• ٢٥ شباط/فبراير ٢٠٢١ | ١٣ رجب ١٤٤٢ هـ
البلاغ

السفر والعلاقة بالآخر

السفر والعلاقة بالآخر

هذا العالم الكبير أشبه ما يكون بالكتاب الذي يحتوي على فصول وموضوعات رئيسة وفرعية وفهرسة ترسم معالمه، ويتضمن معاني وأسراراً وتفاصيل وأنماطاً متنوعة، إذ تكمن قراءته في زيارة ملامحه وتفكيك رموزه التاريخية والجغرافية والثقافية والاجتماعية.

ومن أهم الأولويات التي يجب أن يستحضرها المسافر والمستكشف قبل زيارة أي بلد في العالم، أولوية تكوين صورة متكاملة تجتمع فيها العناصر الضرورية عن البلد المقصود زيارته، وذلك يكون في قراءة تاريخية بشكل موجز، ومعرفة معالمه وآثاره وما يتميز به، وفهم النمط الثقافي للمجتمع وطريقة رؤيته للآخر، وهذا سر جوهري يجعل الزائر يفهمه عن قرب أكثر، ويساعده على بناء علاقة ناضجة ورائدة تنعكس بشكل صحّي.

لا تزال لدينا ثقافة الاستمتاع ومكافأة الذات وإعطاء كلّ مرحلة حقّها، والاستعداد للسفر ودرس ذلك وترتيب ما يجب، والقراءة عن الشعوب والأماكن التي تستحق السفر والزيارة، والمعرفة الجغرافية والتاريخية، وتطوير مهارات الاتصال، وخلق حلقات تواصل مع المجتمعات البعيدة جغرافياً، والمتنوعة ثقافياً واجتماعياً، لتكسر كثيراً من الصور التي رسمت في الأذهان بشكل سلبي وغير عادل ومنصف عن مجتمعاتنا العربية.

إذا نظرنا إلى السائح الغربي نجده يخطط ويرتب لرحلاته وسفراته من أجل أن تكون موزونة من جميع النواحي بعيداً عن الفوضى والضرر الاقتصادي، والاستفادة من الرحلة على أفضل وجه يليق ويرضي الذات، ويمتاز الغربي بترك انطباع جميل عنه الذي هو امتداد لبيئته، وعلى النقيض من واقع الإنسان العربي الذي يقرر في لحظته من دون دراسة وتأمل واستعداد نفسي ومالي واطلاع كافٍ على المعلومات عن البلد الذي يقصد زيارته، فالبعض تصبح زيارته خالية من المعاني والاستفادة.

إنّ السفر ثقافة تنمي العقول وتوسع المدارك وتعمق الوعي لمن يتأمل ويفكر، وتكسب معلومات جديدة لا يجدها السائح في بلده، وهنا يستطيع السائح أن يعمل مقارنة بين بلده وبلدان أخرى بطريقة إيجابية وصحيحة من أجل اكتساب كلّ ما هو جميل لدى الآخرين، ونقل تجاربهم التي سبقونا فيها. ومن المعلوم أنّ المسافرين أنواع، فمنهم السائح، ومنهم التاجر الذي يريد إبرام العقود التجارية، ومنهم من يذهب للعلاج أو مرافقة مريض أو للدراسة والعمل، فهناك قوانين يجب أن يكونوا على إلمام بها، بداية من إصدار الجواز والتأشيرة، وركوب الطائرة، والسفر للبلد المقصود زيارته، وتسجيل المسافر بياناته لدى السفارة في بلد السفر، ويستحسن الرجوع للقانون في المسائل الضرورية.

وأصبح بالإمكان الاطلاع على قوانين أية دولة من خلال "الإنترنت"، أو التواصل مع سفارة الدولة في البلد المقصودة زيارته، أو مقر وزارة الخارجية في الدولة، والاستعانة بخبراء القانون.

من أجل الاستعداد لرحلته الاطلاع على قوانين الدول التي يقصد زيارتها، وخصوصاً المرتبطة كذلك بشكل أدق بالسائح أو صاحب العمل أو الدارس أو الذاهب للعلاج.

 

نجاح الرحلة:

هذه الأيام أيام تجديد وترويح عن النفس، ومن الوسائل الأساسية لذلك السفر والتنقل بين الدول والمدن، بحكم أنّها أيام إجازة للطلاب والطالبات خصوصاً، وللموظفين بشكل عام، فهي تستحق العناية والاستعداد لها لأنّها محطة مهمة في حياة الدارسين والدراسات وغيرهم، منها يستمدون قوتهم وطاقتهم، ومن المهم أخذ شيء من الراحة والتجديد والتنفيس والترويح عن النفس ومكافأتها ودعمها من أجل أن تعود من جديد بروح أجمل وأقوى وأكثر حيوية وإقبالاً ومشاركة في تطوير ينعكس على الحياة والواقع.

ومن الواجبات الجميلة، على الأسرة مشاركة الأبناء فرحة الإجازة وإكسابهم ثقافة السفر، ففي السفر يستطيع الإنسان أن يوسع ثقافته ويستفيد من العادات الجديدة التي لم يسبق له رؤيتها، ومن الحوار ومقابلة الناس الجدد مع الأخذ بالحسبان أن يحمل في داخله شيئاً من الاعتزاز الذي يعبر عن ثقافته والأرض التي ينتمي إليها، ويحاول السائح أن يرسم صورة في أذهان الناس الجدد الذين يراهم لأنّهم يأخذون عن بلده نطباعاً من خلال طريقة تعامله والتزامه أقواله وأفعاله معهم وغير ذلك، لأنّ سلوك الفرد هو بمثابة انعكاس للقيم التي شربها في بيئته.

ومن شروط نجاح الرحلة أن تكون مسبوقة بالتخطيط والترتيب واختيار الصاحب المناسب قبل كلّ شيء. إنّ الاستعداد الواعي والكافي يحقق مقاصد السفر على أفضل وجه، وفي ذلك حماية وحصانة بإذن الله من الوقوع في أخطاء وأضرار تكون نتيجتها مكلفة كثيراً.

إنّ الكثير من المهتمين قديماً وحديثاً تناولوا موضوع السفر والرحلات، وأصبح البعض منهم مراجع شهيرة في ذلك، رغم الاختلاف التاريخي والجغرافي والأسلوبي، كالرحلات والرحل الذين دونوا رحلاتهم كابن بطوطة وابن جبير وماركو بولو، وكذلك رحلات السندباد العصري للدكتور حسين فوزي، ومحمّد ثابت ومن أشهر ما تم تدوينه في الوقت الراهن كتاب "حول العالم في 200 يوم" لأنيس منصور الحاصل على جائزة الدولة وتُرجم إلى الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والصينية، الذي قدم له طه حسين. وهي تجارب مدونة تستحق القراءة والاطلاع.

 

روح العلاقات:

خلاصة القول، إنّ الفطن هو مَن يحاول التعمق في معرفة ثقافات الآخرين وجذورهم، وكسب ودهم بأسلوب ذكي وبارع لأنّ المسافر هو بمثابة سفير لبلده يمثل قيمها وثقافتها ويعكس مدى وعيها الحضاري أمام الآخرين، وكذلك من الفطانة اكتساب العادات الجميلة والاستمتاع بهذه التجربة والابتعاد عن الوقوع في المبالغة بالإسراف والتفاخر الاستهلاكي بحجة الاستمتاع، والرحلة تتحقق بسعة البال والتخطيط المسبق، ومن الجميل تسجيل الانطباعات، وكلّ ما هو جميل ويستحق التدوين، وحفظ الذكريات.

ومن العناصر الجوهرية التي تغذي روح العلاقات في البيئات الجديدة والمتنوعة الوعي القانوني، لأنّ التساهل في معرفة الأنظمة والتعليمات، وعدم الاكتراث لها يعتبر سلوكاً غير حضاري، ويعكس حقيقة مستوى وعي الفرد والمجتمع الذي ينتمي إليه ويعمق الفجوة، وكذلك يكون المسافر فريسة سهلة للوقوع ضحية استغلال، ويرتكب في حقّ ذاته خسائر مادية كان من الأولى تجنبها عبر المعرفة القانونية.

 

المستشار القانوني السعودي منصور الزغيبي

المصدر: مجلة الكويت

ارسال التعليق

Top