• ٢٦ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠ | ٨ صفر ١٤٤٢ هـ
البلاغ

المهر.. أزمة مادية لكل عروس

المهر.. أزمة مادية لكل عروس
يقدمه العريس للإنفاق على متطلبات الزواج

يظل حلم الزواج والإعداد لحفل العرس أمنية تداعب خيال كلّ فتاة، منذ نعومة أظفارها تحلم بذلك اليوم الذي ستكون فيه محط أنظار اهتمام الجميع لتطل عليهم وهي في كامل أناقتها مرتدية الفستان الأبيض، لكن كلّ ذلك يتحوّل لعبء عندما يتقدم لخطبتها شاب مَن اختارها شريكة لحياته لتبدأ معركة الإعداد لكلّ ما سبق، إلّا أنّها تُفاجأ ومع المهر الذي يقدمه العريس بتفويض إليها بشراء كلّ التزاماتها ضمن المبلغ المخصص للمهر، لتصطدم هي بارتفاع الأسعار التي تقف حائلاً أمام أحلامها في اقتناء ساعة من ماركة معينة أو خاتم يشبه ما اشترته من سبقتها إلى عش الزوجية من بنات العائلة والصديقات.

تقول حصة عبد الله "موظفة": لا يمكن أن نلوم الشاب على تدبيره وبحثه عن الملاذ الآمن الذي يجنبه الاقتراض، ولكن أحياناً يبالغ البعض في كم النفقات التي يحملها العريس لخطيبته وتندرج المبالغ المخصصة لها ضمن المهر وهو ما يوقع الفتاة في حيرة كبيرة وأحياناً تتفاقم بسببها خلافات كثيرة بينها وبين خطيبها أو مع أسرتها التي تلجأ إليها لسد ما عجز العريس على تدبيره، فأعلم بحال فتاة فسخت عقد قرانها ولم تعدل عن قرارها بسبب تحميل العريس لها نفقات كثيرة عليها بعد أن أعطاها المهر، منها إجبارها على توفير زينة البيت والتي توضع على المبنى وإقامة حفل عشاء كبير في بيت عائلته والتكفل بإطعام كلّ ضيوفه بجانب الأشياء المعتادة مثل الفستان ومستلزماته وأغراضها كلّها، كلّ ذلك جعلها ترفض أن تحمل نفسها وأهلها نفقات هي في الأساس ليست لهم وقررت الانفصال.

 

مغريات الحياة:

مريم الزعابي "موظفة": تقول: قبل أن نلوم عاشقي الموضة ومغريات الحياة من الفتيات يجب أن ننظر إلى مَن يروّج لها، فكلّ شيء حولنا يدفعنا إلى أن نكون استهلاكيين بالدرجة الأولى، فمواقع التواصل الاجتماعي مثلاً تلعب دوراً كبيراً في دفع كثير من الفتيات نحو هذه الظاهرة من خلال عرض صور الحقائب والساعات ومساحيق التجميل وغيرها من الكماليات والتي تحمل علامات تجارية معروفة، كلّها أمور تستنزف أي مهر حتى ولو تخطى 200 ألف درهم، وإن كنت أرى أنّ الأمر يتوقف على قناعة الفتاة وأسرتها فهناك من يقبل بأي مهر لابنته ويقوم هو بسد أي نقص لم تستطع أن تدبره هي، أعرف أسرة تكفلت بكلّ نفقات حفل عقد القران حتى تترك المجال لابنتها تشتري ما تريد من مهرها والذي يقدمه العريس لتغطية التزامات كثيرة مثل طقم الذهب والساعة والخاتم والملابس والعطور والأشياء التي تحتاجها الفتاة للظهور بها كعروس في أُولى أيام زفافها.

تركّز حمدة الخوري إحدى المقبلات على الزواج، على غلو الأسعار وارتفاع تأجير الكوشة والفستان وهو ما يضع العروس في حيرة كبيرة، وتضيف: بلا شك غلو الأسعار يفوق توقع أي فتاة مقبلة على الزواج، وهو ما يجعل مهرها ولو تخطى مئات الآلاف لا يكفي، والمشكلة أنّ كلّ ما تجلبه العروس أشياء ضرورية أو يفترض كذلك، ولا يمكن الاستغناء وغير مقبولة اجتماعياً، بل يجب وأن تكون من أشهر الماركات العالمية لأنّ هذا ما يركز عليه الناس ويسألون عنه، وإذا ما حاولت العروس أن تقتصد في بند نجده فاق توقعها.

 

ترتيبات العرس:

تضيف هناء تريم متزوجة حديثاً: عندما يكون هناك اتفاق مسبق على كلّ شيء بين الأسرتين ويلتزم كلّ طرف بما له وما عليه، تقل الخلافات وتتلاشى ولا يكون هناك مجال لحوارات لاحقة حول ترتيبات العرس، وأرى أنّ مسألة التزام العروس بتدبر نفقاتها وفق المهر المقدم لها فهو أمر يتوقف على قناعتها وما يرضيها، فهناك مَن لا يكفيها مليون درهم وأخرى تدبر نفسها بـ100 ألف، وبدلاً من أن تشتري ساعة يفوق ثمنها 200 ألف تعجبها واحدة بـ20 ألفاً.

ومعبراً عن حال بعض الشباب المقبل على الزواج، يقول سلطان عبد الله "23 عاماً": لم يعد باستطاعة بعض الشباب التفكير في إقامة بيت لعدم توافر النفقات التي يتطلبها الزواج، خاصة ما يتعلق ببند المهور والتي لا يوجد سند شرعي للمغالاة فيها، فقد أصبح الشاب يقدم كلّ ما يملك لخطيبته وفي المقابل تطالبه بتغطية نفقات أخرى كثيرة، الأمر الذي يدفعه إلى اللجوء للبنوك لتغطية احتياجاتها، فلدي صديق استدان بـ700 ألف درهم حتى يغطي كلّ متطلبات عروسه وبعد الزواج لم يوفقا وتم الطلاق بعد 6 أشهر فقط، ليظل هو يدفع الدين لسنوات قادمة وهو ما تبقى له من كلّ ما مرّ به من أحداث، فالاعتدال مطلوب وعلى الفتيات أن يستغنين عن البهرجة الزائدة والتي لا تجلب إلّا الخراب.

ويقول محمّد عواض "موظف": أخطط لحياتي بشكل جيّد وأحاول ألا أترك نفسي فريسة للهموم والحيرة، ومسألة الزواج إذا تم الاتفاق فيها على كلّ شيء قبل حتى الخطبة، فسوف يسهم ذلك في سير الأمور بشكل طبيعي، فأنا سوف أقدم مهراً يغطي فقط التزامات العروس المتعارف إليها، أما بقية الأمور الأخرى فسوف أتحملها ولكن بقدر استطاعتي، فالمهم هو اختيار البيت الصالح والذي يبحث فيه الأب عن رجل لابنته وليس خزنة معبأة بالمال.

 

الاستقرار النفسي:

أما "أم حميد" فتعقد مقارنة بين الماضي من حيث اتهام البعض لوالد العروس في طمعه للمهر المقدم لابنته وبين الحاضر وما يتكبده هو من مبالغ حتى يخفف من العبء الذي يتحمله العريس، وتضيف: لدي 3 بنات متزوجات تكبدنا من أجلهنّ مبالغ طائلة كانت تضاف على المهور المقدمة لهن، والذي لم يكن يكفي التزامات العروس مطلقاً، فقد أصبح الشاب يعطي المهر ويتخلى عن بقية التزامات كانت في السابق ضمن واجباته، ليترك أسرة الفتاة في حيرة بين إرضاء ابنتها ورضا الناس وهو ما يجعلها تنفق على ما يقصر فيه العريس، وأرى أنّ ذلك يشعر الفتاة بعدم الأمان والاستقرار النفسي كونها تظل تفكر في مستقبلها وما يمكن أن يؤول إليه مصيرها مع زوج بخل عليها منذ اللحظة الأولى.

من جانبها تسلط الدكتورة مريم الشبيبي استشارية أسرية، الضوء على نمط الاستهلاك الخاطئ السائد في المجتمع، وتقول: أصبح المجتمع استهلاكي بطبعه نتيجة الجري وراء الأشياء غير الضرورية، والتي باتت تؤثر في مسار حياة البعض منا بصورة كبيرة، ولا يغفل عنا كم الأسر التي تعاني بسبب الديون نتيجة الجري وراء هوس الماركات العالمية، خاصة النساء واللاتي تسخّر كلّ إمكاناتها من أجل شراء شيء ليس بغرض تحقيق المتعة الذاتية، بل حتى يقال عنها إنّها صاحبة ذوق رفيع ولديها القدرة المادية، والحقيقة أنّ الكثيرات من الفتيات ينسقن وراء إشباع تلك الغاية خاصة حفل زواجها، فتبدأ من حيث انتهت من سبقنها في الزواج ويكون أوّل غايتها شراء أحدث ما في الأسواق من أطقم ذهبية وساعات فاخرة وعطور وملابس من أحدث بيوت الأزياء، كلّ ذلك من أجل الافتخار بأنّ لديها أفضل من غيرها أمام الناس، وهي ثقافة تصب في مصلحة الاستهلاك غير المقنن وأرى أنّه لابدّ من الاستفادة من تجارب الدول العربية التي لا تغالي في مسألة المهر، والتي التفت إليها قلة من الشباب في مجتمعنا وباتت مسألة البهرجة والتفاخر ليست كسابقتها عند نظرائهم في عهد سابق، وهي خطوة إيجابية يجب أن تستوعبها الفتيات ولا تنظر لمن يفعل ذلك كونه بخيلاً ولا يحمل من صفات الكرم إلّا القليل، بل هي نقطة تعدل مسار حياته القادمة وتضعه على أرض صلبة لا تجرفها الريح وتقلبات الزمن بسهولة، وأكثر ما يحزنني تلك الفتاة التي تقحم أسرتها في الديون لتغطية نفقات تخلى عنها العريس، والنماذج لهؤلاء كثيرة لتكون النتيجة أسرة غير مستقرة وعائلة مكبلة بالهموم من أثر الديون.

تتابع: أود أن نصبح مجتمعاً خالياً من الديون وأن يفكر كلّ خطيبين بخلو عرسهما من الأعباء المادية، فمن تنجح في أن تكون مدبرة المنزل منذ اللحظة الأولى فهي حقاً شريكة حياة ناجحة يخرج من تحت يدها أبناء مدركون لمفهوم الزواج يؤدون واجبهم قبل أن يطالبوا بحقوقهم، وعلى الجهات المعنية التي تهتم بالمقبلين على الزواج أن تطلق الحملات التوعوية التي توعيهم لخطورة الإسراف والبذخ، ولعلنا نجني الخير من وراء آثار الخدمة الوطنية للعنصر النسائي والتي بالتأكيد سوف تغير من مفاهيم خاطئة كثيرة عند بنات الجيل الحالي وآمل أن تشهد الأيام القادمة تغير مفاهيم غلاء المهور ونمط الاستهلاك الخاطئ وغيرها.

 

مخاطر الاستدانة:

ويضيف إبراهيم عبيد نائب رئيس جمعية الاجتماعيين: أصبح هناك وعي عند بعض الشباب بمخاطر الاستدانة وتأثير ذلك في شكل الحياة الاجتماعية بعد الزواج، وهو ما جعل الخطيب ينشغل بخططه المستقبلية بجانب الاستعداد لزواجه ولكن بصورة مقبولة، وهو أمر فسرته بعض الأسر ببخل العريس وشح يده، فالأغلبية تنساق وراء البهرجة عزز ذلك نمط الحياة المرفهة وارتفاع مستوى المعيشة، وتغير مفهوم الزواج عند بعض الفتيات واعتباره مرحلة ممتدة لشكل الحياة التي تعيشها داخل بيت أسرتها، والتي من المفترض أن تدعم فكر الشاب الذي يتقدم لخطبة ابنتها وأن تساعده بالمساندة وليس بتقديم مزيد من المال إرضاء للفتاة، فنحن أمام ظواهر سلبية جنينا أثرها على مدار السنوات الماضية وآن الوقت لمواجهتها والتصدي لها.

ارسال التعليق

Top