• ٤ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٤ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الثقة بالنفس

عبدالله أحمد اليوسف

الثقة بالنفس

عندما ندرس حياة الزعماء والعظماء والقادة نكتشف أنّ العامل المشترك في نجاحهم جميعاً هو الثقة بالنفس، إذ أن ثقة الإنسان بذاته تفجر فيه الطاقات الكامنة والكبيرة التي وهبها الله سبحانه وتعالى إليه، ومن هنا نستطيع أن نُعرّف الثقة بالنفس بأنّها: الإيمان بما تملك من قدرات ومواهب وإمكانيات ومن ثم صهرها في بوتقة الحياة.

 

أهمية الثقة بالنفس:

الثقة بالنفس من المقومات الرئيسة لكل من ينشد النجاح، فلا نجاح بدون ثقة الإنسان بذاته، إذ أن ضعف الثقة بالنفس هو إصدار حكم بإلغاء قدرات الإنسان ومواهبه، وبالتالي الفشل المحتم!

ولذا.. تعتبر الثقة بالنفس أكثر من ضرورية لكل من يروم النجاح، وتبرز أهمية الثقة بالنفس في الأمور التالية:

 

1-    تفجير القدرات الكامنة:

يمتلك الإنسان الكثير.. الكثير من القدرات والمواهب، وما عليه إلّا أن يتعرف على قدراته ويستثمرها، فهو يمتلك العقل كأكبر قدرة تؤهله لاستيعاب ملايين المعلومات "تستطيع ذاكرة الإنسان استيعاب حوالي مليون بليون من المعلومات المختلفة في آن واحد.. وقال عالم سوفيتي اسمه أنوفيق: في مخ الإنسان 14 مليار خلية عصبية، وأن ردود أفعال المخ أمام الأحداث تحتاج لشريط طوله عشرة ملايين كيلومتر".

إنّ التقدم الرائع الذي نراه اليوم مدين لعقل الإنسان الذي استطاع أن يحقق كلّ هذه الإنجازات في دنيا التكنولوجيا "إنّ رجلاً سوفيتياً اسمه "يوسف بريكو دجكو" له ذاكرة مذهلة يتحدّى بها أعظم العقول الإلكترونية في عمليات الحساب وسرعتها دون أن يعتمد على ورقة وقلم، وقد أثار الحيرة والدهشة في الأوساط العلمية، واجتمع العلماء من مختلف الشخصيات في موسكو وأحضروا الرجل وأعظم العقول الإلكترونية، واستمرت المنافسة بين العقلين ساعتين وفاز العقل البشري على الإلكتروني بعشرات العمليات، أما الإلكتروني ففاز في عملية واحدة فقط بفارق دقيقة واحدة، لأنّ المسألة الحسابية التي جرت فيها المباراة يحتاج حلُّها إلى ساعات طويلة من جهود عشرات العقول البشرية".

لقد كرّم الله عزّ وجلّ الإنسان بالعقل.. هذا العقل القادر على بناء الحضارات.. فما أروع عظمة الخالق!! (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين/ 4).

إنّ ثقة الإنسان بنفسه هي التي تفجر فيه الطاقات الكامنة، أما عندما تنعدم هذه الثقة فستتحطم كلّ القدرات التي يملكها، وإليك هذه القصة الجميلة:

"منذ سنوات، أمضى طبيب من بروكلين، اسمه الدكتور كورتيس، الشتاء في فلوريدا بالقرب من ملعب تدريب على لعبة البايسبول وبما أنّه يستهوي هذه اللعبة، كان يذهب دائماً لمشاهدة اللاعبين أثناء التدريب وبمرور الزمن أصبح صديقاً لهم ودُعِي لحضور مأدبة أقيمت على شرفهم.

بعد تناول القهوة والمكسرات، دُعِيَ بعض الضيوف البارزين لإلقاء الخطب، وفجأة وكأن انفجاراً غير متوقع قد حدث، سمع الرامي يقول: وسأطلب من الدكتور كورتيس أن يتحدث حول صحة لاعب البايسبول.

فهل كان جاهزاً لذلك؟ طبعاً، كان لديه أفضل تحضير في العالم، فقد درس علم الصحة ومارس الطب منذ ثلث قرن تقريباً، كان باستطاعته أن يجلس في مقعده ويتحدث عن الموضوع بطلاقة إلى الرجال الجالسين إلى يمينه ويساره، ولكن الوقوف والتحدث عن الأشياء ذاتها إلى جمهور صغير كان أمراً آخر، تضاعفت دقات قلبه إذ لم يسبق له أن ألقى خطاباً في حياته كما تلاشت الأفكار من رأسه!

فما الذي سيفعله؟ كان الجمهور يصفق ويهتف متطلعاً إليه، هزّ رأسه، لكن ذلك صعد الصيحات التي ازدادت إلحاحاً: "الدكتور كورتيس! تكلم! تكلم".

كان في وضع محزن للغاية، فقد أدرك أنّه إذا ما نهض للكلام فإنّه سيفشل ولن يقدر على النطق حتى بجمل قليلة، وهكذا نهض، ومن دون التفوُّهِ بأيّة كلمة، خرج بهدوء من القاعة وهو يشعر بالذلّ والحرج.

ليس من الغريب أن أوّل ما فعله لدى عودته إلى بروكلين هو الانخراط في معهدي لتعليم فن الخطابة، فهو لا ينوي أن يقف محرجاً كالأخرس مرة ثانية.

كان من نوع الطلاب الذين يسرّ الأستاذ بهم، إذ كان مخلصاً جدّاً، ومتحمساً لأنّ يصبح قادراً على التحدث بطلاقة، ولم يكن هناك أدنى شك برغبته هذه. كان يحضر خطبه مسبقاً ويتدرب عليها بإصرار ولم يتخلف عن حضور أيّة ساعة طيلة الفصل الدراسي.

فعل تماماً ما يفعله أي تلميذ مجتهد عادة، إذ تطور بسرعة تعدت آماله كلها، وبعد الدروس القليلة الأولى، خَفَّ توتره وازدادت ثقته بنفسه وأصبح خلال شهرين نجم الخطابة بين أقرانه، وسرعان ما بدأ بقبول الدعوات لإلقاء الخطب، وهو الآن يزهو بشعور البهجة الناتجة عن ذلك، كما كسب عن طريق الخطب العديد من الأصدقاء.

حين سمع عضو في حملة الجمهوريين الانتخابية بمدينة نيويورك إحدى خطبه دعاه لإلقاء خطب تساند الحزب الجمهوري، وكم كان سيندهش هذا السياسي لو علم أنّ هذا الخطيب غادر مأدبة عامة منذ سنة وهو يشعر بالخجل والارتباك حين انعقد لسانه خوفاً من الجمهور!!"، لقد تفجرت قدرات الدكتور كورتيس الخطابية عندما وثق بقدراته وأن باستطاعته أن يكون خطيباً لامعاً.. وهكذا كان.. وأنت أيضاً باستطاعتك أن تكون خطيباً يُشار إليك بالبنان، باستطاعتك أن تكون كاتباً ممتازاً، باستطاعتك أن تكون رجل أعمال ناجحاً، باستطاعتك.. أن تكون كما تريد إذا قررت ذلك!

 

2-    سرّ النجاح:

إنّ سرَّ نجاح أولئك الذين صنعوا التاريخ، والذين ساهموا في بناء الحضارة الإنسانية، والذين أثروا الفكر الإنساني بالعطاء، والذين خلد التاريخ ذكراهم، إنّ سرَّ نجاح أولئك جميعاً هو الثقة بالنفس.

هذه الحقيقة يعترف بها كلّ من كتب مذكراته، وكلّ من تُرجمت حياته، يقول شارلي شابلن عن سرِّ نجاحه: "لابدّ للمرء أن يكون واثقاً من نفسه.. وهذا هو السر.. حتى عندما كنت أعيش في ملجأ الأيتام، وحتى عندما كنت أهيم على وجهي في الشوارع والأزقة باحثاً عن لقمة خبز أملأ بها معدتي الجائعة، حتى في هذه الظروف القاسية كنت أعتبر نفسي أعظم ممثل في العالم، كنت أشعر بالحماس الشديد يملأ صدري لمجرد أنني كنت أثق بنفسي، ولولا هذه الثقة لكنت قد ذهبت مع النفايات إلى بالوعة الفشل".

إنّ الثقة بالنفس هي المدخل لكل رجل يريد النجاح في ميادين الحياة المختلفة، أما من لا يشعر بقدرته على النجاح، ومن لا يملك الثقة بنفسه، ومن ينهار أمام الضغوط والتحديات النفسية أو الاجتماعية أو غيرها، فسيدخل في نفق مظلم لا نهاية له.

وثقة الإنسان بنفسه تعطيه المزيد من الإصرار على النجاح، والمزيد من المثابرة والفاعلية للوصول إلى أهدافه، فها هو مخترع الأنسولين ومنقذ الملايين من داء السكري يتحدى كل محاولات التثبيط بمزيد من السعي والتفكير الجاد حتى اكتشف الأنسولين.

"لقد استهزأ الأطباء وغير الأطباء بفريدريك باتنغ مخترع الأنسولين! لقد سخر منه رئيسه حينما طلب منه عشرة كلاب وطبيباً معاوناً!

فقد قال ضاحكاً: في كلّ يوم يأتيني طبيب بعلاج جديد للسكري، ولا يعود مرة ثانية، ويبقى السكري يفتك بالناس فتكه الذريع.

وأجابه الشاب: سأحاول، وسأستمر في المحاولة.

وأصرّ وألح، حتى لبّى رئيسه طلبه، غير أن أصدقاءه رجوه أن يقلع، لأن في استمراره مضيعة وابتذالاً.

ولم يأبه للأقوال، بل مضى في تجاربه، حتى اكتشف الدواء، وأنقذ الناس واستحقّ جزيل الثناء" وهكذا نجح في تجاربه لثقته بنفسه، وإصراره على النجاح.

آلاف من البشر يفوتهم النجاح كلّ يوم، آلاف مؤلفة يخفقون.. وهم قادرون على النجاح، هم يستطيعون أن ينجحوا، ولكنهم يفشلون، لأنّهم بعبارة بسيطة لا يثقون بأنفسهم، ولا يسعون لاكتساب الثقة بأنفسهم.

باستطاعتك أن تكون أحد الناجحين في الحياة، في أي مجال من مجالات الحياة المتعددة، قد تواجه صعوبات في البداية.. وهذا شيء طبيعي، ولكن تأكد من أنّك لست أقل قدراً من أولئك الرجال الذين خلدوا أسماءهم في سجلات التاريخ.

"لا تتصور أن حالتك صعبة بشكل غير عادي، فمعظم الذين أصبحوا فيما بعد ممثلين عن أجيالهم، أصيبوا في بادئ الأمر بالخوف وضعف الثقة بالنفس.

"مارك توبن".. حين وقف يخطب لأوّل مرة، شعر وكأن فمه مليء بالقطن بينما تضاعفت سرعة نبضه.

"جان جورييه".. أشهر الخطباء السياسيين الذين أنجبتهم فرنسا في عصره، بقي سنة كاملة منعقد اللسان في قاعة الاجتماعات قبل أن يتمكن من استجماع شجاعته كي يلقي الخطاب الافتتاحي.

"جورج لويد".. اعترف قائلاً: "أوّل مرة حاولت فيها إلقاء خطبة أمام الجمهور شعرت بحالة من اليأس، فلساني التصق بأعلى فمي، وقلّما استطعت التفوُّه بكلمة واحدة".

"دزرائيلي".. اعترف بأن فضل قيادة كتيبة خيالة على مواجهة مجلس العموم لأوّل مرة، إذ كان خطابه الأول هناك فاشلاً للغاية".

إنّ ثقة هؤلاء بأنفسهم مكنتهم من اجتياز الامتحان الأوّل بعزيمة لا تقهر، واستطاعوا أن يحوزوا على وسام النجاح بكل جدارة.

وأنت أيضاً.. إذا استجمعت ثقتك بنفسك فستحوز على وسام النجاح في نهاية المطاف.

مرة أخرى لا تنسَ هذه الحقيقة: "الثقة بالنفس سرّ النجاح".

 

3-    تنمية الشجاعة:

إنّ ثقتك بنفسك تنمي فيك روح الشجاعة، والشجاعة مطلب رئيسي لبلوغ مآربك في الحياة، والحياة ذاتها تريد منك الشجاعة، ففي الحياة ستواجه مشاكل.. عقبات.. أزمات وكل ذلك يتطلب منك الشجاعة الكافية.

شجاعة اتِّخاذ القرار.. شجاعة إبداء الرأي.. شجاعة مواجهة الإحباط.. أما التردد.. الخوف.. القلق.. فهي ليست إلّا مظاهر لضعف الثقة بالنفس.

ومتى ما أصيب المرء بداءِ الخوف فإنّ الفشل سيلاحقه، لاخوف من الإخفاق، والخوف من الفشل، والخوف من الناس، والخوف من الحياة.. كلها موانع تمنع الإنسان عن التقدم والتكامل وعندئذٍ لابدّ من المثابرة لعلاج ضعف الثقة بالنفس.

 

امتحان الثقة بالنفس!!:

أنشأ رجل فرنسي مدرسة تربي الثقة بالنفس في شخصية تلاميذها، حيث يقوم كلّ عام 250 طالباً من طلاب السنوات النهائية بالمدارس الثانوية في فرنسا برحلات نائية ومع كلّ منهم مبلغ 17.500 فرنك دون أن يصحبه والد أو معلم أو مرشد، بل يرحل كلّ منهم بمفرده ولا يكتب إلى أهله يسألهم العون فيما لو أعوزه المال، ولابدّ أن تستغرق رحلته ما لا يقل عن ثلاثين يوماً كاملةً، فبعض طلابه ذهب بمغامرات خطيرة إلى أوروبا، وبعضهم إلى أمريكا وكندا، وبعضهم تجوّل في أقاصي الشرق حتى سيلان، وما كان مبلغ 17.500 فرنك ليكفي الفرد منهم مدة طويلة فكان لابدّ لهؤلاء الصغار أن يعملوا ليتمكنوا من الحصول على الغذاء والمسكن، فمنهم من اشتغل عاملاً في منجم أو مزرعة أو على ظهر باخرة أو في مطعم يغسل الأطباق ويقشر البطاطا، ومنهم من كان يعطي دروساً في الفرنسية أو يعمل في محطة للبنزين، وقد اضطرّ أحد الصبية بعد أن ضاعت كلّ نقوده أن يعمل مرشداً لأحد السياح وألّف ثلاثة من الصبية كتباً عن رحلاتهم ومغامراتهم، وأحد الطلبة اضطرّ أن يسير حافي القدمين خمسين كيلومتراً على الثلوج في شمال السويد بعد أن احترق حذاؤه.

ويكلّف البرنامج كلّ طالب منهم أن يدرس إحدى الصناعات أو الثقافات أو الفنون عن البلاد التي يزورها.

يقول أحد المشتركين بهذه الرحلات لقد اكتشفت كفاءاتي تماماً أثناء هذه الرحلات كان عليَّ إذا واجهتني مشكلة أن أصمم على رأي وأن أقطع به فوراً وأن أكون جريئاً وأن أنجح، والعجيب أني نجحت بالفعل.

وكان مدير المدرسة يقول دائماً: "إنّ المغامرة التي يقوم بها الفرد وحده هي أهم عامل يبرز صفات الفرد وكفاءاته".

 

ثق بنفسك:

إذا كنت تعاني من ضعف في ثقتك بنفسك فعليك أوّلاً أن تحدد أسباب الضعف، ثمّ تبدأ بعلاج ذلك، بالقضاء تدريجياً على كلّ عوامل الضعف في ذاتك.

-         حاول أيضاً أن تكتشف نقاط القوة فيك. واعلم بأنها كافية لتزويدك بالثقة التامة.

-         تأكد تماماً بأنّك مخلوق كرّمه الله عزّ وجلّ وأعطاك الكثير من المواهب وما عليك إلّا أن تستثمرها وتستفيد منها.

-         صادق أولئك الرجال الواثقين من أنفسهم، واكتسب منهم الثقة بالنفس.

-         اقرأ كثيراً عن حياة العظماء والقادة والزعماء، واستفد من تجاربهم في الحياة.

هذا كفيل بأن يزرع الثقة بنفسك، وتوكل على الله (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) (الطلاق/ 3).

 

المصدر: كتاب الشخصية الناجحة

ارسال التعليق

Top