• ٧ تموز/يوليو ٢٠٢٢ | ٧ ذو الحجة ١٤٤٣ هـ
البلاغ

التعامل مع الله تعالى

زهير الأعرجي

التعامل مع الله تعالى

◄تعامل الإنسان مع الله سبحانه يشمل حب الله والشوق إليه، والتوكل عليه، وتقوى الله، وذكره وتسبيحه..

 

حب الله:

يتمرن الإنسان على حب الله من خلال قاعدة الاستعانة والتوجه الخالص إليه كلّ يوم خلال صلاته اليومية وذكره آيات قرآنية مبسطة لها مدلول كبير (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة/ 5).

إنّ الحب تعلق وجودي وانجذاب خاص بين شيئين أحدهما أسمى من الآخر، فالمحب دائماً يرى في الحبيب عناصر الكمال والجمال والسموّ، وكذلك حب المؤمن لخالقه العظيم حيث لا شيء يعترض الأحاسيس الوجدانية الملتهبة في عمق الإنسان.. وإذا كان الحبيب لا يقبل بأقل من رضاء حبيبته. فإنّ الإنسان المؤمن لا يرى له وجوداً في الحياة بغير رضى الله سبحانه وتعالى.

والشوق لا يخلو من ألم الفراق، ولو زال الفراق وحصل الوصال لا نتفى الشوق، ولعلّ حب المؤمن لله سبحانه لا ينتهي، لأنّه لا يستطيع أن يرى الله، فهو في شوق دائمي للتقرّب منه تعالى. ولا يزال الإنسان عالماً بأنّه قد بقي من جلال الله وعظمته شيء مستور عن عينه لا يسكن شوقه أبداً.

إنّ أسباب الحب بجملتها متظاهرة في حقّ الله تعالى، تحقيقاً لا مجازاً، وفي أعلى الدرجات لا أدناها، وهو المستحق لأصل المحبة وكمالها، ولا متعلق للمحبة إلّا هو، إلّا أنّه لا يعرف ذلك إلّا العارفون من أوليائه وأحبائه.

وقد ذكر القرآن أنّ الله سبحانه يحب الإنسان المؤمن الذي تتوفر فيه صفات التقوى، والثبات في ساحة المعركة، والتوكل على الله في الشدة والرخاء، والطهارة من الذنوب والأرجاس والمعاصي، والإحسان بمعنى الإتيان بالفعل على وجه حسن (بالقتال في مورد القتال، والكف في مورد الكف، والشدة في مورد الشدة، وكظم الغيظ في مورد كظم الغيظ، والعفو في مورد العفو... إلخ)، وإنفاق المال لإقامة القتال في سبيل الله والنهي عن التردد في هذا الأمر فإنّه مصدر هلاك المسلمين، والوفاء بعهد الله إذا عاهد حتى لو كان العهد مع المشركين، والقسط وهو الحكم بين الناس بالعدل خصوصاً في المواقف الحرجة من عمر الأُمّة كاقتتال طائفتين من المؤمنين، ومعاملة الذين لم يقاتلوا المؤمنين. ولم يعتدوا عليهم بالبرّ والإحسان والعدل.

ويمكن أن نتبيّن الطريق إلى تحصيل محبة الله وتقويتها بملاحظة عدة أمور: الأوّل: تطهير القلب من شواغل الدنيا وعلائقها، والتبتل إلى الله بالذكر والفكر، ثم إخراج حب غير الله من القلب. والثاني: تحصيل معرفة الله وتقويتها وتوسيعها وتسليطها على القلب، إمّا عن طريق معرفة الله بالله، أو عن طريق الاستدلال بالمخلوقات لمعرفة عظمة الخالق عزّ وجلّ. والثالث: التلقين الواعي للنفس، أي تذكير النفس دائماً بحب الله وعشق الكمال المطلق، ولزوم جعل رضاه غاية نسعى لها بكلّ جوارحنا وعواطفنا والرابع: التأمل في النعم الإلهية الكبرى التي تغمر الإنسان. وهذا التأمل يبعث في المؤمن حباً شديداً لله. والخامس: تأمل حياة الرسل والأنبياء والأئمة (عليهم السلام) والتفاعل معها، ممّا يخلق عاطفة وإحساساً يدفعنا إلى حالة التمثل بالكمال وحبه والتعلق به. والسادس: الإكثار من الأعمال المقرّبة إلى الله، فهي الوسيلة العملية لتعميق حبه تعالى في النفس الإنسانية..

ومن علامات محبة الله عند المؤمن: حب الموت والاستشهاد، وكأنّ الحبيب يتشوق للسفر إلى وطن حبيبه، إيثار مراد الله على مراده، عدم الغفلة عن ذكر الله إذ من أحب شيئاً ذكره، ثبات خاصية التوازن في شخصية المؤمن فلا يحزن عن فقد شيء ولا يفرح بوجود شيء سوى ما يقرّبه إلى الله أو يبعّده عنه، الإشفاق والرأفة على الناس، وكتمان الحب والشوق، تعظيماً للمحبوب وإجلالاً له.

وقد تبرأ الله سبحانه من حب مجموعة من الناس الذين يرتكبون رذائل الأعمال وفواحشها، فقد تبرأ من حب الظالمين، الذين يظلمون أنفسهم ويظلمون الناس، وتبرأ من حب المسرفين الذين يأخذون من الحياة أكثر ممّا ينبغي ويتركون الآخرين محرومين من أبسط مستلزمات العيش، وتبرأ من حب الكافرين، وهم على نوعين: الكافرون بالأصول كالتوحيد والنبوة والكافرون بالفروع ككفر مانع الزكاة وتارك الصلاة، وتبرأ من حب المفسدين الذين تثيرك شخصياتهم بمنطقها وأسلوب حياتها ولكنها سرعان ما تهلك الحرث والنسل إذا ما توفرت لديها أسباب القوة والسلطة، وتبرأ من حب الخائنين الذين يعصون الله، فالمعصية هي خيانة للنفس، وتبرأ من حب المتبخترين المتكبرين، فالكبرياء رداء الله ومن نازعه فيه ألقاه في النار، كما جاء في الحديث الشريف. وتبرأ من حب المعتدين الذين يتجاوزون حدود الله الشرعية بقصد الاستيلاء على أعراض الناس وأموالهم، وتبرأ من حب الفرحين ذلك الفرح المفرِط بحب الدنيا ومتاعها.

 

التوكل على الله:

التوكل ظاهرة تكوينية طبيعية بين مخلوق متناهي الضعف، مسلوب القدرة وبين خالق عزيز مقتدر، فالتوكل هو تفويض المؤمن جميع أموره إلى الله، بحيث لا يتعارض هذا التفويض مع مفهوم السعي في الأرض، فالمتوكل إنما يطلب من الله أن يسدد خطاه وأن يرسم له الطريق المستقيم في الحياة.

والتوكل لا ينفي بذل الإنسان كلّ ما يستطيع من جهد ومشقة لتحصيل ما يرمي الحصول عليه، بل إنّ التوكل هو الوسيلة التي يتوسل بها الإنسان ليضمن استقامة الطريق الذي يسير عليه، فهو يوكل أمره إلى الله ليهديه إلى طريق واضح، ينكشف فيه نور الحقيقة والحياة المشرقة.

والتوكل هو أن ينكشف للعبد بنور الحقّ أن لا فاعل إلّا الله، ولا موجد ولا محي إلّا الله، وأنّه لا حول ولا قوة إلّا به، وأن له تمام العلم والقدرة على كفاية العباد، فمن اعتقد ذلك اتّكل قلبه على الله، واطمأنّت سريرته بذلك.

والتوكيل، هو إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في إدارة أموره ولازم ذلك قيام إرادته مقام إرادة موكله، وفعله مقام فعله، فينطبق بوجه عام على الإطاعة فإنّ المطيع يجعل إرادته وعمله تبعاً لإرادة المطاع فتقوم إرادة المطاع مقام إرادته ويعود عمله متعلقاً لإرادة المطاع صادراً منها اعتباراً فترجع الإطاعة توكيلاً بوجه عام كما أنّ التوكيل إطاعة بوجه عام.

فإطاعة العبد لربّه اتباع إرادته لإرادة ربّه والإتيان بالفعل على هذا النمط وبعبارة أخرى إيثار إرادته وما يتعلق بها من العمل على إرادة نفسه وما يتعلق بها من العمل. فطاعته تعالى فيما شرّع لعباده وما يتعلق بها نوع من التوكل عليه، وطاعته واجبة لمن عرفه وآمن به فعلى الله فليتوكل المؤمنون وإياه فليطيعوا، وأمّا مَن لم يعرفه ولم يؤمن به فلا تتحقق منه طاعة.

ويؤكِّد القرآن إلى أنّ الإساءة التي تصيب العدو يجب أن لا تسر الإنسان المؤمن، وكذلك الحسنة التي تصيب العدو يجب أن لا تسوء الإنسان المؤمن، لأنّ الولاية والأمر بيد الله سبحانه، وليس للإنسان من الأمر شيء، فهو الذي يكتب حتمية ما يصيب الجميع من خير أو شر، وإذا كان الأمر كذلك فعلينا امتثال أمره.

ولم يجعل القرآن التوكل وسيلة لانقطاع العمل، وعدم السعي باعتبار أنّ الرزق آتٍ فلِمَ العمل؟ بل إنّ الله ربط بين العمل والتوكل عليه، لأنّ السعي في الأرض يحتاج إلى تسديد وتوفيق، ولا أحد يقوم بهذا التسديد غير الباري عزّ وجلّ.

 

تقوى الله:

التقوى هي وقاية النفس ممّا يُغضب الله عزّ وجلّ، والمتقي هو الإنسان المؤمن الذي يتجنب إغضاب المولى عزّ وجلّ بالمعصية. ومن صفات المتقين الإيمان بالله وبرسله، والإنفاق في سبيل الله، وإقامة الصلاة بمعنى إقامة الدين، وعدم تجاوز الحدود الشرعية، وإيتاء الزكاة والإيفاء بالعهد، والصبر على مكاره الحياة، فالتقوى هي صفة جامعة لجميع مراتب الإيمان.

فمن التقوى الصبر على المرض، والصبر على الفقر والفاقة، والصبر في طاعة الله والصبر عن معصيته، وعدم أخذ الربا، واحترام أموال اليتامى، والوفاء بالعهد، وحسن المعاشرة الزوجية، وعدم الاعتداء، والبرّ، والجهاد بالمال والنفس، وفي الحرب بعدم قتل النساء والصبيان وحرق المدن وقطع الأشجار، وإصلاح ذات البين، والتعاون على أساس البر والتقوى، والتناجي بالبر والتقوى، والانشغال بصلاة الليل وذكر الله وسؤاله المغفرة والتوبة، وخشوع القلب لذكره تعالى، وحفظ ما عهد الله إلى الإنسان وخشيته بالغيب.

والتقوى الحقيقية هي أن يكون قلب المرء مستنيراً بخشية الله والشعور بعبوديته، وأن يكون وعيه للقيام بين يدي ربه والمسؤولية أمامه يوم القيامة شديداً قوياً، وأن يدرك إدراكاً تاماً قوياً أنّ هذه الحياة الدنيا ليست إلّا مضماراً لامتحانه حيث قد بعثه الله تعالى ومتعه إلى حين من الزمن.

وذكّر القرآن بأنّ لباس الإنسان لا يشتمل فقط على ما يستر البدن، وإنّما هناك لباسٌ آخر يواري السوآت الباطنية التي يسوء الإنسان ظهورها، وهي رذائل المعاصي، فلباس التقوى هو خيرُ عاصمٍ يعصم الإنسان من ارتكاب الرذائل والمحرمات.

والتقوى إنّما تحصل بالتبصر في المناهي الإلهية والورع عن محارمه تعالى، ولما كان الصراط المستقيم هو الجامع للتكاليف وهو المجزي عند الله فقد أمره باتباعه ونهى عن اتباع السُبل والطرق الأخرى التي تهلك الإنسان في مسيرته الصاعدة في الحياة.

وقد وعد الله المتقين بحياة كريمة هانئة في جنان الخلد في الحياة الآخرة...

 

ذكر الله:

حثّ القرآن الكريم على ذكر الله دائماً وفي كلّ مكان، في ساحة القتال والشدة، وفي حالة الرخاء، وفي بيوت الله، وفي المناسك، وفي الخلوة مع النفس، وأثناء السعي في الحياة. وأشار إلى أنّ كثرة ذكر الله تفيد رسوخ المعنى المذكور في النفس، واستقراره في الضمير، وثبوته في الذهنِ، فتنقطع الغفلة وينقطع النسيان.

إنّ ذكر الله يبعث في النفس شعوراً بالطمأنينة والتواضع والشفافية، ويجعل للإنسان هدفاً أسمى من التطلعات الدنيوية كجمع المال والأولاد والتفاخر والاستعلاء. وقد حثّ القرآن المؤمنين على ذكر الله، خوفاً من عقابه، وذكراً لنعمه وآلاءه. وحقيقة الخوف من الله هو خوف الإنسان من أعماله السيئة التي توجب إمساك الرحمة وانقطاع الخير منه تعالى.

إنّ قاعدة الاتصال بالله عزّ وجلّ هي القلب.. فإذا كان القلب سليماً، مؤمناً، كان الاتصال بالخالق متواصلاً، متيناً قوياً... وإذا زاغ القلب عن ذكر الله، لم يبقِ من القاعدة الإيمانية للإنسان أرضاً يستند عليها، فيزيغ قلب الإنسان من الهدى إلى الضلال.

وبين القشعريرة والاطمئنان، وبين الوجل والسكون، يتقلب المؤمن بين الرجاء والأمل، بين رحمة الخالق وبين عدالته،بين القشعريرة لذكر الله وذكر العذاب، وبين الطمأنينة لرحمة الله ورأفته.

إنّ التفكر في خلق الله سبحانه، والتفكر في أركان الكون الواسع الرحيب، والتوكل على الله، وقيام الليل، والصلاة والدعاء في كلّ موقع، ما هي إلّا حالات متعددة من ذكر الله. وإنّ النظر في آيات السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار يورث المؤمنين ذكراً دائماً لله فلا ينسونه في أي حالٍ من الأحوال، وإنّ التفكر في خلق الله والتأمل في آياته هو مفتاح العبادة الحقيقية.

وقد أمر القرآن المسلمين باستقبال الكعبة المشرفة كقبلة لا لأسباب تاريخية، بل لأنّها تمثل رمزاً له معنى.. هذا المعنى هو توجه قلب المؤمن وعقله إلى بيت الله، ليعيش في ضميره ذكر الله في قيامه وقعوده وفي عمله واستراحته، في خلواته وفي احتكاكه مع الناس.

وقد نهى القرآن عن الغفلة ونسيان ذكر الله، لأنّ الغفلة تعني انغلاق البصيرة أمام رؤية حقائق الإيمان وواقع الوجود، ولذلك حذّر القرآن من مغبّة نسيان ذكر الله، ودعا إلى تذكر الخالق في كلّ مجالات الحياة. وقد اعتبر القرآن الكريم نسيان ذكر الله استثناءاً قابلاً للتصحيح.

وعندما يرتكب المؤمن سيئة ما، سرعان ما يتحرك دافع الشعور الإيماني ليوقظه من غفوته فيتذكر الله سبحانه، ويتذكر تلك العلاقة الحميمة التي تربطه به، فترجع إليه بصيرته التي يرى بها حقائق الإيمان والوجود.

وأكّد القرآن على الثبات في مواقف الشدة والابتلاء، وذِكْر الله، لأنّ اللحظات القاسية في عمر الإنسان، تعصف بكلّ المبادئ والأفكار التي يحملها، ولا يحفظه من ضياع مبادئه ومعتقداته غير الاستعانة بخالقه العظيم وتوكله عليه..

وأشار القرآن على المؤمنين بأن لا تلهيهم أموالهم ولا أولادهم عن ذكر الله، لأنّ الاشتغال بزينة الحياة الدنيا يوجب الإعراض عن ذكره تعالى، ونهى أيضاً عن اشتغال الإنسان بتصوير الخيال وتزويقه من شعر مبتذل منحطّ، وهذا هو الغيّ وهو خلاف الرشد الذي يعني إصابة الواقع.

أمّا التسبيح فهو تنزيه الخالق عن كلّ ما يليق بساحة قدسه، وهو الثناء الذي تقدمه كلّ موجودات الكون له. فهو منزّه عن الاعتقادات الباطلة والأعمال السيئة، كاعتقاد المشركين بوجود شركاء مع الله، وهو محمود في جميع ما خلقه ودبّره في السماوات والأرض. وعلى جميع المخلوقات التذلل لمقام ربوبيته وعدم الاستكبار عن الخضوع له سبحانه، وتسبيحه، وحمده.

ويقرر القرآن أنّ الإنسان عبد ومملوك مطلق لله، وأنّ الخالق مالك مطلق لكلّ الوجود، فعلى الإنسان أن يذكر الله ذكراً يليق بساحة عظمته وكبريائه، وهذا هو الطريق الذي ينتهي إلى كمال العبودية للخالق العظيم.►

 

المصدر: كتاب الأخلاق القرآنية

ارسال التعليق

Top