• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الحب والشوك

باسم عبدو

الحب والشوك
الأرض التي تبعد عن منزلي ستة كيلومترات، تسمّى بـ"الأرض السعيدة". حثَّني أولادي الأربعة لزيارتها مراراً وتكراراً. أبهرهم الإعلان الملوَّن في التلفاز، فكانوا يقتربون من الشاشة، ويحدّقون في الملاعب، والسيارات الكهربائية والقطارات، ويشحنون أكفَّهم بالتصفيق الحار. وعندما رأوا رفاقهم عائدين من هناك مرّت هتفوا لهم، وصفَّقوا كثيراً.
تكاسلتْ وتثاءبتُ حينما حاولت الردّ على أسئلتهم، وتلعثمتُ بمفردات شاحبة، تشبَّعت بألوان أوراق الخريف. تناسيتُ إلحاحاتهم. أطفأتُ الجمرات المتوهّجة في أفواههم، ووجدتُ حلاً سريعاً، فوزعتهم كلّ واحد في جهة.
أغريتُ الصبي الكبير بأكلة طيّبة، وأرسلته إلى بيت خالته، والصغير إلى بيت جدّه، أما البنتان، فتكوّرتا بجانب أُمّهم، وانتقلت عدوى التثاؤب إليهما بسرعة، فأغمضتا عيونهما. اختلطت أحلامهما مع حركات مفاجئة لرأس زوجتي، التي تفاجأت بالأسئلة المتعددة، وبَدَت عليها علائم الدهشة والرفض لصمتي... نهضت وبادرتني قائلة: إنّ الجنين في بطني قد توقف عن الحركة منذ ثلاثة أيام. لم أعد أسمع (لبيطه وخبيطه)، وهو الولد الخامس الذي سنعطيه اسم "سعيد" لأنّه سيفتح عينيه على الدنيا.
في تلك الليلة، ارتفع ضغط دمي، وازدادت وتائر القلق. فشلتُ في تجميع أجوبة غير مقنعة، تشبَّثت في قاع ذاكرتي. تراكمت الأفكار في رأسي. أصبحت ثقيلة كالحجارة، فاقت قدرتي على التحمّل، والاستمرار في مثل هذا الهيجان الداخلي المرير. ظلَّت تطاردني طوال فصل الصيف، ولم أُلاقِ الحلّ المناسب لإطفائها أو تجميعها في كيس أسود، وإلقائها في حاوية القمامة، والتخلّص منها، وكلّما هممتُ في تمزيقها، تتجمّع وتلتصق في جسدي وروحي. تقف عثرة في طريق تنفّسي وتفكيري. تحاول خنقي. تدفعني. تسحبني من شعري تارة، وتشدّني من أُذني. تدوس على أنفي!.
ليلة حمقاء، يتقادح الشرر من عيون نجومها، في فضاء خنقه العجاج.. ليلة حُبلى بالهواجس والوعود الممزَّقة، والكذب المسكوب على صفحات قلوبنا.
نجحتُ في اتخاذ القرار بالخروج من غرفة النوم، بعد منتصف الليل. تدرجتُ في أرض الدار. ازداد لهاث خطواتي ذهاباً وإياباً حول سوق الدالية.
كانت عناقيد العنب الحمراء اللوزية تدقُّ في رأسي، فأنحني قليلاً، ويتضاعف انحنائي، ويتقوَّس ظهري، ويتدلَّى رأسي أكثر، يصطدم بصري بالبلاط الناعم، ويرتدّ عنه منكسراً.
قررتُ أن أفتح باباً جديداً لذاكرتي الميّتة، فأوقدت الحطب. نثرت أنفاسي في مبخرة روحي، الملأى بالحزن والرماد والأعواد اليابسة.
جلست على كرسي صغير مجدول من القش والشرائط الملوَّنة. كنت أرفع عينيَّ، فتتساقط النجوم من ثقوب الدالية، والقمر يمدّ يده، ويزيح الأوراق، فيعبر ضوؤه، يملأ فضاء روحي. أنتشي. أنفث دخان سيجارتي التي رفضت أن تشتعل. حَنَقت عليَّ غاضبة. أبتْ أن تقترب من فمي، وهي ترتجف بين إصبعين خشنين.
تزحف عقارب الساعة في درب الليل. يحفر الزمن طريقه متسارعاً. سكون جليدي يلسعني بسوط ثلجي.
شددت أحزمتي. حاولت إنقاذ الموقف لعلّي أحقّق جزءاً من أحلام أولادي في الأيام القادمة. تساءلت مع نفسي (ماذا سيفعل سعيد بعد أن تكون "العدالة بلا حدود" قد أطبقت فكيّها على عالمنا، وكيف سيكون موقفه حينما يسمع الحكاية من إخوته، ويقرأ في وجوههم الخيبات؟).
ارتخت ضحكتي، ووقعتْ أسيرة بين أسناني. دارت ودارت في فمي حتى أُهكت. توقفت عجلاتها المطّاطية تحت لساني، بجانب رصيف مزدحم بالنتوءات.
هدَّأت من روعي. توقف الهذيان عند الخط الأحمر، ع ندما واجهتني وزجتي، وجلست قُبالتي، يبدو عليها الإرهاق والتعب.
حاولت أن أضفي على الصمت شيئاً من الشفافية، والبوح بمكنوناتي الداخلية، سألتها عن الجنين، وقبل أن أنهي السؤال، فاجأتني قائلة: قبل قليل سمعتُ أنيناً في أحشائي، وحركة نشطة.
ابتسمتُ لهذا الخبر. تفاءلتُ بأن سعيداً في صحّة جيِّدة، وسيخرج من رَحم أُمّه الدافئ إلى عالم صقيعي جاف فقير بالندى والضباب، لكني سأعوِّض له ما خسره إخوته، وسأجلب له الألعاب الجميلة، وربَّما ستكون زيارته الأولى إلى "الأرض السعيدة"، ولكونه سعيداً، سيخفّضون ثمن بطاقة الدخول!.
كان كلامي هُرَاء في هُرَاء. فهمتُ من إشارات عينيها، أنّني أتنبَّأ بأمور سخيفة خيالية. رشفتُ آخر رشفة من القهوة الفاترة، ثمّ مددتُ يدي إلى عنقود عنب شهي لذيذ.
اقتربت من زوجتي. لامس كتفي كتفها. مال رأسي ممازحاً، وانحنى دافئاً، فمنذ أسبوع أتحسّر على جلسة كمثيلتها أيام زمان. وكان سعيد يُثقل تنفّسها، ورَحْمة وشفقة بها اختلقت القصص، لعلّها تنسى مشقّات الحمل!.
استرخت زوجتي. تهدَّل جسدها على فراش الإسفنج المضغوط. تخلَّص رأسها من سحابة حكاية "الأرض السعيدة". كانت نسمة منعشة تتسلّل بين أوراق الدّالية، تسرق وشوشاتنا وبوحنا وتمشي.
تتسمَّر عيناي في قمّة بطنها المنتفخ. كان البؤبؤان يتأرجحان مع ارتفاعه وانخفاضه. رصدتُ حركة الجنين واحدة واحدة. أحسستُ أن سعيداً تعافى من لوثة الصمت، عندما خَدَشت أُذنيه موسيقانا، فجلس كتلميذ مجتهد، يُصغي إلينا بانتباه شديد!.
أسرَّ لي بأنّه ينتظر لحظة خروجه من هذا القبو المظلم إلى النور، ليعيش حياة سعيدة. قطعتُ تداعياته. ربَّما اقتنع بالبقاء في رحم أُمّه، ريثما ينتهي فصل الصيف القائض. وتغلق "الأرض السعيدة" أبوابها، ويكون قادراً على المشي والحركة واللّعب والتدرّب في البيت أوّلاً، ووعدته أن أشتري له سيّارة كهربائية، وقطاراً سريعاً وخليوياً ودشّاً.
نهضت زوجتي مذعورة، حينما طرق كلامي طبلة أُذنها، فطلبت مني ألا أُزعج الجنين، وأن أترك له الحرية في اختيار طريقه بنفسه، وستكون قادرة على رعايته وتربيته، وتحقيق أحلامه. وادّعت أن اهتماماتي بالأولاد الأربعة، قد زادت عن حدّها، في الوقت الذي كنت أوهمهم بهالة من الوعود الكاذبة.
انتفض سعيد. ازداد تنفّس أُمّه صعوبة. وضعت يديها على بطنها. ضغطت عليه. اعتقدت أنّها ستؤجل خروجه إلى الصباح، فهي لا تُحبّذ الولادة في هذه الليلة، فأغلقت الراديو. سكتت.. تيقَّنت أنّ الأخبار القادمة عن الانتفاضة، من جنوب الوطن، تزيد آلامها، وتقضّ مضجعها. وداهمني الخوف أن يأتي سعيد قبل أوانه!.
بذلتُ جهوداً كبيرة لإنقاذ الموقف. وضعت أُذني على فمها. أصخت السمع. قلت لها: أسمع أنيناً يملأ فمك، وحشرجة في رئتيك، ووجعاً قادماً من بطنك.
قالت زوجتي؛ وأنا مثلك اسمع وأحسّ أنّ أنامله تحفر، تكاد أمعائي تتمزَّق. أسرع.. أسرع، يا أيا حسام، انقلني إلى أقرب مشفى!
كانت ليلة مُرَّة، يتسطَّر العذاب بين تداعيات الترقّب، وانتظار المفاجآت!. صلّيتُ بصمت. قرأت ما حفظت في صغري من آيات وأُدعية. تعالى صراخ زوجتي في فضاء المشفى، الذي أخذ يضيق ويضيق، ومع الدفعة الأولى لخيوط الصباح، تناهت إليَّ، وأنا أتّكئ على حافة النافذة، صرخة سعيد الأولى. وما هي إلا دقائق، خرج الطبيب يطمئنني، وأسرعت القابلة تهنّئني، وحصلت المستخدمة على "البخشيش". طغى الفرح على المتاعب والهموم. أزاح عنّي حملاً ثقيلاً ضاغطاً.
اندفعتُ بسرعة إلى سرير زوجتي. كانت كالملاك. كل شيء أبيض، وبجانبها يرقد سعيد ملفوفاً بثياب بيض لامعة. أحسستُ بوخز إبر في أعماقي، وبشعور غريب غير مُطمئن. ارتكبتُ، أعُد أعرف ماذا أفعل!.
تساءلتُ: هذا ليس سعيداً الذي أرسمه على جدار ذاكرتي، فهو لا يشبه إخوته؟. اقتربت منها أكثر. انحنيت عليه. تأكّدت أنّ عيناً أصغر من عين، وأن أصابعه ناقصة، وشقّ يقسم شفته العليا إلى قسمين.
تراجعتُ إلى الخلف خطوتين. تغلغلت في أعماقي مسامير الوجع. أسندت ظهري إلى الجدار. فتحت زوجتي عينيها. رأتني أقف بجانبها قريباً من رأسها. ابتسمتُ. هنأتها بالسلامة. لاحظت الارتباك على وجهي. كشفت الغطاء عن الطفل، فكان سليماً... العينان عسليتان.. البَشَرة بيضاء، تتأجّج. الشفتان صامتتان، يفصل بينهما خطّ رفيع.
أمسكتُ كفّيه. داعبتُ أنامله العشرة، واحداً واحداً. تلمّستُ جسده من رأسه إلى قدميه.
ظلّت عينا زوجتي تُشرقان على وجهي في حالة ذهول ودهشة. كانت نظراتها توقظني من شروط تسلّل وخطف ابتساماتي التي لم تغب عنها أبداً. وجزَّأ فرحي في لحظة مخاض مرير، كنت مشاركاً فعالاً فيه.
لم أُصدِّق زوجتي عندما فاجأتني، بأنّ المولود ليس سعيداً، وكلّ ما تنبّأت به القابلة العجوز "أم مروان" كان كاذباً. فالمولود هو طفلة، وكما تراها رائعة الجمال، فلا تحزن!.
انخطف قلبي نحوها... عندئذٍ انفرجت أساريري، وقلت لزوجتي مازحاً: إنّ سعيداً سيكون الولد السادس حتماً، وسينضم إلى إخوته وأخواته، وستحقَّق أحلامهم دُفعة واحدة في يوم من الأيام!.
قلت مع نفسي، وأنا أهبط درج المشفى إلى الشارع، وعيناي تبحثان عن سيارة أُجرة. أتأبّط ذراع زوجتي بيد، وأسند طفلتي إلى صدري باليد الأخرى... (سأحتفظ بصورة الأم في ألبوم ذاكرتي، وتحت شغاف القلب، وسأعلّقها في صدر بيتنا البعيد البعيد عن مخيَّم الشاطئ!.
 
*أديب وقاص من سورية، من أعماله القصصية: "وجه وقمر"

ارسال التعليق

Top