• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الدعوة إلى التكافل الاجتماعي

عمار كاظم

الدعوة إلى التكافل الاجتماعي

التقت جميع الكُتُب والمناهج السماوية على ضرورة التواصل الإنساني عبر التكافل الاجتماعي، بما يؤدِّي إلى سدّ الحفرة القائمة بين الأغنياء والفقراء، وكذلك إعالة المحتاجين، وسدّ حاجتهم، بما يكفل لهم حياةً كريمةً وعزيزة، تسدّ عنهم ذلّ السؤال، وتكفيهم وطأة الفاقة. وفي الإسلام الحنيف، كانت الدعوة إلى التعاون والتكافل من المبادئ الأساسية التي نادى بها الدِّين، فكان الحضّ على إيجاد التعاون بين أفراد المجتمع في كلّ أمرٍ فيه خير وصلاح للمجتمع ولبنيه، في مواجهة الظروف الصعبة، وتعقيداتها القاسية. لقد شرّع الإسلام الزكاة، وفرض مبدأ التكافل الاجتماعي، وحثّ على الصدقة، ليُبعد الإنسان عن إراقة ماء وجهه في الطلب والسؤال، يقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا سألت فاسأل الله». ويقول (صلى الله عليه وآله وسلم): «وتصدَّقوا على فقرائكم ومساكينكم»، فهناك فقراء لا يجدون من الغذاء ما تجده أنت، وهناك مساكين لا يملكون العيش الكريم. كلٌّ بحسب قدرته، فإنّ الصدقة تطفئ غضب الله، وتنمّي للإنسان رزقه، وتشفي للإنسان مرضه. لذلك، كان منهج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة (عليهم السلام) من بعده: «عزّ الرجل استغناؤه عن الناس». ولكن ما الحلّ إذا حلّ الفقر وضغطت الحاجة؟

يُعلّمنا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فيقول: «لئن يحتطب الرجل على ظهره، فيبيعه ويستغني به، خير من أن يسأل رجلاً آخر آتاه الله من فضله، فيُعطيه أو يمنعه». ومع ذلك، يظلّ مبدأ التكافل ضمانة لسدّ حاجات الأيتام، والمرضى، وغير القادرين على الكسب، وهذه مسؤولية كلّ قادر، وأن يريق إنسان عاجز ماء وجهه طلباً للقمة تشبعه ليس ذلاً له وحده فقط، بل هو ذلّ لكلّ المجتمع. لهذا، التكافل ثمّ التكافل، الستر ثمّ الستر على الذين تحسبهم أغنياء من التعفّف. ذلك لأنّ الخير وحده هو الذي يؤدِّي إلى استقرار المجتمع وسلامة بنائه، وبعده عن أيّ خلل اجتماعي يؤدِّي إلى فرقة أبنائه، أو إلى شيوع مشاعر الكراهية والحقد والحسد والبغضاء. وقد جاء الأمر صريحاً عن التعاون المثبت، كما جاء النهي صريحاً عن التعاون الغير مثبت، وذلك في قول الله عزّوجلّ: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائدة/ 2). إنّ الدعوة إلى التعاون المثبت بين أفراد المجتمع، يجب أن تأتي مصحوبةً بأدبٍ إنساني يجب أن يُراعَى ويتّبع، وهو أدب يتعلّق بالجانب النفسي عند مَن يُقدّم إليه العون، فليس العون مجرّد عونٍ مادّي يزيل الحاجة، ويكشف الغمّة، وإنّما هو في الوقت نفسه يتّصل بالكرامة الإنسانية التي يجب أن تُصان، وأن يظلّ صاحبها مرفوع الرأس بعيداً عن مشاعر الإذلال والإهانة.

وعلى هذا الأساس، ضرورة قيام التعاون والتكامل بين المؤسسات الرعائية والتكافلية، بما تمثّله من حاضنات اجتماعية لليتامى والمحتاجين، وبين الأفراد من أهل الخير والإحسان. ولابدّ من أن يقوم التواصل والتكافل كذلك مع الدولة بمؤسّساتها الراعية، التي يجب أن تشكّل الإطار الداعم لمسيرة العمل الاجتماعي - التكافلي، الذي يؤطّر ويحتضن المؤسّسات الأهلية، ويشجّعها ويدفعها إلى المزيد من العطاء والتقدّم في مسيرة الرعاية الاجتماعية لذوي الاحتياجات من أبناء المجتمع.

إنّ الحفاظ على كرامات الناس من ذلّ السؤال، واجب ومسؤولية على كلّ مستطيع وقادر. لا عذر لأحد كي لا يتحسّس حاجات الناس وآلامهم، ولا عذر لأحد أن لا يكفل يتيماً أو أن يمد يدّ العون لمعوّق، أو أن يجبر خاطر فقير أو مريض. هذا ما ربّانا عليه رافع لواء كرامة الفقراء والضعفاء والمظلومين، أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي أعلنها عنواناً: «الضعيف الذليل عندي قويّ عزيز حتى آخذ له بحقّه». الإمام السجّاد (عليه السلام) كان يبكي عندما يسأله فقير حاجة، لأنّه لم يعرف بحاجته من قبل أن  يتعرّض لذلّ السؤال.

هذه أدبيّاتنا وأخلاقنا: أن نسهم جميعاً في الحفاظ على الكرامة الإنسانية، فهي أشرف وأغنى ما يمتلكه الإنسان، وإن خسر فرد من المجتمع كرامته، فكأنّما خسرها المجتمع كلّه.

ارسال التعليق

Top