• ١٠ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ١٩ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

معاني الإخلاص والوفاء في شخصية «أُم البنين» (عليها السلام)

عمار كاظم

معاني الإخلاص والوفاء في شخصية «أُم البنين» (عليها السلام)

هي فاطمة بنت حزام العامري الملقبة بـ«أُم البنين» تلك المرأة ذات الفضل والعفة، والصيانة والورع والديانة، كريمة قومها، وعقيلة أسرتها، فهي تنتمي لأشرف القبائل العربية شرفاً، وأجمعهم للمآثر الكريمة، التي تفتخر بها سادات العرب. فحقّ لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أن يرغب في الوصلة الصهرية بهم؛ لأنّ البنت التي قد ولدها مثل هؤلاء الأبطال الشجعان لجديرة أن تنجب فيما تلد، ولا تلد إلّا شجاعاً بطلاً، فقد أنجبت هذه المرأة المحترمة أعظم الرجال شجاعة وثباتاً وإقداماً، وهو حري بتلك الشجاعة الباهرة؛ لأنّهم معروفون فيها من كلا طرفيه.فقد تزوج أمير المؤمنين (عليه السلام) أُم البنين (فاطمة) بعد وفاة الصديقة سيِّدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وأنجبت له أربعة بنين، هم: (العبّاس، وعبدالله، وعثمان، وجعفر)، وقد استشهدوا جميعاً مع الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة كربلاء يوم عاشوراء، ولا بقيّة لهم إلّا من العبّاس (عليه السلام). كانت أُم البنين (عليها السلام) من النِّساء الفاضلات، العارفات بحقّ أهل البيت (عليهم السلام)، مخلصة في ولائهم، ممحضة في مودّتهم، ولها عندهم الجاه الوجيه، والمحل الرفيع.أضافت أُمّ البنين (عليها السلام) إلى أصالتها ملَكاتٍ شريفةً تفتّقت بعد اقترانها بأمير المؤمنين (عليه السلام) حيث عاشت معه أيّاماً انتفعت فيها من نفحاته العطرة. وكانت فصيحة بليغةً ذات زهدٍ وتقىً وعبادة، ولجلالتها زارتها السيِّدة زينب الكبرى (عليها السلام) بعد منصرفها من واقعة الطف، كما كانت تزورها أيّام العيد.

ودخلت أُمّ البنين (عليها السلام) بيت الإمام عليّ (عليه السلام) الشريف رأت الحسن والحسين (عليهما السلام) مريضين، فأخذت تُلاطفهما وتضاحكهما وتُحسن القول معهما وتُطيّبه، وكأنّها تريد أن تجبر يُتمَهما بأُمّهما الزهراء (عليها السلام)، وترجّت أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يناديها بأُمّ البنين كنيتها، لا فاطمة اسمها فيتذكّرا أُمَّهما ويحزنا عليها. ومضت على تلك السيرة الحسنة معهما تنكبّ عليهما كالأُمّ الحنون، هما وأُختهما زينب (عليها السلام) بل ذكر بعضُ أصحاب السير أن شفقتها على أولاد الزهراء (عليها السلام)، وعنايتها بهم كانت أكثر من شفقتها وعنايتها بأولادها الأربعة: العبّاس وإخوته (عليهم السلام)، بل هي التي دفعتهم لنصرة إمامهم وأخيهم أبي عبدالله الحسين (عليه السلام)، والتضحية دونه والاستشهاد بين يديه.

وكان من وفائها أنّها لمّا دخل بشْر بنُ حذلم إلى المدينة ناعياً سيِّد الشهداء الحسين (عليه السلام) خرجت تسأل عن الحسين (عليه السلام) مذهولةً عن أبنائها الأربعة، فلمّا سأل عنها بشْر قيل له: هذه أُمّ البنين، فقال لها: عظّم الله لكِ الأجر بولدِك جعفر.. وعثمان.. وعبدالله، وهي تقول له في كلّ مرة: خبّرني عن الحسين، أحيٌّ هو أم لا؟ فتعجّب بشْرٌ منها وهو الذي دخل المدينة ينادي بأهلها كما أمره الإمام زينُ العابدين (عليه السلام) :«يا أهلَ يثربَ لا مُقامَ لكم بها الجسمُ منه مضرّجٌ في كربلا قُتل الحسين، فأدمعي مِدرارُ والرأسُ منه على القناةِ يُدارُ».

فقال لها: عظّم اللهُ لكِ الأجرَ بأبي الفضل العبّاس، فسقط من يدها طفلٌ لعلّه هو « عبيدالله بن العبّاس » وكان رضيعاً تحملُه معها، فقالت له: قطّعتَ نياطَ قلبي، هل سمعتني سألتُك عن أحد، خبّرني عن الحسين، فاضطُرّ بشْرٌ هنا لأن يقول لها: عظّم اللهُ لكِ الأجر بأبي عبدالله الحسين. فسقطت مغشيّاً عليها. ولقد كانت أُمّ البنين (عليها السلام) تشاطر زينب (عليها السلام) في مصيبتها، حيث استقبلتها في المدينة واعتنقتها وبكت معها طويلاً، وجلست معها مجالس العزاء. ولذا رأينا أهل البيت (عليهم السلام) ينظرون إليها بعين الكرامةِ والإكبار، وتحظى عندهم بتلك المنزلة العظيمة في قلوبهم ويذكرونها بالتبجيل والإكرام.

ارسال التعليق

Top