• ٢٨ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ١١ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الإمام الصادق (عليه السلام).. مصدر القيم الإنسانية

عمار كاظم

الإمام الصادق (عليه السلام).. مصدر القيم الإنسانية

تتجلَّى عظمة الرسالة الإسلامية في شموليتها التي يجد فيها الإنسان جواباً عن كلّ علامات الاستفهام التي تطوف في وجدانه، كما أنّها، ومن خلال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، تخاطب الناس بكلّ ما يحتاجونه من شؤون العقيدة، إن برزت المشاكل العقائدية، أو من شؤون الشريعة، إن تساءل الناس عن أحكام الشريعة، أو عن صياغة الشخصية الإسلامية في الجانب الأخلاقي، الذي يجعل من الإنسان إنساناً يعيش الإسلام في عقله وقلبه وروحه، وفي حياته العامّة كلّها. وتلك كانت سيرة النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد كان يجيب الناس عن كلّ شيء، وهذا ما أكّده القرآن الكريم في آياته التي تتحدّث عن كيفية تعليم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس للأحكام، فكلّ الأسئلة كانت مباحة، وليس هناك سؤال ممنوع، إلّا لجهةٍ من الجهات الأخلاقية، لأنّ من حقّ الإنسان أن يعرف كلّ شيء، ممّا يمكن له أن يعرفه، من خلال وجود وسائل المعرفة عنده. وهذا ما لاحظناه أيضاً في سيرة الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام)، ولا سيّما سيرة الإمام عليّ (عليه السلام)، الذي عندما نقرأه نجد أنّ الإمام عليّاً (عليه السلام) كان المتحدّث دائماً، وكان المجيب دائماً، حتى إنّه كان يعتبر العلم الذي يحمله مسؤوليته، وكان يحمل الناس على أن يسألوه، وكان يكرّر دائماً الكلمة المعروفة عنه: «سلوني قبل أن تفقدوني»، «إنّ ههنا لعلماً جمّاً لو أصبت له حملة».

وعندما ندرس الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّنا نجد هذه الخصوصية لهم أيضاً، فكانوا لا يتعقَّدون من سؤال، وكانت ظروفهم تختلف بين ظروف ضاغطة في أكثر من اتجاه، ولا سيّما في المرحلة التي عاشها الإمام الصادق (عليه السلام)، التي اتّسعت لتشمل مرحلتين من الحكم، وهما نهاية الحكم الأموي وبداية الحكم العباسي، حيث كانت السلطتان مشغولتين بشؤون صراعهما، وتأكيد مواقعهما، أو الدفاع عنها. أخذ الإمام (عليه السلام) الحرّية في ذلك، الذي إذا درسنا تراثه، فإنّنا نجد فيه عمق الفلسفة، وامتداد الحجّة القاطعة في مسائل العقيدة وفي شؤون الحياة كلّها، حتى في طريقة معالجته للقضايا السياسية التي تنسجم مع معطيات المرحلة، في حين كان يحرص على تربية أصحابه تربية إسلامية، لأنّ الإسلام يُمثّل الصورة الثقافية فيما يقدّم من أفكار، كذلك يُمثل الصورة الواقعية للمجتمع. وهذا ما لاحظناه في قوله تعالى، وهو يشير إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في موقع القدوة: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب/ 21) وإنّما يكون قدوة حسنة (لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً) (الأحزاب/ 21)، وقد قال تعالى في سياق آخر: (أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ)، ونعرف أنّ طاعة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من طاعة الله: «مَن يطع الرسول فقد أطاع الله»، في ما يأمر به أو ينهى عنه، وكأنّه تعالى أراد أن يقول: انظروا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في سيرته فاقتدوها في كلّ خُلُقه، إن في بيته، أو مع أصحابه، أو في الدعوة، وخُلُقه في ساحات الصراع، وخلقه في الحرب والسلم، وخلقه فيما يعيشه في نفسه. لذلك، كان الأئمّة (عليهم السلام) يعملون على إيجاد النموذج الإسلامي الأمثل للشخصية الإسلامية.

كما كان الإمام الصادق (عليه السلام) يتحدّث مع أصحابه عن مكارم الأخلاق، لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بُعث لذلك، وقد قال: «إنّما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق». ويقول الصادق (عليه السلام): «المكارم عشر، فإن استطعت أن تكون فيك فلتكن»، فيك أيّها المؤمن، «فإنّها ـ أي مكارم الأخلاق ـ تكون في الرجل، ولا تكون في ولده»، فقد يملك الرجل هذه القيمة الأخلاقية، ولكنّ ابنه ليس كذلك، «وتكون في الولد ولا تكون في أبيه، وتكون في العبد، ولا تكون في الحرّ»، لأنّ مسألة مكارم الأخلاق مسألة وعي للجانب الأخلاقي، لا علاقة لها بمسألة أب، أو ابن، أو حرّ، أو عبد، لأنّها تنطلق من خلال الإنسان الذي يريد أن يعيش إنسانيته بطريقة أخلاقية.

وأخيراً، قال أبو عبدالله (عليه السلام): «كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والصلاح والخير، فإنّ ذلك داعية». وهكذا كان أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، وهكذا كان الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وهكذا خطّ الإسلام كلّه في كلّ عناصره العقيدية والشرعية والأخلاقية. فتعالوا لنجسّد خطّ أهل البيت (عليهم السلام)، وهو خطّ الإسلام الأصيل في كلّ حياتنا، حتى نجذب الناس إليهم من خلال ما نعيشه من القيم التي أكّدوها.

ارسال التعليق

Top