• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الشباب وتحقيق الذات

د. محمّد رضا شرفي/ ترجمة: زهراء يگانه

الشباب وتحقيق الذات
"كن على ثقة بمواهبك مثلما تؤمن بوجود الله فروحك نفحة من "الواحد" العظيم. واعلم أنّ الطاقات الكامنة في أعماقك كأنّها بحر مترامٍ عميق لا نهاية له". (فيلكو Vilko)

"ليس هنالك من سبيل يرشد الإنسان إلى ساحل الاحتياط والتمتع ببعد النظر أفضل من الابتلاء بالمشاكل. إنّ يد المصائب الطولى تدل الإنسان على الخطأ والسهو أكثر من أصابع السعادة والحظ". (دانيال Daniel)

من الارتباطات التي تتحكم بالإنسان في مرحلة الشباب علاقته بذاته والتي تحدد له أسلوب ارتباطه بالمجتمع، الأسرة، الله وعالم الوجود.

ويمكننا توضيح معالم ارتباط الشاب بذاته بالتمعن في عدة مفاهيم فرعية، هي:

فهم (إدراك) الذات، تصديق الذات، حبّ الذات وإثبات الكيان (التحقيق الذاتي)، أي إنّ محاولة الشاب في الوهلة الأولى اكتشاف قابلياته المكنونة تمده بالقدرة على معرفة ذاته وإدراكها وبهذا يتيسر له أمر ارتباطه البنّاء بالآخرين إلى جانب اكتساب الخبرة لمعرفة الذات، ومن ثم يمهد السبيل أمامه لتصديق ذاته بما فيها من مواهب ونواقص أي إنّه يتواءم مع واقعه الحقيقي ليصل في المرحلة التالية إلى محطة حب الذات التي لا تشغل بالضرورة لدى جميع الأشخاص حيّزاً معقولاً بل تتخذ أحياناً طابع الإفراط أو التفريط. وأخيراً وبعد حطّ الرحال في هذه المرحلة يأتي دور التحقق الذاتي.

ومن الآثار الجلية التي يفرزها إثبات الكيان (التحقق الذاتي)، هي: النزوع إلى نبوغ المواهب الذاتية والقدرات الشخصية (تحقق الذات)، تلبية حاجة نفسية أساسية، توفير متطلبات النعم بالسلامة الروحية، تعزيز روح التفاؤل، تنمية الثقة بالنفس وتحسين العلاقات الإنسانية بالآخرين.

ومن جهة أخرى نرى أنّ الإنسان إن أخفق في استشعار حاجته لإثبات كيانه فإنّ الأمر سيؤول به إلى انفعالات مقلقة لا تخلو من الهواجس وأخطار المغامرة، لأنّ مَن لم يقضِ أربه من إثبات كيانه بالأساليب الإيجابية سيلجأ لا محالة للتلفّع برداء "السلبيات" مما يضطره إلى اتخاذ موقف التحدي والمجابهة مع أقرانه والمحيطين به ويحاول مليّاً أن يضفي السلبية والعدوانية على مواقفه مِن الآخرين.

ولنا أن نقر أنّ نيران المظاهر السلوكية المذمومة كالكذب، التظاهر بالنجاح والإفراط في تقييم الذات والقابليات الشخصية لا تضطرم في شخصية الشاب إلّا عندما تعتلج روحه بومض الحرمان من الفرص المناسبة للتعبير بشكل إيجابي عن ذاته، فيرمي بنفسه يائساً في أحضان الأساليب السلبية.

 

مقترحات حول توفير التحقيق الذاتي للشباب:

1-  إنّ إثبات الكيان أو تحقق الذات يعتمد على مدى "الوعي الذاتي"، بناء على هذا نرى أنّ مِن شأن وسائل الإعلام مد الشباب بركائز التعرف على الذات عن طريق الاهتمام بالأبحاث المبسطة والمفيدة حول معرفة الذات مما يمكنهم من التصرف بشكل صائب في محاولاتهم لتحقيق ذاتهم وإثبات كيانهم.

2-  تنضم "قابلية التحدث" أو "فن التعبير" إلى المؤهلات الضرورية التي يحتاجها الفرد في سياق إثبات الكيان، وهذا ما يُلزمنا التطرق إلى الأبحاث العملية التطبيقية الكفيلة بتنمية هذه القابلية (لاسيّما في وسائل الإعلام) بهدف تمتع الشباب بـ"حسن التعبير" والقدرة على الأخذ بتلابيب "الحديث المثمر" معاً، حيث يعتني الأوّل بالأسلوب والثاني بالمضمون.

3-  لا يمكن إغفال دور المعلومات العامة وعلوم الحياة الثانوية في الكشف عن قابلية الشاب لتحقيق ذاته، إذ أنّ ذوي المعلومات الواسعة النطاق حول الكون الخارجي والعالم الباطني النفسي أقدر من سائر الناس على استكشاف كيانهم.

4-  الشباب وبغية إثبات كيانهم بحاجة إلى "البلاغة عند التحدث" و"حسن الاستماع" من قبل الآخرين على حد سواء، وترسيخ هذه الحقيقة في أذهاننا يجعلنا مستمعين لبقين، طويلي الباع ومتمرسين للشباب في حالة رغبتهم للتحدث، ونعينهم بهذا الشكل في تحقيق ذاتهم. وعلينا أن لا ننسى أنّ فن "حسن الاستماع" يعتبر في العلاقات الإنسانية جزءاً متمماً لفن "حسن التحدث".

5-  من شأن المدارس، المراكز الثقافية والتربوية والجامعات أن تؤدي دوراً مميزاً في مجال تدعيم قابليات الشباب لتحقيق ذواتهم كقابلية "حسن التحدث"، وهذا ما يستوجب تشكيل دورات لتنمية فن "حسن التعبير" لدى الشباب في الفرص المؤاتية لتقوية قدرتهم على إثبات كيانهم.

6-  العمل على تعليم الأبوين الأساليب التطبيقية في سياق تعزيز أركان الثقة بالنفس لدى الأبناء، لاسيّما من قِبَل وسائل الإعلام العامة.

7-  إرشاد الأبوين، المربين، المعلمين والمدرسين لتفهّم الابن (التلميذ أو الطالب) بشكل يتلاءم مع واقعه، وتعيين توقعاتهم منه وفق قابلياته لنقدم بذلك خطوة نحو تكريس قدرة الناشئة والشباب لإثبات الذات ومن ثمّ إعداد مستلزمات سموهم ونبوغهم.

 

     المصدر: كتاب الشباب والقوة الرابعة للحياة

ارسال التعليق

Top