• ٨ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٨ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

خسارة المولود المنتظر

لورانس برنو/ ترجمة: أنطوان إ. الهاشم

خسارة المولود المنتظر
قد تأتي ظروف تقضي على كل مستقبل هذا الطفل المنتظر: لأنّه مات قبل موعد ولادته أو أثناء الولادة أو بعدها مباشرة؛ هذا ما يدعى الموت المتصل بالولادة. بكلمة أدق، الموت المتصل بالولادة يشمل الأطفال الذين يموتون بين الأسبوع الثاني والعشرين لوقف الحيض واليوم السادس بعد الولادة.
"لكنك لم تتكلمي عن ذلك أبداً!".
هذا صحيح. ربّما تهيباً لأحزانهم؟ ربما خشية أن تثير قلق الآخرين؟ على أي حال، فإنّ الكلمات التي قيلت لهؤلاء الأهل، يمكن أن نسمعها من أيٍّ كان. لأنّه بطريقة ما، عندما تقع المصيبة، إنّ التحدث عنها ومعاينتها وجهاً لوجه وتفهمها، قد تكون بناءً للمستقبل.
يجرؤ الأهل، اليوم، على التحدث عن هذا الموضوع المؤلم: "مع ذلك، كل شيء يسير سيراً حسناً. نحن، اليوم، في غم وشقاء، رتبنا جهاز الطفل، ليس هذا من العدل".
قبل الآن، ومنذ وقت ليس بالبعيد، كان يظن أنّه عندما يموت جنين في الرحم أو عند الولادة، كان من الأفضل ألّا يراه الأهل، لم يكونوا يخبرون بجنسه، كانوا يتمنوا عليهم أن ينسوه سريعاً، وأن ينتظروا ولداً آخر بأسرع ما يمكن. تلك هي "مؤامرة الصمت". ينكر، إجمالاً، أن يكون هذا الطفل الذي مات قد وجد. ولكن كيف يمكن لطفل جديد أن يحل محل آخر؟
يعتبر، اليوم على عكس ذلك، أنّ الأهل يمكنهم أن يلبسوا ثوب الحداد على هذا الطفل الذي عاشوا معه أشهراً، وبدون ذلك لن يستعيدوا هدوءهم. لذا، يجب أن يفهموا ما الذي حدث. من المهم، بالنسبة إليهم، ألا يستمروا في طرح الأسئلة. إن مقابلة اختصاصيين في علم الصحة يستطيعون، في حدود الإمكان، أن يقدموا لهم أجوبة عن أسئلتهم. يقترح على الأهل أن يروا الطفل، أو صورته، وأن يدفنوه ويتحدثوا عنه إلى الأقارب أو إلى الممرضين الذين أحاطوا بهم وقت المحنة. وبالرغم من الحزن، يجب أن يحافظ الطفل على مقامه في العائلة. يمكن التحدث عنه باسمه، لأنّه في أكثر الأحيان يختار الأهل الاسم قبل الولادة. يستمر الجرح دائماً ولكن الألم تخف حدته ويستطيع الأهل أن يفكروا بابنهم بصفاء ذهني أوفر.
استطاع أهلون كثيرون يرزحون تحت ثقل المصيبة أن يتخطوا مصابهم بفضل موقف الممرضين منهم. لم يتمكن البعض الآخر من تحمل رؤية طفلهم الميت، وتعرضوا لفترة طويلة لكوابيس مزعجة. لهذا لا يتسنى لطريقة التفاعل مع الحداد على الطفل، كما لخصناها سابقاً، أن تستوعب إلّا إذا عولجت بلباقة لا متناهية، وهي تختلف تبعاً لحساسية الأهل المعنيين بالمصيبة، تبعاً لثقافتهم، لشخصيتهم. يقترح كل شيء ولكن لا يفرض فرضاً كما يحدث عادة. يجب التأكد من أنّ الأهل يرغبون فعلاً في رؤية الطفل. هذا شيء مهم جدّاً بالنسبة إلى الأهل: "انتابنا شعور عميق، كان علينا أن نرى طفلتنا. لقد نظرنا مليّاً إلى ابنتنا، إلى أهدابها الطويلة، إلى أنفها المحدب، فمها كفم أبيها. ثمّ فتحنا قلبنا وعقلنا لما يقوله الأطباء والقوابل والعائلة: "والحياة تستمر". "كان هادئ المظهر، هذا ما طمأنني، أراحني، أخذته بذراعي. كان قويّاً، كافح ليعيش. لن أنساه أبداً".
بعض الأهل لا يرغبون في رؤية طفلهم الميت، يجب أخذ العلم بذلك. تكفي الصورة أحياناً لتجسيد الطفل. لذا تزداد، في دار التوليد، عملية التقاط صورة للطفل تضم إلى الملف وتعرض على الأهل إذا رغبوا في ذلك.
إنّ وجود فريق، في المواقف التي نوهنا بها، هو مهم جدّاً، بإمكان طبيب نفسي للأولاد، عالم نفسي أن يسهلا الحوار مع الوالدين ويساعدا على الاحتفاظ بالاتصال بين الزوجين؛ إذا استطاع الزوجان أن يتحدثا عن الحداد، يعفيهما ذلك من تدهور الوضع بينهما؛ يوفر عليهما حدوث امتعاض أحدهما من الآخر. يستنفر الفريق بكامله لمرافقة الوالدين في شقائهما وحزنهما.
الإجهاض العفوي، بالرغم من أنّه يأتي باكراً أثناء الحمل، فإنّه يترك غالباً آثار حداد مؤلم كموت طفل عند الولادة.
يكثر بعد الإجهاض أن تعتريك فترة اكتئاب تطول أو تقصر. يفسر هذا الاكتئاب جسديّاً (كما على أثر ولادة) بفوضى هرمونية تلي إيقاف الحمل؛ وتفسر أيضاً نفسانيّاً. كثير من النساء يشعرن بالأسى بعد الإجهاض. فيحاول الأطباء والعائلة التخفيف من وطأة الحدث: "ليس بالأمر الخطير"، "هذا كثيراً ما يحدث"، "ستدلين أبناء آخرين". لا يتفهم المقربون دائماً أنّ الإنسان يمكن أن يمنى بخسارة طفل لم يولد حقيقة. في حين أنّ المرأة تشعر عموماً بأسىً عميق ويعتريها إحساس حقيقي بالخسارة. تشعر غالباً بأنها مذنبة ومسؤولة عما حدث: "لم أحظَ براحة كافية"، "كنت أعاني ضيقاً"، "لم أكن أرغب في الطفل بالقدر الكافي".
تحتاج المرأة إلى تفهُّم واحترام لحزنها، أفضل من أن تشعر بأنها مكرهة على النسيان. يجب أن يتاح لها التحدث إلى من يعتني بالطفل، وتشعر بعطف المقربين منها وبدعمهم. يجب أن يترك لها الوقت لتتعافى معنويّاً، أن ترتدي ثياب الحداد على ابن فقدته.
نصادف، بعد موت الطفل، الكلمات نفسها تقريباً: "أنتما فتيان، ستلدان أبناء أخر"، "ربما كان الطفل مريضاً"، إلخ.
المقربون أحياناً عديمو اللباقة: "الأيام التي تلت خسارة طفلنا كانت قاسية، من بين الأسئلة التي في غير محلها والأفكار الفضولية، مثل: "لا تحملي باكراً، يجب ألا تنسي". حملت ابني سبعة أشهر، شعرت به يتحرك. هل من يتصور أني سأنساه؟ إنّ الأهل بحاجة إلى أن يُمنحوا وقتاً للحداد على ابنهم، يجب أن يُحترم حزنهم.
خصصت الدكتورة فرنسواز مولينا، في كتاب رائع يدعى الأُمّهات الثكالى، ظهر في منشورات ستوك، فصلاً لموت المواليد الجدد؛ حتى لو كان هذا الكتاب مخصّصاً للمهنيين، يمكن أيضاً أن يفيد الكثير من الأهل.
موت الطفل المنتظر قد يحدث في ظروف أخرى. يكشف تشخيص ما قبل الولادة عند الجنين، أحياناً، عاهات تتعارض مع الحياة. يؤدي هذا الاكتشاف إلى مشاكل نفسية وأخلاقية تحمل الأهل غالباً على طلب الوقف الطبي للحمل.

المصدر: كتاب أنتظر مولودا

ارسال التعليق

Top