• ١٠ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ١٩ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

وصايا الوداع

عمار كاظم

وصايا الوداع

من تفاصيل ما جرى في تلك الفترة الأليمة من حياة المسلمين، تنقل لنا كتب السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله ومنذ أن شعر بدنو أجله وأن أيامه في هذه الحياة لم تعد طويلة راح يوجه وصاياه في كل اتجاه ولم يوفر أي مناسبة. فأثناء رجوعه من حجة الوداع توقف رسول الله صلى الله عليه وآله ليوصي أمته التي كان يخشى عليها أشد الخشية وكانت آخر حجة له وكان ذلك يوم عيد الأضحى فقال لهم: {أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه عني، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ثم قال: هل تعلمون أي يوم أعظم حرمةً؟ قال الناس: هذا اليوم (يوم النحر)... قال: فأي شهر؟ قالوا: هذا (شهر ذي الحجة) قال: وأي بلد أعظم حرمةً ؟ قالوا: بلدنا هذا (البلد الحرام) قال صلى الله عليه وآله: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا في بلدكم هذا} ثم قال: {ألا لا ترجعن بعدي كفارا أو ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض}. ومن الطبيعي لرسول الله صلى الله عليه وآله وهو يشعر بدنو أجله، أن يفكر الأمة من بعده وفي الأمين عليها كي لا تضل أو تنحرف لهذا جمع المسلمين العائدين من الحج في غدير خم، خطب فيهم وعاهم إلى التمسك بالثقلين وعندما نادى مناد: وما الثقلان يا رسول الله؟ قال: {الثقل الأكبر: كتاب الله ... والآخر الأصغر: عترتي أهل بيتي فإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض}. ثم أكمل رسول الله صلى الله عليه وآله لنا الدين عندما نصب علياً عليه السلام بأمر ٍ من الله خليفة وإماما وقائدا وأمينا على رسالته، عندما قال: {من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيثما دار}. وفي أشد لحظات مرض رسول الله صلى الله عليه وآله أخبروه أن الناس نساء ورجالا تبكيه، حينها توكأ على عليّ والعباس وابنه الفضل عليهما السلام وخرج إلى المسجد وخطب فيهم ليقدم لهم ما يشبه جردة حساب، نعم رسول الله صلى الله عليه وآله وأمينه على وحيه ومبلغ رسالته يقف أمام الناس ليقدم جردة حساب بملخص حياته رغم أنه لم يُعين من قبلهم وبالتالي ليس مسؤولا أمامهم توجه إليهم وبكل محبة ورحابة صدر قائلا لهم: {أيها الناس، إني والله ما تمسكون عليّ بشيء، إني لم أُحِل إلا ما أحل القرآن، ولم أُحرم إلا ما حرم القرآن}. وهو بذلك يحث كل ما من يملك ملاحظة أو تساؤلا أن يبديها وبكل حرية، وبدون خوف أو رهبة حتى لو كان الحاكم بحجم رسول الله صلى الله عليه وآله...

طالب الرسول صلى الله عليه وآله الناس ان يحاسبوه عن كل إساءة تعرضوا لها منه، ومهما كبرت أو صغرت وأمام الاشهاد والعيون، وقال لهم: {قد دنا مني خفوقٌ من بين أظهركم... فأيما رجل كنت أصبت من عرضه شيئا فهذا عرضي فليقتص، وأيما رجل كنت أصبت من بشره شيئا فهذا بشري فليقتص، وأيما رجل كنت أصبت من ماله شيئا فهذا مالي فليأخذ منه ....} ثم قال لهم:{ ألا إن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة} بعدها قال: {ولا يقولن أحد منكم إني أخاف العداوة والشحناء من رسول الله صلى الله عليه وآله ألا إن العداوة والشحناء ليستا من طبيعتي ولا من خلقي...} فقام إليه رجل فقال له: {كنتَ مارّاً يا رسول الله ذات يوم في بعض أزقة المدينة وكنت تركب ناقتك فامتنعت عليك فأومأت لها بالسوط وأصاب جسدي} فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: {لم أكن متعمدا} فقال الرجل: {هذا قصاص} فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: {أتريد ان تقتص ؟} فقال الرجل: {نعم كما ضربتني أريد أن أضربك} فكشف له رسول الله صلى الله عليه وآله عن جسده الشريف والناس تحدق بهذا الرجل الذي تجرأ على النبي صلى الله عليه وآله، ولكن الرجل كان يخفي شيئا آخر فقد انكب على رسول الله صلى الله عليه وآله يشمه ويقبله وهو يقول: {أعوذ بموضع القصاص من جسد رسول الله من النار} فقال له النبي صلى الله عليه وآله: {أتقتص أم تعفو ؟} فقال: {بل أعفو} عندها قال النبي صلى الله عليه وآله: {اللهم اعف عنه كما عفى عني} أي خلق هو هذا الخلق وأي صورة مشرقة هي هذه الصورة: {وإِنّكَ لَعلى خُلقٍ عَظِيم} (القلم/ 4). وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد بدأ بعشيرته وأقاربه فجمعهم وأوصاهم قائلا: {يا بني عبد مناف، اعملوا لما عند الله فإني لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب يا عم رسول الله اعمل لما عند الله فإني لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية بنت عبد المطلب، يا عمة رسول الله اعملي لما عند الله فإني لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد، يا بنــــت رسول الله اعملي لمـــــا عند الله فإني لا أغني عنك من الله شيئا}. ورسول الله صلى الله عليه وآله من خلال هذه الوصية يريد أن يؤكد لكل أقاربه أن انتسابهم إليه لا يكفي لبلوغ ما عند الله وتحصيل رضوانه، بل كلٌّ يعمل عن نفسه.... لا تظنوا أبدا أنه بحسابات الله يمكن ان يعمل أحد عن أحد كل يعمل عن نفسه ويتحمل مسؤولية عمله {وكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً} (مريم:95)، { َكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} (الإسراء/ 13)

ارسال التعليق

Top