• ٢٢ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠ | ٤ صفر ١٤٤٢ هـ
البلاغ

أحبابُ الله

العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل­ الله

أحبابُ الله
لابدّ للناس من أن يكونوا مع الله فيما يحبّ وفيمن يحبّ، ليحصلوا على حبّه ورضوانه.

 

المُقسِطون:

فمن الذين يحبهم الله (المقسطون)، وهم العادلون في كلّ أمورهم؛ مع أنفسهم ومع الله ومع الناس، وهذا ما جاء في قوله تعالى: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (المائدة/ 42). والقسط هو النصيب بالعدل، وقد أكّد الله في القرآن، أنّ الرسالات التي جاء بها الأنبياء ونزلت بها الكتب ووضع فيها الميزان؛ انطلقت من خلال القسط في حركة الإنسان في الواقع، وذلك هو قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد/ 25)؛ ما يوحي بأنّ القاعدة التي انطلقت منها الرسالات، والدعوة التي جاء بها الرسل، هي العدل بكلّ ألوانه للناس كافة. وقد أكد سبحانه ذلك في التعامل مع غير المسلمين من المسالمين في قوله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة/ 8).

وقد جاء القسط بمعنى الشهادة، وذلك هو قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ) (النساء/ 135)، كما أنّه سبحانه لم يفرِّق في العدل بين العدوّ والصديق، وذلك قوله تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة/ 8)، لأنّه لابدّ من أن تكون الشهادة لله بعيداً عن العوامل الأخرى في علاقة الإنسان بالآخرين، وذلك هو قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء/ 135).

وأراد الله للناس أن يقيموا الوزن بالقسط فلا يبخسوا الناس أشياءهم، وذلك قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) (الرحمن/ 9)، (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ) (هود/ 85). وهكذا يريد الله القسط في كلّ أمور الناس، وذلك بتوفيتهم حقوقهم حتى في الإصلاح بينهم، وذلك قوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات/ 9).

وفي ذلك كلّه، يؤكِد الله محبّته للذين يأمرون بالقسط الذي أمر عباده به، وأعلن لهم أنّه هو الله القوي القادر المهيمن على الأمر كلّه القائم بالقسط، وهو قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران/ 18). فالله سبحانه لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم. وهكذا نتمثل القيام بالقسط الذي يحبه الله لعباده فيحبهم لأجله، لأنّهم يمتثلون أمره في ذلك كلّه، ويحبون ما أحبه، ويتحركون به في حياتهم كلّها في القول والعمل.

 

المقاتلون صفّاً واحداً:

ومن الذين يحبهم الله، المقاتلون في سبيله في موقف واحد يشد فيه بعضهم أزر بعض، بما يؤكد موقف القوة في موقع الوحدة، وذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) (الصف/ 4)، لأنّ هذه الصورة هي التي تعبر عن وحدتهم في خط المواجهة للأعداء، ما يحقق لهم أكثر من فرصة للنصر من خلال التواصل والتكامل فيما بينهم. هذا ما جاء في القُرآن الكريم عن الذين يحبّهم الله تعالى.

 

أحباب الله في السنّة الشريفة:

وقد ورد في السنّة الشريفة، في أحاديث النبيّ (ص) وأهل بيته (عليهم السلام)، ذكر عناصر أخرى ممّن يحبّهم الله تعالى.

1- فقد جاء عن الإمام علي بن الحسين (ع): "إنّ الله يحب كلّ قلب حزين ويحب كلّ عبد شكور"، وذلك فيما يمثله حزن القلب من الإحساس بالذنب، وبالخوف من المصير والخشوع لله، وفيما يمثله الشكر من اعترافٍ بنعم الله.

2- وجاء عن رسول الله (ص): "إنّ الله يحبُّ الحييّ الحليم العفيف المتعفف"؛ لأنّ الحياء يمنع الإنسان من اقتحام مواقع المعاصي والرذائل. أمّا الحلم، فإنّه يحقّق للإنسان التوازن في حركته، ويحقّق له السكينة في تفكيره، حتى لا يُقدم عند حالات الغضب على انحراف أو طيش أو معصية. أمّا العفّة، فإنّها تعكس وعي الإنسان لمواقع شهواته ورغباته في حياته، فلا يمدّ عينيه إلى ما ليس له بحقّ، في أيّ جانب من جوانب تلك الشهوات والرغبات.

3- وورد عن رسول الله (ص): "ثلاثة يحبهم الله عزّ وجلّ: رجل قام من الليل يتلو كتاب الله، ورجل تصدّق صدقة بيمينه يخفيها عن شماله، ورجل كان في سريّة فانهزم أصحابه فاستقبل العدو"، بما يُظهره ذلك من إيمان صادق يُحاول أن يستضيء بكتاب الله، ليكون منهاج حياته، وبما تُبديه صدقة السرّ من إخلاصٍ لله، وكذلك بما تعكسه شجاعته من تفانٍ وتضحيةٍ في سبيل الله عزّ وجلّ.

 

أحبّ الناس إلى الله:

1- وردت النصوص المأثورة عن أحب الناس إلى الله، فقد جاء عن رسول الله (ص): "إن أحبكم إلى الله أكثركم ذكراً له، وأكرمكم عند الله عزّ وجلّ أتقاكم له". وذكر الله ليس حالةً في اللسان فقط، وإنّما هو ما يعكس حالة حضور الله تعالى في وجدان المؤمن، فيذكر الله عند كلّ حرامٍ يدعوه ليبتعد عنه، وعند كلّ طاعةٍ تدعوه، فيقبل عليها. وبذلك، يكون الذكر مقدّمة للتقوى التي تمثّل أعلى درجات الحضور لله لدى الإنسان، فلا يقدّم رجلاً ولا يؤخّر أخرى حتى يعلم أنّ في ذلك لله رضى.

2- وفي حديث آخر عن النبيّ (ص) لما سُئل عن أحب الناس إلى الله قال: "أنفع الناس للناس". وفي حديث عنه (ص): "الخلق عيال الله، فأحب الخلق إلى الله مَن نفع عياله لله، وأدخل على أهل بيتٍ سروراً". وعن الإمام الصادق (ع)، قال الله عزّ وجلّ: "الخلق عيالي، فأحبهم إليَّ ألطفهم بهم، وأسعاهم في حوائجهم". ونفهم ذلك على أساس أنّ النفع للناس، في حاجاتهم المتنوّعة، يعكس قمّة الإنسانية التي أرادها الله تعالى أن تتحرّك صافيةً من كلّ ذاتية أو أنانية أو شعورٍ بالاستعلاء، وبذلك يقترب الإنسان أكثر إلى معاني عبوديّته لله تعالى.

3- وعن الإمام عليّ (ع): "إنّ من أحبّ عباد الله إليه، عبداً أعانه الله على نفسه، فاستشعر الحزن، وتجلبب الخوف، فزهر مصباح الهدى في قلبه".

4- وجاء عن رسول الله (ص): "أحب المؤمنين إلى الله، من نصّب نفسه في طاعة الله ونصح لأُمّة نبيِّه، وتفكّر في عيوبه، وأبصر وعقِل وعمل"؛ لأنّ الله تعالى يريد للإنسان أن يكون وجوده وجود الفاعل ضمن أُمّته، فينصح لها في مواقع الزلل التي يراها، ولا يعيش حالة اللامبالاة، كما لا ينعزل عن الحياة ليكون همّه نفسه. وممّن يحبهم الله ذاك الذي ينشغل بعيوبه عن تتبّع عورات الناس وعيوبهم، ليحاسب نفسه، ويُصلح أمره، ويحرّك عقله، ويوجّه عمله من خلال ذلك، ليتحرّك بها نحو مواقع كمالها.

 

الأعمال التي يحبّها الله:

وإلى جانب الأشخاص الذين هم أحب الخلق إلى الله، هناك الأعمال التي يحبها الله ويريد للناس أن يقوموا لها، فقد جاء عن رسول الله (ص): "ثلاثة يحبها الله: قلّة الكلام، وقلة المنام، وقلة الطعام. وثلاثة يبغضها الله: كثرة الكلام، وكثرة المنام، وكثرة الطعام". وفي حديث آخر عنه (ص): "ثلاثة يحبها الله سبحانه: القيام بحقّه، والتواضع لخلقه، والإحسان إلى عباده".

أما أحبُّ الأعمال إلى الله، فقد جاء عن الإمام محمد الباقر (ع): "سُئل رسول الله (ص): أي الأعمال أحب إلى الله عزّ وجلّ؟ قال: اتّباع سرور المسلم، قيل: يا رسول الله: وما اتّباع سرور المسلم؟ قال: شبع جوعته، وتنفيس كربته، وقضاء دينه". وجاء عن الإمام محمد الباقر (ع): "ما عبد الله بشيء أحب إلى الله عزّ وجلّ من إدخال السرور على المؤمن". وجاء عن رسول الله (ص)، قال الله عزّ وجلّ – في الحديث القدسي –: "ما تقرّب إلي عبدٌ بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه"، وجاء عن الإمام عليّ (ع): "أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجلّ في الأرض الدعاء".

مَن لا يحبّهم الله:

 

المعتدون:

وإذا كان هؤلاء الذين يحبهم الله، فإنّ هناك مَن لا يحبهم الله، كما تحدّث الله عنهم، ومنهم المعتدون، وذلك هو قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة/ 190)، فالله لا يريد للإنسان أن يمارس العدوان، وهو سبحانه، لم يرخِّص له في قتال الآخرين إلّا في حالة الدفاع عن النفس أو عن القضايا الكبرى لمساعدة المستضعفين، وفي حالة الوقاية الاحتياطية من عدوان الآخرين.

 

الظالمون:

ومن الذين لا يحبهم الله، الظالمون الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحقّ، وذلك هو قوله تعالى: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (آل عمران/ 57)، لأنّ الله أقام الحياة على أساس العدل للناس كافة، فليس لأي إنسان أن يعتدي على حقوق الناس في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وحرّياتهم المشروعة.

 

المختالون:

والله لا يحب الذين يختالون ويستعرضون أوضاعهم بأسلوب الفخر على الناس (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا) (النساء/ 36)، لأنّ الله يحب المتواضعين الذين لا يمشون في الأرض مرحاً، بل يسيرون في الأرض بشكل طبيعي لا يثير أي سلبية إنسانية. ولا يريد للإنسان أن يأخذ بالفخر في استعلائه وتطاوله على الآخرين، لأنّ ذلك قد يتحول إلى سلوك عدواني نفسي وعملي.

 

الخائن الأثيم:

والله لا يحب الخائنين، كما جاء في قوله تعالى: (وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) (النساء/ 107)، لأنّ الله يريد للإنسان أن يكون صادقاً مخلصاً منفتحاً على الحقّ وأهله، فلا يأخذ بأسباب الخيانة التي قد تسيء إلى الآخرين في الحكم عليهم بغير الحقّ، وفي التعامل معهم بطريقة غير إنسانية بعيدة عن العدل.

 

المفسدون:

(وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (المائدة/ 64)، لأنّ الله لا يحب الفساد، ويرفض للناس أن يفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، ويوجههم إلى أن لا يبغوا في الأرض الفساد.

 

المسرفون:

(إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأنعام/ 141)، لأنّ الله يريد للإنسان الاعتدال والتوازن في نفسه وفي ماله وفي كلّ سلوكياته.

 

المستكبرون:

والله لا يحب المستكبرين، كما جاء في قوله تعالى: (لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ) (النحل/ 23)، لأنّ المستكبرين يتكبرون على الناس بغير الحقّ، فيتحول استكبارهم إلى عملية ظلم وقهر واحتلال ومصادرة لقضايا الناس وإذلالهم. وهو سبحانه لا يحب الفرحين الذين يفرحون بطراً واستعراضاً بما يعبّر عن الحالة النفسية الاستعلائية. والله لا يحب الكافرين الذين يجحدون وجوده وتوحيده ورسله ورسالته واليوم الآخر.

 

المجاهر بالسوء:

ولا يحب الله الجهر بالسوء فيما يتحدث به الإنسان عن الآخرين، وهذا ما جاء في قوله تعالى: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ) (النساء/ 148)، لأنّ الله يريد للناس أن يحفظوا كرامات بعضهم بعضاً، فيسترون على الناس عيوبهم، ويتغاضون عن سلبياتهم، في عملية محبة وخير وانفتاح. ولكنه تعالى جَعَل للمظلومين الحقّ في أن يعبّروا عن ظلامتهم ليعبّروا عنها بهذه الطريقة.

وفي نهاية المطاف، لابدّ للناس من أن يكونوا مع الله فيما يحب وفيمن يحب، ليحصلوا على حبه ورضوانه (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (المطففين/ 26).

 

المصدر: كتاب الندوة/ 18

ارسال التعليق

Top