• ٧ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٧ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

صندوق الأسرار

د. فوزية الدريع

صندوق الأسرار

الصدر هو صندوق الأسرار.. فكلّ خبراتنا المؤلمة والمخجلة، وخبرات غيرنا، تتكوّن فيه. وإن كان الرأي العلمي يرى أنّ هذا الصندوق هو المخ، فمازال الفولكلور الشعبي يرى أنّ الصدر، حيث موطن القلب، هو صندوق الأسرار.

وهناك نقطة مهمّة جذرية بخصوص الأسرار، وهي أنها ليست مُريحة، بل هي مسألة تشبه الثقل في الصدر، وتُثير الغثيان، وكأنك بلعت ذبابة أو لقمة سيِّئة تبقى تؤلمك إذا لم تخرج.

السؤال الأوّل والأهم هو: مَن نثق به حتى نُفرِّج عن أنفسنا؟ نعم، الكلمة الأساسية هي "الثقة". والحقيقة أنه أصبح من النادر أن نجد شخصاً نثق به. وهناك عند البشر حالة لاإرادية هي أنهم يريدون أن يقولوا للآخرين إنهم يعرفون أسراراً. أضِف إلى ذلك أنّ هذا الذي تمّ إخبارهم به هو سر، وكذلك همٌّ ثقيل عليهم، وصدورهم لا تحتمل كتمانه. إنّ أفضل حكمة تعلّمتها من هذه الحالة هي عبارة "إذا لم يحتمل صدرك حمل سرّك، فكيف تتوقّع أن يحتمله صدر غيرك؟".

في الزواج، كثيرون يتبادلون الأسرار، وهي أسرار تخصّهم، مثل تجاربهم المؤلمة، أو حتى العادية، وأسرار تخص أصدقائهم وأهلهم.. إلخ. لكن، في معظم الأحيان، هي أسرار خاصة بهم، وغالباً هي أسرار مُخجلة.

 

-        لماذا يسعى الأزواج إلى تبادل الأسرار؟

اعتقادي أنّ السبب هو علاقة الثقة.. فالزواج شراكة في كلِّ شيء. ويكفي أنّ علاقة الزوج هي العلاقة الوحيدة التي نتعرّى فيها جسدياً مع إنسان آخر. وفي أحيان كثيرة، تكون حكاية الأسرار هي "أخبرني وأخبرك" أي أنّ كلَّ طرف يعرف شيئاً عن الطرف الثاني، فلا يعود هناك خوف، كأنّ اللعبة غير المعلنة هي "إنْ فضحتني.. سأفضحك".

لكن، يحصل أن يفضح طرف الآخر، لكن الآخر يقوم بكتم ما يعرف لأنه مؤدَّب. شخصياً أقول: إن كان في الإمكان كتم بعض الأسرار عن شريك حياتك، وهي أسرار لا تخص علاقتكما، فالأمر أحسن. لكن الأغلبية لا تستطيع. وفي دراسة أمريكية، وُجِدَ أنّ الذين يخبئون أسرارهم عن شريك حياتهم أكثر قابلية للإصابة بالتعب والمرض والكآبة.

المشكلة الحقيقية أنّ بعض الأزواج أو الزوجات هم الذين يُريدون معرفة أسرار الآخر، وبالذات الأسرار الخاصة بماضيه. وسؤال: "أخبرني مَن أحببت قبلي؟" يقود إلى لعبة مجنونة. نعم، مجنونة.. لأنها لعب بالنار.

إذن، معرفة حكاية عاطفية سابقة لشريك حياتك هي بُذور شرّ في قلبك، وبذور خطر على العلاقة، لأنها تقود إلى الغيرة والحسد والغضب والمقارنة، وهي كلها من عناصر تدمير العلاقة التي يمكن الاستمرار فيها بسلام من دون كلّ هذه الأُمور.

وكثيراً ما سألت نساء أتين إلى عيادتي وهنّ يتعذّبن من معرفة ماضي أزواجهنّ: ما هو الماضي في رأيكنّ؟ وكان الجواب يأتيني بما معناه "إنّ ماضي الشريك أمرٌ يخصّني، لكن غيري امتلكه". وهذا الجواب خاطئ طبعاً، لأنّ ماضي الشريك لا يخص الزوجة ولا يمكنها أن تمتلكه، كما أنّ أحداً غيرها لم يمتلكه.

لذلك، لا جدوى من أن تخلق علاقة فيها غيرة من الماضي.

باختصار، وتحت أي ضغط، لا تبُح بماضيك. لكن الأخطر هو أسرار الآخرين. فكلّ إنسان يبوح بأسرار أهله وأصدقائه تنزل مكانته عند شريك حياته.. هذه قاعدة.

الأغلبية تقول إنّ السر ثقيل ومؤلم. أعرف ذلك. ولكن، ماذا لو بُحت به للبحر أو السماء، أو الشجر، أو كتبته وأحرقته، أو بحت به في أضعف الإيمان لمعالج نفسي؟ على الأقل، هؤلاء لن يناموا معك كلّ يوم، ولن يجلسوا معك إلى طاولة الطعام.

 

ارسال التعليق

Top