• ١٠ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ١٩ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الإدراك والواقع وعقل الإنسان

عبد الحميد محمّد الدرويش

الإدراك والواقع وعقل الإنسان
نوضح هنا معاني الكلمات المتناسقة والمتناغمة فيما بينها وهي:

1- عقل الإنسان:

يعتبر عقل الإنسان صفحة بيضاء قابلة لتسجيل ورصد الوقائع بحيادٍ شديدٍ وسلبيةٍ واضحةٍ، يغيب عنه الحيّز الإنساني، وتسري عليه القوانين المادّية العامّة التي تسري على الأشياء، وبالتالي:

فإنّ العقل قادرٌ على التعامل مع الموضوعي الخارجي.

أي: العالم المحسوس بكفاءةٍ بالغة، وتقل هذه الكفاءة حينما يتعامل مع عالم الإنسان الداخلي.

 

2- الواقع:

ينظر للواقع الموضوعي باعتباره واقعاً بسيطاً يتكون من مجموعة من الحقائق الصلبة والوقائع المحددة، وثمّة قانون طبيعي واحد يسري على الظواهر الإنسانية والظواهر البشرية على حدٍّ سواء، وبالتالي: فالحقائق عقلية وحسية تعبر عن كلّ ما يُحس، حيث العقلي والحسي شيءٌ واحدٌ، وتترابط أجزاء هذا الواقع الموضوعي من تلقاء نفسها حسب قوانين الترابط الطبيعية/ المادّية العامّة.

 

3- الإدراك:

تُعتبر عملية الإدراك عملية اتصال بسيط بين صفحة العقل البيضاء والواقع البسيط الخام (منبه فاستجابة)، وهي عملية محكومة مسبقاً بقوانين الطبيعة/ المادّة، وينظر للارتباط بين الواقع والمعطيات الحسية في عقل الإنسان على أنّه عملية تلقائية باعتبار أنّ الأشياء مرتبطة في الواقع برباط السببية الواضح، ولا تتأثر عملية الإدراك بالزمان أو المكان أو موقع المدرك من الظاهرة.

 

4- بعض نتائج الموضوعية المادّية:

تلغي الموضوعية (المادّية) كلّ الثنائيات، وخصوصاً ثنائية الإنسان والطبيعة. فتدور الموضوعية في إطار السببية، وتنقل مركز الإدراك من العقل الإنساني إلى الشيء نفسه، وبالتالي: لا تعترف بالخصوصية، ومنها الخصوصية الإنسانية، فهي تركز على العام والمشترك بين الإنسان والطبيعة.. بالإضافة لذلك: لا تعترف الموضوعية بالغائيات الإنسانية، ولا بالقصد باعتبارها أشياء لا يمكن دراستها أو قياسها، بينما تفضل الموضوعية الدقة، الكمية، وتعتبر المعرفة نتاج تراكم للمعلومات.

 

5- الموضوعية المادّية والنموذج التراكمي:

النموذج الكامن في الرؤية الموضوعية يفترض أنّ كلّ المشتركين في العلوم (إن توافرت لهم الظروف الموضوعية) يفكّرون بنفس الطريقة ويسألون نفس الأسئلة، ولذلك: فإنّ عملية التراكم ستوصل إلى نموذج النماذج "القانون العام".

ويرى النموذج الموضوعي: أنّ العقل قادر على إعادة صياغة الإنسان وبنيته المادّية والاجتماعية في ضوء تراكمه المعرفي وبما يتفق مع القوانين الطبيعية.

ويلاحظ:

أنّ ثمة استقطاباً حادّاً بين الموضوعية (في تأليهها للكون وإنكارها للذات)، والذاتية: (في إنكارها للكون وتأليهها للذات).

وبالتالي:

تصبح العلاقة بين الذات والموضوع واهية، وقد تختفي تماماً، ولكن ثمة تشابهاً بين الذات والموضوعية، فكلاهما يدور في إطار الحلولية الكمونية التي تفترض وجود مركزٍ للكون داخله (الذات أو الموضوع)، ومن ثمّ فكلاهما واحديّ يُلغي المسافة وإمكانية التجاوز.

 

المصدر: كتاب رحلة مع الذات

ارسال التعليق

Top