• ٢٥ أيار/مايو ٢٠٢٠ | ٢ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

الزهد من كمالات الأخلاق

عمار كاظم

الزهد من كمالات الأخلاق

قال تعالى: (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) (الشورى/ 20)، وقال تعالى: (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه/ 131). للزهد في الدنيا مقامُ شريف، فهو من أعلى مقامات السالكين إلى الله تعالى، فجميع الدعوات الإلهية والشرائع الربانية هدفها الأساسي ربط الإنسان بالله عزّ وجلّ، قال (ص): «إذا رأيتم العبد قد أعطي صمتاً وزهداً في الدنيا فاقربوا منه، فإنّه يلقي الحكمة»، وقد قال الله تعالى: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً) (البقرة/ 269)»، وعنه (ص): «إزهد في الدنيا يحبك الله، وإزهد في ما أيدي الناس يحبك الناس».

وقال أمير المؤمنين (ع): «الزهد كلّه بين كلمتين من القرآن، قال سبحانه: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) (الحديد/ 23). ومن لم يأسَ على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه». وقال (ع): «الزهد في الدنيا قصر الأمل، وشكر كلّ نعمة، والورع عن كلّ ما حرّم الله عزّ وجلّ». وقال الإمام الصادق (ع): «ليس الزهد في الدنيا بإضاعة المال ولا تحريم الحلال، بل الزهد في الدنيا أن لا تكون بما في يدك أوثق منك بما عند الله».

إنّ الإنسان لا يمكنه أن يصبح شجاعاً إذا كان غارقاً في حب الدنيا وعبادتها كما لا يمكنه أن يكون عفيفاً أو أن يعيش حياته حراً كريماً. الزاهد هو من يسمو على أولئك العبيد بفكرة لا يخشى فراق الحياة وتقلباتها، شجاع جريء حرّ عفيف كريم، تملأ نفسه روح التضحية والفداء.

إنّ أوّل خصلة في أولئك الذين يضحون بأنفسهم هي الزهد في الدنيا بكلّ ما للزهد من معاني، فهذا عليّ أمير المؤمنين (ع) الذي هو خلاصة جميع الفضائل الإنسانية من عدالة وتقوى وشجاعة وحرية وسخاء وكرم ووفاء ومروءة، لقد حاز جميع هذه الصفات لأنّه رأى نفسه أسمى وأشرف من الدنيا وما فيها، قال في وصيته لولده الحسن: «وأكرم نفس عن كلّ دنيّة وإن ساقتك إلى الرغائب فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضاً، ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً، وما خير لا ينال إلا بشرّ»، وقال (ع): «الدنيا دار ممر لا دار مقر، والناس رجلان، رجل باع نفسه فأوبقها، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها».

من ثمرة الزهد السخاء ومن ثمرة الرغبة في الدنيا البخل، فالمال إن كان مفقوداً فالأليق بحال الإنسان القناعة، وإن كان موجوداً فالأليق بحال صاحبه السخاء والبذل لأهله واصطناع المعروف. والسخاء من أخلاق الأنبياء وأصول النجاة، والسخي حبيب الله، قال النبيّ (ص): «السخاء شجرة من شجر الجنة أغصانها متدلية على الأرض، فمن أخذ منها غصناً قاده ذلك الغصن إلى الجنة».

إنّ أرفع درجات السخاء الإيثار، وهو أن يجود بالمال مع الحاجة إليه، قال الله تعالى في معرض المدح: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (الحشر/ 9)، وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (الإنسان/ 8).

هناك فريق يعيش ثمّ يغادر الدنيا وفي رقبته آلاف القيود وهناك فريق آخر يغادر الدنيا حرّاً لا يعرف للعبودية معنى، إلا عبودية الله سبحانه، لا يعبد الشهوة والمال ولا ينقاد للغضب ولا يخضع للجاه ولا يستسلم للثراء بل يحيى حرّاً كريم النفس، وهذا هو المعنى الحقيقي للزهد، قال النبيّ (ص): «أيما امرئ اشتهى شهوة فردَّ شهوته وآثر على نفسه غفر له».

ارسال التعليق

Top