• ٨ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٨ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الضعف.. نعمة

د. فوزية الدريع

الضعف.. نعمة

بطبيعته، يحب الإنسان أن يكون قوياً، هو الذي يسير الأمور: أموره وأمور غيره. لكن التواجد في موقع قوة ليس دائماً شيئاً جميلاً. بالعكس، بعض الضعف نعمة. نعم، أن تشعر بأنك ضعيف، لا حول لديك ولا قوة، مسألة غاية في الأهمية والروعة. ولها أيضاً فوائد عديدة، منها: أن نرتاح فلا نبذل مجهوداً، لا بل يكون هناك من يبذل لأجلنا مجهوداً. ونحن، بدلاً من قيامنا بالمسؤولية. نلقي على الآخر كلّ الهم والمسؤولية ونرتاح ونحن نستقبل بدلاً من أن نرسل.

هناك نقطة مهمة في الضعف وهي أننا، حين نكون في ضعف والآخر يسعى إلى مساعدتنا، نشعر بالحب. فما الحب إلا موقف. وأفضل موقف يظهر فيه الحب، هو حين تكون في ضعف.

إنّ الإنسان، كلّ إنسان، يشعر في فترة من حياته بضعف عقلي، نفسي، بدني. ووجود من يقف بجانبك في أي من حالات الضعف هذه، يسهم في علاج هذه النقطة. في الحقيقة إنّ الكثيرين، عندما يمرون بحالة ضعف يزدادون ألماً، إذا لم يجدوا من يداوي جروحهم، لا بل تتعقد أمورهم، لأنّ الإنسان يحتاج إلى المساندة. ومثلما أنّ المساعدة تعتبر دواء، فإنّ عدم المساندة يسبب الألم ويسهم في إضعاف البدن.

أيضاً، إنّ مقدار تعاطفك وضعفك وحساسيتك وعاطفتك حين يكون من حولك ضعيفاً ومتعباً، هي أكبر دليل على مقدار قيمة ومعزة الآخر في قلبك. ثمة شيء ما يحصل حين نحاول أن نساعد شخصاً عزيزاً علينا، وهو إحساس عظيم بالإنسانية والقوة عندنا. حالة إشباع رائعة لا يمكن أن يصفها إنسان. بالطبع، إنّ إحساس العطاء جيد ورائع، لكنه يكون في قمته حين يكون الإنسان تحمل له معزة.

بكلِّ أسف، البعض، يرى الضعف عاراً ويحاول قدر استطاعته أن يخبئه. في حين أنّ ضعف الإحساس هو الصورة العظيمة لقوة إنسانية الإنسان. لطالما رأيت أناساً يعايشون صور ضعف بداخلهم، لكنهم يكبتون هذا الضعف من منطلق اعتقادهم بأنّه شيء فيه عار. وهناك عند البعض خوف من أن يجعلهم هذا الضعف لقمة سائغة للآخرين. وهذا خطأ يجب أن يصحح وهو أنّ الضعف الإنساني، لا يعني الضعف في الشخصية وفي القرار. وهذا التعميم لا يكشف إذا سذاجة الإنسان وعقله الطفولي.

إنّ أشد صور إظهار الضعف تكون مع من نحب. لكن، بكلِّ أسف، إنّ المجتمع حرم الرجل من إحساس الضعف أمام المرأة حبيبته. ولعل الرجل، وبكلِّ أسف، يظهر الضعف لحبيبته، ولكنه لا يظهره لزوجته. وكأن هناك أدواراً ومواقع يسمح فيها بالضعف وأخرى لا يسمح فيها به. ولأنّ الضعف حاجة، فإنّ الرجل قد يسعى إلى علاقة خارجية يظهر فيها ضعفه، بينما يعيش ممثلاً الصلابة مع زوجته. وهذا خطأ جسيم. لأنّه ومن المفترض أنّ الزوجة، هي صندوق الحب كلّه في حياتك. فهي ضعفك وقوتك واحتواؤك. وخوف كشف ضعفك عندها، خوفاً من خسارة الهيبة، يعني خسارات عديدة أخرى مثل خسارة بيتك، سمعتك، وربما أولادك حين يعرف الآخرون بوجود عشيقة ربما، كلّ دورها هو إظهار ضعفك.

من الأمور المضحكة، أنّ المرأة التي حباها الله بضعف ونعمة هرمونات ترققها وتجعل دموعها تنساب، أدخلت نفسها في مفهوم قوة كاذبة، ولبست قناع الجلادة. فلم تعد تظهر ضعفها وحاجتها إلى الرجل بالشكل الطبيعي، حيث إنها تبدو ضعيفة وهو القوي الحامي، المساند. وهذا خلل تدفع ثمنه. ولعلنا نجد الدرس عند الغرب، فبعد سنوات من الاستقواء، عادت المرأة الأميركية والأوروبية إلى الضعف والاستسلام، لأنها وجدت أنّ العودة إلى طبيعتها هي الأجمل لأنوثتها وإنسانيتها.

ارسال التعليق

Top