• ٢٣ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ٦ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الاكتئاب والقلق مع السمنة والنحافة

الاكتئاب والقلق مع السمنة والنحافة

وزن الجسم لكلّ واحد منا هو مسألة نسبية يحكمها العمر والطول والجنس والبدانة هي تعدي الوزن المناسب وهي تشكل مصدر معاناة لكثير من السيدات والرجال.. والأطفال أيضاً، فبعد أن كان الجسم السمين في الماضي شيئاً مرغوباً ينظر الناس إليه على أنّه إحدى سمات الطبقات الراقية وعلامة على رغد العيش أصبحت السمنة في العصر الحالي مشكلة يسعى الناس لحلها بالتخلص من الوزن الزائد!

ولعل العوامل النفسية – إلى جانب التكوين الوراثي والعادات الغذائية – من أهم أسباب زيادة وزن الجسم وحدوث السمنة وبدرجات متفاوتة لدى السيدات والرجال من مختلف الأعمار.

 

ما هي البدانة؟

تعني البدانة تعدي الحدود الطبيعية للوزن الملائم بنسبة تزيد على 120% وهذا معناه أنّ شخصاً طوله 150 سم ويفترض أنّ الوزن المناسب له هو 50 كيلوجراماً إذا زاد وزنه عن 60 كيلوجراماً فإنّه يعتبر في عداد حالات البدانة أو زيادة الوزن!

وفي تعريف آخر للسمنة من وجهة النظر الطبية فإنّ تراكم الدهون وزيادة وزن الجسم عن الوزن المثالي بنسبة 20-40% هو نوع من السمنة "البسيطة"، السمنة "المتوسطة" تكون من 40% حتى 100%، أما في السمنة المفرطة فإنّ الزيادة تكون أكثر من 100% عن الوزن المثالي.

غير أنّ مسألة الوزن الملائم لكلّ واحد منّا تخضع لمعايير أخرى مثل العمر فكثير من الناس يأخذ وزنهم في الزيادة في فترة منتصف العمر (من سن 40 – 60 عاماً)، كما أنّ الجنس عامل هام فالسيدات يميل الوزن لديهنّ للزيادة منذ سنوات العمر الأولى فنجد البنات بصفة عامة أكثر وزناً من الأولاد، وكذلك يلاحظ أنّ بعض طبقات المجتمع تزيد فيها نسبة البدانة، ففي الطبقات الأقل ثراء وتعليماً توجد البدانة في نسبة من الرجال والسيدات أكثر من الطبقات العليا بعد أن كانت السمنة في السابق دليلاً على الثراء ورغد العيش!

 

جذور نفسية للبدانة:

تحدث علماء النفس عن ما يسمى بصورة الجسم، وهي فكرة المرء منا عن شكل جسمه، والتصور الذي يتكوّن بمخيلتنا عن أنفسنا في وقت مبكر في سنوات العمر الأولى، وقد يعتري الخلل صورة الجسم فيظن الواحد منّا نفسه نحيفاً فيبدأ في التعويض بزيادة تناول الطعام حتى يصاب بالسمنة، وقد يحدث العكس فيمتنع عن الطعام ويصاب بالنحافة!

ويتحدث فرويد عن المرحلة الفمية التي يمرّ بها الإنسان في طفولته في العام الأوّل والثاني من العمر حبه يتجه إلى وضع كلّ شيء في فمه ويكون الفم هو مصدر الإشباع الوحيد، ويرجع فرويد سبب السمنة إلى صعوبات حدثت في هذه المرحلة المبكرة وتسببت في عقدة لدى بعض الناس تدفعهم إلى الإفراط في تناول الطعام ويعجز الناس عن اكتشاف ذلك أو التخلص من هذه العقدة في العقل الباطن!

 

الشهية للطعام.. ماذا تعني؟

لا تعني الشهية للطعام بالنسبة لكثير من الناس كمية الأكل التي نتناولها في وجبات الطعام على مدى ساعات اليوم، فالبعض منا يأكل بطريقة روتينية كأنّه يؤدي واجباً أو مهمة لابدّ أن يفرغ منها لكي يستمر على قيد الحياة، فيتحول تناول الطعام إلى عملية ميكانيكية تتم في أوقات محددة دون استمتاع.

لكن الشهية للطعام تعني من وجهة النظر النفسية الاستمتاع بتناول نوع ما من الطعام، فأنت مثلاً تفضل نوعاً من الأكل مثل الحمام المشوي أو "الملوخية" فتطلب وجبتك المفضلة وحين تجلس إلى المائدة تتذوقها باستمتاع شديد، وهذا الإحساس التعبير عن الشهية الجيدة بغض النظر عن كمية الطعام التي تتناولها.

 

أنواع من البدانة:

يعود السبب في البدانة إلى الخلايا الذهنية، ويذكر أنّ هذه الخلايا ثابتة العدد منذ الطفولة لدى كلّ منا، لكنها مع الوقت وتقدم السن تصاب بالتضخم ويبدأ ظهور الانتفاخ الذي يعبر عن السمنة في مناطق معينة موزعة على أنحاء الجسم.

والبدانة ليست نوعاً واحداً، ففي بعض الناس يكون الامتلاء في منطقة الصدر والأرداف كما يحدث في السيدات وهذا هو النوع الأوّل ويعرف بالنوع النسائي للسمنة، أما في النوع الثاني فإنّ الدهون تتركز في منطقة البطن حيث يبرز "الكرش" بشكله المعروف ويأخذ الجسم شكل علامة الاستفهام (؟)! ويحدث هذا النوع أكثر في الرجال وهو الأسوأ ليس فقط من حيث المظهر ولكن ما ثبت من ارتباطه بحدوث تغييرات تؤدي إلى الأمراض والمضاعفات مثل ارتفاع ضغط الدم.

 

الامتناع عن الطعام.. حالة نفسية:

ومن الرشاقة ما قتل..!! هذه مشكلة أخرى تتعلق بوزن الجسم فإذا كانت البدانة أو السمنة هي مصدر إزعاج لكثير من الناس من كلا الجنسين فإنّ الحالة العكسية وهي النحافة الزائدة تمثل الجانب الآخر من الصورة، فبينما يسعى بعض الناس إلى الرشاقة بالتخلص من الوزن الزائد يسعى البعض الآخر بنفس الهمة للعلاج من النحافة التي تسبب لهم الإزعاج.. ويرتبط بذلك حالة مرضية غريبة يطلق عليها مرض فقد الشهية العصبي.

يعتبر تناول الطعام أحد الأنشطة الروتينية المعتادة التي يقوم بها الإنسان بصفة منتظمة للبقاء على قيد الحياة، ومن الطبيعي أن يستمتع الإنسان بأنواع الطعام كما يستمتع بما يقوم به من أنشطة مختلفة وأعمال منزلية وعملية وترفيهية، وهذا كلّه يرتبط بالحالة النفسية.

تناولنا للطعام بشهية جيدة يعني أنّنا نستمتع بما نأكل من حيث المذاق والنوع ولا علاقة لذلك بكمية الطعام، فهناك مَن يلتهم كميات كبيرة من الأكل طبقاً تلو الآخر في كلّ وجبة دون استمتاع في عملية روتينية كالذي يؤدي مهمة.

وقد يعتري الشهية للطعام بعض التغيير مع الحالة النفسية، ففي كثير من حالات القلق والاكتئاب يصبح المرء غير قادر على الاستمتاع بكثير من مباهج الحياة وبالأشياء التي كانت مصدراً لمتعته من قبل، ويفقد الاهتمام بكلّ شيء ويترتب على ذلك أن يفقد شهيته للطعام، وقد يصل الأمر إلى الامتناع عن تناول الأكل نهائياً في بعض الحالات، كما يفقد الاهتمام بمصادر الاستمتاع الأخرى في حياته مثل العمل واللعب وممارسة الجنس والعلاقات الاجتماعية.

 

مرض فقد الشهية العصبي:

هذه إحدى حالات الاضطراب النفسي الغريبة، وهي شائعة إلى حد كبير خاصة في فئات المجتمع العليا، وتحدث في الفتيات في سن 15-20 عاماً، وتذكر بعض التقارير أنّ هذه الحالة تصيب 20% من طالبات المدارس الراقية الجامعات في أوروبا "أي بمعدل اثنتين من كلّ عشر طالبات".

وفي هذه الحالة تمتنع الفتاة عن الطعام كلية وإذا أرغمت على تناول الأكل بضغط من الأهل فإنّها تتقيأ كلّ ما يصل إلى معدتها، أنّ البعض منهنّ يكرهن الطعام ويمتنعن عنه نهائياً فيأخذ الوزن في النقصان ويصل الأمر إلى حالة من الهزال الشديد والنحافة الزائدة حتى تبدو العظام بارزة تحت الجلد، وقد شاهدت بنفسي خلال ممارسة الطب النفسي حالات لفتيات مصابات بهذه الحالة كن أشبه بالهيكل العظمي، واذكر أنّ وزن إحدى الفتيات وكان عمرها 23 عاماً قد انخفض ليسجل 20 كيلوجراماً فقط!

 

أسباب نفسية للموت جوعاً:

تختار هؤلاء الفتيات من الأسر الثرية هذا السلوك نتيجة لعوامل نفسية داخلية تدفعهنّ إلى الامتناع عن الطعام وفقد الشهية كلياً وكراهية الأكل إلى درجة الموت جوعاً، والسبب النفسي وراء هذه الحالات التي عادة ما تبدأ في فترة البلوغ للفتاة هو التصور الوهمي لدى هؤلاء الفتيات بأنّ وزنهنّ يأخذ في الزيادة مع البلوغ فيبرز الصدر للمرة الأولى ويتغير شكل الجسم ويصاحب ذلك الكثير من المخاوف الوهمية من البدانة، وتحاول الفتاة أن تظل صورة جسدها رشيقة فتبدأ في الامتناع عن الطعام بصورة مرضية.

وتكون حالة فقد الشهية العصبي عادة مصحوبة بالاضطراب والقلق وانقطاع الدور الشهرية، وتتميز الفتيات اللاتي يصبن بها بالحساسية المفرطة والضمير الحي، وروح العمل والإنجاز، وقد تكون البداية هي الرغبة في إنقاص الوزن عن طريق "الريجيم" بقصد التخسيس والرشاقة ثمّ تتطور الأمور بصورة وسواسية إلى الامتناع كلية عن الطعام!

 

الشيء ونقيضه:

من الغريب حقا أن نرى حالات أخرى هي عكس ما وصفناه من قبل ونعني بها مرض الشراهة أو النهم العصبي، والمرضى هنا يقبلون على التهام كميات هائلة من الطعام رغم إرادتهم، ويستمر المريض في تناول الأكل لتفريغ المعدة ثمّ يعود إلى تناول كميات أخرى من الأكل!! لكن الأغرب من ذلك هو أن تجتمع الحالتان في مريض واحد، أي تحدث لنفس الشخص نوبات من فقد الشهية العصبي يتبعها نوبات أخرى من الشراهة والنهم العصبي يستمر كلّ منها لعدة شهور ويظل في تبادل بين هذه النوبات المتناقضة!

ورغم أنّ ذلك يبدو مثيراً للدهشة فإنّنا نرى في ممارسة الطب النفسي حالات مماثلة يجتمع فيها الشيء والنقيض من ذلك على سبيل المثال مرض الاكتئاب والهوس في المريض الواحد حيث يبدو المريض في حالة حزن شديد ويأس وعزلة ثمّ ينقلب الحال إلى نوبة من النشاط الزائد والحركة والمرح الشديد حتى أنّك لا تكاد تصدق ما ترى، لكن تلك هي طبيعة الأمراض النفسية.

 

هل من علاج؟

لابدّ من حالات السمنة من كسر الحلقة المفرغة، فالبدانة تؤدي إلى ثقل وزن الجسم وهذا يحد من النشاط، وذلك بدوره يزيد السمنة، لذا يجب في البداية التحكم في كمية ونوع الطعام بالحد من السعرات الحرارية في الطعام عن طريق نوع مقبول من الحمية (الرجيم)، ويمكن أن يتحقق ذلك بالامتناع عن الأطعمة الدسمة من نشويات كالأرز والبطاطس، وسكريات كالحلوى والمربى والفطائر والدهون كالزبد والقشدة، كما يلزم تنظيم برناج يومي يضمن زيادة النشاط والحركة لكلّ شخص بدين حسب قدراته، ويتدرج من المشي لمدة نصف ساعة يومياً إلى ممارسة التدريبات الرياضية في الهواء الطلق بصفة منتظمة.

ومن المهم في كلّ الحالات الاهتمام بالجوانب النفسية، ففي كثير من الحالات تكون السمنة مصحوبة بحالة من القلق والاكتئاب تدفع إلى زيادة تناول الطعام كنوع من التعويض في مواجهة مشاعر التوتر وافتقاد الأمن، لذلك يفيد العلاج النفسي كثيراً في مثل هذه الحالات، لكن يجب الإشارة هنا إلى أنّ العلاج النفسي لا يصلح وحده في الحالات التي تكون مصحوبة باضطرابات الغدد الصماء التي تفرز الهرمونات، وفي بعض الحالات يتم اللجوء إلى الجراحة بإزالة جزء من المعدة كي لا تتسع لكمية كبيرة من الغذاء، أو شفط الدهون من أماكن تجمعها، لكن هذه الوسائل لا تخلو من المخاطرة تظراً لما ينتج عنها من مضاعفات وآثار قد تكون أسوأ من البدانة ذاتها!

وقد يحتار الإنسان في أمر أولئك الذين يمتنعون عن الطعام وهم في رغد من العيش والثراء الزائد بسبب حالتهم النفسية كما ذكرنا إذا قارنا بينهم وبين أولئك الذين يموتون جوعاً في أنحاء الأرض لأنّهم فعلاً لا يجدون ما يأكلون، لكن العلاج ضروري لهذه الحالات وممكن على أي حال.

وتعالج حالات مرض فقد الشهية العصبي بدخول المستشفى والبدء ببرنامج تغذية لإنقاذ حياة المريض من الهزال حتى لا يموت جوعاً مع الأدوية النفسية وجلسات العلاج النفسي، وتتم متابعة الحالة عن طريق مراقبة الوزن باستمرار، ويحتاج الأمر إلى تعاون المريض وأسرته للتغلب على الصعوبات النفسية لدى الحالة ويستغرق ذلك أحياناً مدة طويلة.

آخر الكلام..

سُئل الكاتب الأيرلندي الساخر "برنارد شو" عن أنسب الأوقات لتناول الطعام فقال: "يأكل الغني متى يريد. ويأكل الفقير متى يستطيع..!".

 

الكاتب: د. لطفي الشربيني

المصدر: كتاب وداعاً أيها الاكتئاب

ارسال التعليق

Top