجد المعاني قد اُديت بأوجز لفظ وأحضره، ولعلك ناظر معي إلى هذا الإيحاء في قوله تعالى في سورة (طه) إشارة إلى مآل فرعون وقومه: (.. فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) (طه/ 78)، إذ [يرى العلماء أنّ (ما) في الآية أغنت عن قول أديب (فغشيهم من أليم دوار أو صداع، أو امتناع عن الطعام والمنام، وما شابه ذلك من كروب البحر، وكل هذه التعابير لا تفيد ما أفاد في ابهام (ما غشيهم) من تضخيم وتهويل]. وتلاحظ مثل هذا في قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ...) (البقرة/ 179). هذه الآية التي وقفت عندها المفسِّرون، وخاصة عند لفظة (حياة) في سعة دلالتها وشموليتها، ومثل ذلك كثير في كتاب الله. وقد صدق (شوقي) حين قال:

يكاد في لفظة منه مشرفةٍ**** يوصيكَ بالحقِّ والتقوى وبالرَّحِ

ولا ينبغي أن يفهم من حديثنا عن اللغة القرآنية، أننا نجزّئ الأسلوب القرآني، ونعنى بمفردته وحدها، بينما يؤكد كبار البلاغيين والمتذوقين للنص القرآني على فكرة النظم في القرآن، كما فصلها عبدالقاهر الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز)، إذ قال في موضع منه: "وهل تجد أحداً يقول هذه لفظة فصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم، وحسن ملائمة معناها لمعنى جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها". أقول إننا إذا وقفنا عند خصائص اللفظ القرآني وعبارته، كنا نشير إلى موقع اللفظة في السياق، ومدى مساهمتها في التعبير عن الموقف وتجسيده بدقة لا نجد نظيرها في أسلوب.

وخلاصة القول، انّ القرآن الكريم قد استثمر كل الطاقات الكامنة في اللغة العربية، وأنشأ بين صيغها علاقات جديدة، فنمت وتبرعمت على يديه، وأصبحت خلقاً آخر، نسج على منواله الخطباء والكتاب في العصور الإسلامية كلّها.
 
*كاتب من الجزائر
 
المصدر: مجلة التوحيد/ العدد 14 لسنة 1405هـ. ق

ارسال التعليق

Top