• ٤ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٤ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الأتيكيت.. قواعد سلوك مقبولة

د. فاضل البدراني

الأتيكيت.. قواعد سلوك مقبولة
    أنّ الاتيكيت عرفته الكثير من الحضارات القديمة، بما فيها بلاد الرافدين في العراق قبل تسعة آلاف سنة قبل الميلاد وتعاملت وفق أساسياته الإنسانية، وكذلك في مصر الفرعونية في وقت مبكر، حيث إنّ معظم قواعده الرسمية المتبعة حالياً تعود إلى البلاط الملكي الفرنسي في القرنين السابع عشر والثامن عشر.

وتختلف الروايات حول من ينسب إليه الفضل في تطور الأتيكيت ووصوله إلى صورته الراهنة، حيث يرى فريق أنّ عدم انشغال النبلاء الذين عاشوا داخل البلاط الملكي الفرنسي بأعمال وفّر لهم الوقت الكافي لتطوير قواعد اجتماعية دقيقة. بعبارة صحيحة، فإنّ الأمر نبع في معظمه من رغبتهم في تجنب الشعور بالملل. ومن ثمّ ابتكر هؤلاء النبلاء مجموعة من قواعد السلوك الاجتماعي المقبول وأطلقوا عليها اسم "أتيكيت"، وهي كلمة مستقاة من كلمة فرنسية قديمة تعني تذكرة. إلا أنّ فريقاً آخر ينسب الفضل إلى الملك لويس السادس عشر شخصياً باعتباره من صاغ قواعد تحدد السلوك والملابس الملائمة وفرضها على قصر فرساي، مطلقا عليها تسمية "أتيكيت" بهدف مساعدة النبلاء على إدراك ما ينبغي عليهم القيام به من أجل تحقيق نظام داخل البلاط الملكي. وتعد مصافحة الأيدي واحدة، مثلاً، من أوائل صور الأتيكيت، حيث كان المحاربون في العصور الوسطى يقصدون من مد أيديهم للمصافحة إلى إظهار أنّه لا أسلحة بحوزتهم وأنّهم جاءوا طلباً للسلام. لكن بداية من القرن الخامس عشر حتى مطلع القرن العشرين، تعلم الأطفال قواعد الأتيكيت في المدارس، وكانت أبرز النقاط التي انصب عليها الاهتمام كيفية الانحناء على نحو مناسب أمام المعلمين، وأهمية التزام الصمت حين يوجه إليهم شخص الحديث. وفي الوقت الذي تتباين فيه قواعد الأتيكيت من ثقافة لأخرى ومن عصر لآخر، إلا أنّ هناك قواعد للأتيكيت تتفق حولها كلّ الثقافات وتتوارثها الأجيال.

على سبيل المثال يحرص المسلمون عامة على وضع اليد على الفم عند التثاؤب لحديث شريف يحضهم على ذلك، وكذلك تفعل شعوب الدول الغربية التي ساد بينها في العصور الوسطى اعتقاد ديني بأنّ الإنسان عندما يفتح فمه ليتثائب فإنّ ذلك سيفسح المجال للشيطان لأن ينفذ إلى روحه، إنما في البعد الذوقي فإنّه ليس من المناسب أن يفتح الإنسان فمه أمام الآخرين لأنّها مسألة خارجة من الذوق العام وغير مرغب بها ومنافية لسلوكيات الحياة الاجتماعية قديماً وحديثاً. ومثل كلّ فن تطور الأتيكيت حالياً وتخلص من الكثير من القواعد الجامدة التي سبق واتسم بها، وأصبح يدور في الجزء الأكبر منه حول مساعدة الناس على التعامل مع بعضهم البعض في يسر. ومن بين القواعد الصارمة التي تراجعت في العصر الحديث ضرورة خروج الرجل من السيارة ليفتح الباب لخطيبته أو زوجته كي تخرج منها. فالبعض يقع في خطأ الإتيان ببعض التصرفات غير اللائقة ظناً منه أنّها من قواعد الأتيكيت، مثل الجلوس مع وضع ساق على أخرى، لما يخلقه الأمر من انطباع لدى الآخرين بأنّ الشخص الجالس أمامهم متعجرف ومتغطرس وربما عدواني. ومن شأن هذا السلوك استفزاز الآخرين، والدليل على هذا أنّ الملكات لا يجلسن على هذا النحو قط. والملاحظ أنّه في داخل أماكن العمل تختفي إلى حد كبير قواعد الأتيكيت التي تميز النساء عن الرجال حيث تسود المساواة. مثلاً، يفرض الأتيكيت أن تسلم المرأة الجالسة على الرجل الواقف أمامها من دون أن تقف، لكن هذا لا يجوز في مكان العمل، حيث يصبح التعامل على أساس المنصب والأقدمية. وعليه، عند دخول المدير الرجل لإلقاء التحية، على الجميع رد السلام أثناء الوقوف بغض النظر عن الجنس.

ويتطلب الأمر أن تهتم وزارات التربية والتعليم في العالم العربي بفتح مدارس متخصصة بتعليم فن الأتيكيت، وبطبيعة الحال فإنّ الأسرة تتحمل المسؤولية الأولى عن تعليم النشء أصول الأتيكيت واللياقة، خاصة أنّ الأطفال يميلون إلى محاكاة الوالدين. وربما أن توفر وسائل الإعلام بالوقت الحاضر منح فرصة النفاذ إلى مفاهيم وتطبيقات الأتيكيت بشكل يجعل الإنسان يتعلم مختلف طباع المجتمعات وفنون الأتيكيت التي يتحلى بها كلّ مجتمع عن غيره في بعض التفاصيل ويتشاركون في تفاصيل كثيرة.

 

المصدر: كتاب فن الاتيكيت في بناء العلاقات الاجتماعية والدبلوماسية

ارسال التعليق

Top