• ٤ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ١٣ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الإبداع والعبقرية

د. بركات محمد مراد

الإبداع والعبقرية

بدأ عصر الفضاء وتصاعد السباق بين العملاقين الكبيرين: أمريكا والاتحاد السوفييتي، وكانت الصواريخ وغزو الفضاء والأدمغة الإلكترونية وسواها، وكان من جراء ذلك الطلب المتزايد على الأدمغة المبدعة، وبالتالي الإلحاح على علماء النفس في الكشف عن هذه الأدمغة، وتحديد معنى الإبداع ومكوناته وطرائق تكوينه، ومن ثمّ كانت مطالبة الأُمم لمربيها ومدارسها بتهيئة أكبر عدد ممكن من المبدعين والمخترعين. ولقد كان من أهم الطرائق التي اتبعت في دراسة الإبداع وعوامله وعلاقته بالذكاء طريقة التحليل العاملي Factor Analysis على يد فريق من العلماء يرأسه العالم الشهير جلفورد، وذلك في جامعة كاليفورنيا الجنوبية.

لقد انطلقت هذه الدراسات من التنكر للنظرية السائدة عن الذكاء وعن قابلية واحدة موحدة، كما تنكرت للاعتقاد بأنّ المواهب المبدعة أمور خارجة عن نطاق الذكاء، وبدأت بافتراض أن ثمة قابليات عدة ممكنة التميز يشتمل عليها الإبداع، وافترضت كذلك أنّ المواهب الإبداعية ليست وقفاً على عدد قليل من الأفراد المحظوظين، وأنها ربما  كانت موزعة على جميع الناس وبدرجات متفاوتة، ولذلك فإن من الممكن البحث عنها، ليس عند الموهوبين وحدهم، وإنما عند الناس جميعا.

وفي بحوثه المبكرة عن الإبداع حاول جلفورد أن يعّرف الإبداع تعريفاً بسيطاً، قائلاً: "إنّ الإبداع بمعناه الضيق، يشير إلى القدرات التي تكون مميزة للأشخاص المبدعين. إنّ القدرات الإبداعية تحدد ما إذا كان الفرد يملك القدرة على إظهار السلوك الإبداعي إلى درجة ملحوظة. ويتوقف إظهار الفرد المالك للقدرات الإبداعية نتائج إبداعية، أو عدم إظهاره مثل هذه النتائج بالفعل، يتوقف، على صفاته الإثارية والطبيعية، أو مشكلة عالم النفس هي الشخصية الإبداعية".

إنّ شخصية الفرد هي النمط لملامحه، ويتجلى الإبداع من خلال السلوك، ويشمل السلوك الإبداعي – فيما يشمل – الاختراع والتصميم والاستنباط والتأليف والتخطيط. الأشخاص الذين يظهرون مثل هذه الأنواع من السلوك وإلى درجة واضحة هم الذين يوصفون بالمبدعين.

لقد افترض جلفورد عدداً من الفرضيات عن طبيعة التفكير الإبداعي، وكان في ذهنه نماذج من المبدعين من مثل العالم والتكنولوجي (بما في ذلك المخترع)، وهو يعتقد بأن ثمة فروقاً في أنواع الإبداع في مختلف الميادين، وذلك على الرغم من اعتقاده بأن ثمة عوامل مشتركة بين كل المبدعين وأنماط قدراتهم.

ويرى جلفورد أن أهم القدرات الأولية التي تساهم في الجهود الإبداعية:

1-    الإحساس بالمشكلات: إن قسماً كبيراً من نجاح العالم، يتوقف على قدرته على طرح الأسئلة الصحيحة والمناسبة.

2-    الطلاقة Fluency في الموهبة الإبداعية: أي أنّ الشخص قادر على إنتاج عدد كبير من الأفكار في وحدة زمنية ما، فإنّه إذا تساوت الاعتبارات الأخرى يكون صاحب حظ أكبر في إبداع أفكار ذات معنى، وتوجد ثلاثة عوامل متميزة للطلاقة وهي الطلاقة الفكرية والطلاقة الترابطية والطلاقة التعبيرية.

3-    المرونة Flexibility: إنّ مرونة نفس الفرد أو سهولة تغييره لتهيئة النفس، عامل مهم من عوامل الإبداع، فالإنسان الذي يقف عند فكرة أو يتصلب بالنسبة لطريقة من الطرق أقل قدرة على الإبداع من إنسان مرن التفكير، قادر على التغيير حتى يكون لازماً. ويميز جلفورد أنواعاً من المرونة مثل المرونة العفوية والمرونة التكيفية وسواهما.

4-    التجديد: يملك الإنسان المبدع أفكاراً جديدة متجددة، ودرجة التجديد التي يكون الإنسان قادراً عليها أو التي يظهرها في المعتاد هي في الإبداع، ويمكن اختبار هذه القدرة بتكرار ما هو غير شائع، ولكنه مقبول من الاستجابات.

5-    التوسع Elaboration: في واحد من الاختبارات أعطى الممتحن مخططاً بسيطاً لموضوع ما وطولب بتوسيعه ورسم خطواته التي تؤدي إلى كونه عملياً. وبطبيعة الحال فإنّ الدرجة التي كان يحصل عليها الممتحن كانت تتناسب مع مقدار التفصيلات التي كان يعطيها.

وهناك قدرات أخرى تم الكشف عنها أيضاً عند المبدعين مثل القدرتين التركيبية والتحليلية. وإعادة التنظيم Reorganization، والتعقيد Complexity، والتقويم Evaluation، وباختصار فإن جلفورد يعتقد بأنّ القدرات الأكثر أهمية في التفكير المبدع تقع في زمرتين، زمرة القدرات ذات النتائج المفرقة Abilities Divergent production. وزمرة القدرات التحويلية Trans Formation Abilities ويسميها أحياناً قدرات النتائج المجمعة، ويميل لاعتبار التقويم زمرة خاصة ثالثة.

وعامة، نادراً ما نتوقع أن يكون الشخص عينه قادراً على الإبداع بصورة متساوية في العلم والفنون والرياضيات والإدارة والتأليف والموسيقى. وإن كنا نجد بعض الاستثناء أحياناً. إنّ الأفراد المبدعين بدرجة عالية في كثير من هذه الميادين المختلفة قد تكون لهم صفات ممتازة مشتركة في ما بينهم، ولكن الدراسات النفسية تدل كذلك على أن بينهم فروقا واضحة.

 

الإبداع والعبقرية:

عامة فالمبدعون، الذين قدموا إسهاماً خالدة للثقافة الإنسانية، سواء كانوا علماء أو فلاسفة أو كتّاباً أو مؤلفين موسيقيين أو فنانين، هم من يقومون بصياغة الحضارة الإنسانية ويعملون على تقدمها ورقيها من أمثال آينشتاين، وجويس، وسترافنسكي، وابن النفيس وابن الهيثم والبيروني والرازي وابن سينا، وكبلر وجاليليو وبيكاسو، وقد تركوا تأثيراً دائماً في أفكار عدد لا حصر له من الرجال والنساء وأحاسيسهم.

إنّ هؤلاء الأفراد البارزين من المبدعين يشتركون في امتلاكهم خاصية العبقرية، وقد أدرك هذا منذ وقت مبكر فرانسيس غلتن في كتابه المعروف "العبقرية الوراثية" Hereditary Genius عام 1869م، وهو الكاتب الذي حاول فيه غالتن أن يضع أساساً وراثياً للإنجاز المتميز. وقد كانت الأمثلة التي طرحها حول العبقرية تتضمن قادة مثل دوق ولنغتن Wellington، ووليم بت William Pitt، فضلاً عن مبدعين من أمثال عائلة باخ وعائلة شليجل، كما قامت "كاترين كوكس" بعد ذلك بأكثر من نصف قرن باقتفاء أثر غالتن، فأصدرت مجلداً كان له تأثيره الواضح بعد ذلك بعنوان "الخصائص العقلية المبكرة لثلاثمائة من العباقرة" عام 1936م، واشتملت عينة عباقرة التاريخ في دراستها على نابليون وكروميول، وبوليفار، فضلا عن فولتير، ونيوتن، وسرفانتس، وقد اعتقد كل من غالتين وكوكس أنّه يمكن تجميع الأنماط المجودة من المبدعين والقادة تحت الاسم الشامل المفرد ألا وهو العبقرية.

وطريقة التعرف على العبقرية بالتمعن في تلك الإنجازات التي كان لها تأثير نادر الحدوث في الأجيال المعاصرة والتالية لها. ولابدّ في الغالب أن يكتسب الشخص الشهرة من خلال تقديم هذه العبقرية لإسهامات تبقى على الزمن في نواحي النشاطات الثقافية والسياسية، أي أنّ العبقرية تعرف بالإنجاز. فالمبدعون قادة ثقافيون، وقد كان لأفكار آينشتاين النظرية تأثيرها البالغ في زملائه من علماء الطبيعية، وفي المجتمع العلمي بشكل عام، كذلك كان تأثير بيتهوفن في الموسيقى، ومايكل أنجلو في النحت، وشكسبير في الدراما تأثيراً فذّاً في زمانهم هم، وفي الأجيال التالية لهم.

ورغم أن مصطلح العبقرية Genius كثيراً ما يستخدم باعتبار مرادفاً لمصطلح الموهبة Giftedness، فإنّ العبقرية تتضمن دلالات ومعاني خاصة بالندرة الاستثنائية، وكذلك الإنجاز العقلي المبكر. أما الموهبة، وخاصة عندما تستخدم في سياقات أكاديمية ودراسية، فإن تحديدها لا يكون بالصرامة نفسها. وإن كان لابدّ في نظر بعض الباحثين من التمييز بين الموهبة والإبداع فيتعلق بنشاطات الكبار، ومن ثمّ لا تقتصر صفة الإنجاز العقلي المبكر على مفهوم العبقرية فقط، بل تمتد لتشمل مفهوم الموهبة أيضاً. ويعرف بعض الباحثين، مثل ألبرت R. S. Albert العبقرية تعريفا يقوم على أساس الإنتاج، فيقول إنّ العبقري هو شخص يقوم بالإنتاج عبر مدى طويل من الزمن لعدد كبير من الأعمال التي يكون لها تأثيرها الواضح والكبير في الآخرين لسنوات عديدة.

ومن شبه المؤكد أنّه ليس هناك علاقة طردية بين النجاح الدراسي وظهور العبقرية أو الوصول إلى مراحل الإبداع العليا، ووفقا لما قاله واحد من أبرز أساتذة آينشتاين في معهد زيورخ للبوليتكنيك (معهد العلوم التطبيقية أو الفنية) وهو هرمان ميتكوفسكي، فقد "كان آينشتاين خلال سنوات تلمذته كائناً كسولاً، ولم يكن يهتم بالرياضات أبداً".

ارسال التعليق

Top