• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الحقد والكراهية.. سبب الفتن وسلاح الإرهاب

عمار كاظم

الحقد والكراهية.. سبب الفتن وسلاح الإرهاب

یقول تعالى في محكم كتابه العزيز: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة/ 32). من منطلق هذه الآية الشريفة نرى أنّ الإسلام، وفي الوقت الذي أفسح المجال للدفاع عن النفس، وفتح باب الجهاد بشروط وضوابط خاصّة، انطلق من مبدأ أساس، وهو مبدأ السلام في العلاقات الدولية، ومبدأ عصمة الدماء والنفوس والأعراض على المستوى الإنساني، وأنّ القتل وسفك الدماء، قبيح في شريعة العقل والعقلاء، فضلاً عن شريعة السماء، التي جعلت حفظ النفوس من أهمّ مقاصدها، ولذا اعتبرت أنّ قتل نفس واحدة يعادل قتل الناس جميعاً، كما أنّ إحياءها يعادل إحياءهم جميعاً. أيضاً في النصوص الإسلامية تحذيرات شديدة اللّهجة، إزاء الإقدام على سفك الدماء، والإعانة على ذلك، ولو بشطر كلمة، ففي الحديث عن الإمام الباقر (عليه السلام): «إنّ الرجل ليأتي يوم القيامة ومعه قدر محجمة من دم، فيقول: والله، ما قتلت ولا شركت في دم، فيُقال له: بل ذكرت عبدي فلاناً، فترقّى ذلك إلى قتله، فأصابك من دمه».

إنّ الحقد والكراهية إذا ما غلى في النفس وسكن القلوب وتوطّن فيها، تمظهر بفعل اعتداءٍ أو انتقامٍ أو تسلّطٍ أو إلغاءٍ أو أذيّة. ومن ثمّ تداعياته لا تقف عند حدود مَن يحقد عليهم، بل تمتدّ إلى نفس الحاقد؛ فهو يربك حياته، كما في الحديث الشریف: «الحقودُ مُعذَّب النفس، متضاعَفُ الهمّ»، «ليس لحقودٍ أُخوّة». وخطورة الحقد الكبرى على البشرية، عندما يتحوّل إلى ظاهرة تتنشر في المجتمع ويتم التحريض عليها من قبل جماعات وظيفتها زرع الأحقاد تجاه جماعة أُخرى أو جهة، طائفة، مذهب، أو دولة. الإسلام يدعو إلى التصالح مع الآخر، والتحاور معه، بعيداً عن الحقد والكراهية والعنف والإرهاب. إنّ مشكلة هذه الفئة الحاقدة هي أنّها انغمرت في سبات العقل الذي استعاذ منه الإمام عليّ (عليه السلام) عندما قال: «نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزّلل، وبه نستعين». لأنّ الحقد هو ـ للأسف ـ اللغة التي يتقنونها في التواصل، بدل لغة التسامح أو الرحمة أو اللحمة.

إنّ سلوك طريق الحقد هو تخريبٌ للحياة الإنسانية، هو تسميمٌ لها وتعكيرٌ لصفوها، فالحقد على مستوى صاحبه يعطّله هو، لأنّه يجرّ معه كلّ الصفات السيِّئة، من حسدٍ وغيرةٍ وكرهٍ ونميمةٍ وفتنة. وهذا ما دفع مرتكب جريمة مسجد النور بنيوزلندا المروعة إلى إرتكاب هذه المجزرة بحقّ المسلمين الأبرياء، إذ أقدم على فتح النار على المصلين في المسجد بدون أدنى رحمة ورأفة، ما أدّى إلى مقتل وإصابة العشرات. إنّ مرتكب هذه الجريمة ليس شخصاً جاهلاً غير مثقف، بل يحمل أفكاراً متطرّفة، وأنّه يعادي المهاجرين ويكره المسلمين، ويتطلّع للانتقام منهم، لهذا قام بفعلته النكراء.

لنتسلَّح دوماً بالدُّعاء لمجاهدة النفس الأمّارة بالحقد: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر/ 10). ويقول الإمام عليّ (عليه السلام): «احصد الشرّ من صدر غيرك بقلعه من صدرك». لنكن خير منفِّذٍ لوصيّة رسولنا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، عندما أوصى أصحابه قائلاً: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عبادَ اللهِ إخواناً.. كونوا أخوة بررة».

وختاماً، ببالغ الحزن والأسى نعزي أُسر الضحايا وندعو لهم بالصبر على هذه الفاجعة وإنا لله وإنا إليه راجعون. وتبقى المسؤولية على عاتق الشعوب العربية والإسلامية في أن يرتفع صوتها، ولا سيّما عندما لا يرتفع صوت قويّ في هذا العالم يندِّد بما يحصل، أو يتّخذ مواقف فاعلة تجاهه.

ارسال التعليق

Top