• ١٣ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

مفاتيح فعالة لترويض النفس

مفاتيح فعالة لترويض النفس

يداك أنعم وأرحم من أيديهم، وأنت تثقُ بحب نفسك لنفسك أكثر من أي حُبٍّ في الكون، فأعطِ لنفسك الحق بأن تضغط عليك، وتكون لك كالمعلم القاسي قبل أن يقسو عليك كلُّ من حولك.. فالناس لن تعذرك على تأخرك، وتقاعسك، وظروفك، فما لها إلّا أنْ ترى نتائجك لا أكثر ولا أقل..

"لكي ننجح في الحياة ينبغي أن نتحكّم في غرائزنا، ونسيطر على نفوسنا، ونعرف متى وكيف نلجمها ونكبح جماحها". (ديل كارنيجي)

فاشدد على هذه النفس الكسولة، ولا ترخي لها الحبل على الغَارِب، فهي تميلُ دوماً للرُّكون إلى الأرض.. ادفعها غصباً عنها إلى الأعلى لكي تنعمَ فيما بعد بالفضاء الرحب (فضاء السُّمو والعلى) ولا تستسلم للظروف..

إذا كان مصعد النَّجاح معطَّلاً استخدم السُّلَّم درجةً درجةً.

كُن أنت الحضن الدافئ لهمَّتك.. ولا تسمح لأحدٍ أن يطمس النُّور المتدفق من داخل نفسك..

كُن من السبّاقين دائماً، وابدأ، فغيرك ليس أفضل منك.. اسهَر واتعَب قليلاً، وعش بالطموح الدائم كي ترى ما رسمته لنفسك على الورق مُجَسَّداً في الحقيقة وأمام عينيك.. وبهذا لن تقبل أبداً أن يسبقك أحدٌ..

عندما تتحدَّث إنجازاتك عن نفسها، لا تُقاطع.

فلن تقبل أن يتساوى بك أهل الأماني والأحلام الذين اكتفوا بالكلام وتصيد الأخطاء للآخرين..

 

يا من يحاول بالأماني رتبتي *** كم بين مستفلٍ وآخر راقي

أأبيتُ سهرانَ الدجى وتبيتَهُ *** نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي

 

إياك والظَّن أنّ الموهبة والذكاء فقط هي التي ستميز الناس عن بعضهم.. إنّ العمل بجدٍّ والالتزام هو الأساس، كما أنّ المثابرة وعدم التراخي هو الفارق الأهم بين الناس.

"من المهم أن يعرف الإنسان أنّه ليس موهوباً بما يكفي لكي يتراخى مُعَوِّلاً على موهبته، وليس غبيّاً بما يكفي لكي ييئس فلا يحاول".

وإذا قلنا في أوّل الموضوع: (كُن قاسياً مع نَفْسِكَ).. سنقول الآن: لا تنسَ أن تكون صديقاً لها في الوقت نفسه..

فعندما لا تُسامح نفسك على التفلُّت من المهام التي يجب عليها إتمامها وإنجازها في الوقت المطلوب منها، فأنت بذلك تساعدها وتعينها، ولا ولَن تخسرها.. لأنّك لاحقاً إن فشلت في مجالٍ ما كالدِّراسة أو العملِ أو تحقيق أهداف الحياة ستلومك هي، وستعاني من تساهلك أنت معها..

لن يسألك أحدٌ عن أسباب فشلك، ولن يُبرر لك أحدٌ هذه الأسباب، فهم لن يروا إلّا فشلك..

وليس لكَ إلّا أن تثق بنفسك وقدرتها على تحقيق ما تريد، فمفتاح الثقة بالنفس يفتح كل أبواب النَّجاح، فكِّر كل يومٍ بالجديد الذي سيوصلك إلى مراتب النجوم.

"من يغفل لحظةً عن الجديد يتأخَّر، ومن لا يُداوم على السَّعي للوصول إلى الصَّف الأوّل سيقبع في الصُّفوف الخلفية، ومن يترك للحظِّ أن يصنع له شيئاً سيندبُ يوماً حظَّه، ومن يترك للزَّمن تدبير أموره، سيكتشف أنّ الزمن ليس مُحايداً، الزمن صديقٌ لمن يعمل، ويسعى، ويبادر، وعدوٌّ لمن يرقد، ويتواكل، ويقصِّر، ويتكاسل".

 

وإليك مفاتيح فعالة لتُراوغَ نفسك إذا أحسست بأنها لا تستجيبُ لكَ وتعصيك في بعض الأحيان، فمِنَ الممكن أنها محكومةٌ بعاداتٍ سيئة التصقت بها منذ زمن بعيد ولزمَ إعادة الهيكلة..

1-    التدرج:

أسلوبٌ هيِّنٌ على نفسك، لتحاول أن تصل لما تريد دون أن ترفض وتأبى ما تطلبه منها..

مثال للتوضيح:

إذا نويت أن تقوم ببحثٍ ما، أو دراسةٍ عن موضوعٍ، واستَعْصَتْ عليك نفسُك في التنفيذ..

خُذها بالحكمة والتَّدرج، وقرِّر أن تكتب في البداية صفحةً واحدةً، فقط، وحدث نفسك: أنّ هذا عملٌ بسيطٌ لن يرهقها، وأنك ستكونُ مرتاحاً في التنفيذ.. فإذا ما قمت بهذه الخطوة، انقلها إلى المرحلة الثانية والتي هي مثلاً ثلاث صفحاتٍ يوميّاً، ومنها إلى إتمام ما تريده.. النَّفس كالطِّفل الصغير لاعبها وخذ ما تريد منها.

·      كُن أذكى من نفسك، واعرف مداخلها ومخارجها، وراقب كل مراوغاتها.

·      كن معها كما كان أهل مكة مع بلدهم أدرى بشعابها.

وكُن على يقينٍ: أنّ النَّفس ليست فقط أمّارة بالسوء، وإنما بالكسل والخمول، وإن لم تحكمها أنت فليس هناك بدٌّ من أن تستسلم لها، وترضى بأن تكون كعامة الناس..

وقد قيل: إن أسلوب التدرج عرف الشيطان فعاليته مع النفوس، فأخذهُ سلاحاً له في إغواء الناس.. لذلك حذرنا الله تعالى منه قائلا عزّ وجلّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) (النور/ 21).

فالله أعلم بنفوسنا وطباعها منا؛ لذلك حذرنا من الأسلوب الذي اتبعه الشيطان لإغوائنا، فلماذا لا نستخدم هذه الاستراتيجية مع أنفسنا في الخير؟!..

"التدرج مع النفس أهون عليها وعليك، فبدلاً من أن تسقيها زجاجة الدَّواء في شربةٍ واحدة، اسقها في جرعات صغيرة كُلَّ مرةٍ.. قد تنزعج من الدَّواء المُر في البداية لكنها لا ترفضه.. ورويداً رويداً تتقبله، ثمّ إذا هي أدمنت عليه صارت تطلبه".

2-    أوقات النشاط والصَّفاء والقوّة الجسدية والعقلية:

لكلٍّ منّا لحظاتٌ وأوقاتٌ يشعر فيها بأن داخله بركانٌ هائجٌ من القوّة والنّشاط، وبأنّه قادرٌ على صنع المستحيل..

وبالمقابل تمر به ساعاتٌ يشعر فيها بالوهن والضعف، وبأنّه غير قادرٍ حتى على النهوض من السّرير..

لذا فإن استغلالك لوقت قوتك ونشاطك وصفائك الذهني في إنجاز الأعمال والمهام المرسومة من قبلك.. هو من أهم الاستراتيجيات في التعامل مع النفس..

ولتحافظ على هذه الأوقات وتستغلها وتشعر بأنها كالذهب الثمين بأن لا تسمح لأحدٍ بأن يسرقه منك.. فإذا ما حاول الآخرون إشغالك بمكالماتٍ غير ضروريةٍ أو لهوٍ، فما لك إلّا أن تغلق هاتفكَ، وتغلق بابك، وتنعم بهذه الأوقات المنتجة لتنهي أهم الأمور والواجبات التي ترغب بإنجازها..

3-    أكِّد لنفسك مراراً وتكراراً أهمية الإنجاز أو العمل الذي تطلبُهُ منها:

حدِّث نفسك دائماً وأكّد لها أهمية العمل الذي يجب أن تقومَ به.. وذكِّرها برسالتك وأهدافكَ، ووضِّح لها تبعات إنجاز كلِّ مهمةٍ.. فالنفس تحتاج دائماً لأن تشرح لها، وتعيد الكرة بعد الكرة، فالضّغط على الوَتَر سيأتي لاحقاً بأجمل الألحان..

4-    أقم الحُجَّة على نفسك:

عندما تخاطبك نفسك بأنها غير قادرةً على إتمام أيِّ مهمةٍ أو عملٍ تطلبه منها، فتذكر قاعدةً هامة:

(العقل يبني على آخر تجربة)

وذكِّرها بآخر إنجازٍ قامت به كشهادةٍ علميةٍ أو تحقيقِ هدفٍ صحيٍّ بتنزيل الوزن الزائد، أو بحثٍ أكاديمي قمتَ به... وأكِّد لها بأنّ من قام بالخطوة هذه هو أنتَ نفسك، وأنك ستقودها لتحقيق الخطوة التالية بنجاح..

ولا تنسَ أن تذكر نفسك بأناسٍ قاموا بهذه الخطوات قبلك، ونجحوا في الأمر.. وبالتالي فهم ليسوا أفضل منك.. وأنّ الناجحين عرفوا سر وقيمة التركيز على شيءٍ ما والسعي إليه بكل الوسائل..

أما الفاشلون فكان تركيزهم على: يا ليت، ويا ريت. فحصدوا: لعل، وعسى...

إذا ركَّز أضعفُ مخلوقٍ في العالم كُلَّ قواهُ على تحقيق هدفٍ واحدٍ يمكنُ أن يصل لنتائجَ جيدةٍ، والعكسُ صحيح، إذا شتت أقوى مخلوق في العالم جهوده على أعمالٍ كثيرةٍ، فلن يحقق أيّاً منها... إن استمرار تساقط قطرات الماء مهما كان بطيئاً يفتت أقوى الصخور، في حين أنّ السيل المندفع يتلاشى بسرعةٍ دون أن يترك أثراً.

ناقش نفسكَ وعلِّمها.. إنّ هذه النفس تحتاج الحجة والبرهان، فإن ناقشتها وأقمت عليها الحجة، وأثبتَّ لها بأنها قادرة ستطيعك حتماً..

ارسال التعليق

Top