• ٧ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٧ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

باسمك نحيا يا رزّاق

د. عمرو خالد

باسمك نحيا يا رزّاق

◄يقول الله تبارك وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات/ 58).
وأبدأ بالقول إنّ الهدف من هذا المقال أن تثق ثقة شديدة بأنّ الرزق بيد الله، لذلك سنتفق على أمرين في نهاية هذا المقال: أوّلاً أن لا نأكل مالاً حراماً، وثانياً أن لا نذل أنفسنا لأي مخلوق من أجل لقمة العيش، لأنّ الرِّزق ضمنهُ الرزّاق.
محاور المقال هي:
- المحور الأوّل: معنى اسم الله الرزاق.
- المحور الثاني: اسم الله الرزاق في القرآن.
- المحور الثالث: اسم الله الرزاق في الكون.
- المحور الرابع: هل الرزق مادي فقط.. مال فقط؟
- المحور الخامس: ماذا يريد منّا الرزاق؟

- معنى اسم الله الرزَّاق:
الرزق في اللغة هو النصيب والقسمة. فما قسم لنا هو رزق. والرزاق هو خالق الأرزاق، والمتكفّل بإيصالها. فالكل يأخذ نصيبه من هذه الأرزاق.
لم يُذكر الرزاق في القرآن أبداً، بل ذُكر اسم الله الرزّاق، فما الفرق بينهما؟
الرزاق تتضمن الشمول. فالجميع يصلهم الرزق: التقي والعاصي على حد سواء، المؤمن والكافر، والمسلم والمسيحي والبوذي. ليس لكل البشر فقط، بل للكائنات جميعاً.
يقول الله تبارك وتعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (هود/ 6). أما سيدنا إبراهيم، فظن أن مَن يستحق الرزق هم المؤمنون فقط، فعندما دعا قال (ع): (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ...) (البقرة/ 126)، فَرَدّ عليه الله الرزاق تبارك وتعالى أنّ الرزق للجميع في الدنيا، أما الحساب فهو يوم القيامة، فقال: (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (البقرة/ 126).
ففي الأثر أن دعا سيدنا إبراهيم أحد الأشخاص، فبدأ الرجل يأكل، فرآه سيدنا إبراهيم يسجد للنار، فقال له سيدنا إبراهيم: قُم، لا يجلس على مائدتي كافر. فأوحى إليه الله تبارك وتعالى: يا إبراهيم مللت من إطعامه ساعة وأنا أصبر عليه وأرزقه وأطعمه سبعين عاماً.

- اسم الله الرزَّاق في القرآن:
يقول الله تبارك وتعالى بعد خلق الأرض: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فصلت/ 9-11). ومعنى "قدر فيها أقواتها"، أي كتب الله تبارك وتعالى الأرزاق كمقدار كل ما تحتاج إليه الأرض من ماء الزرع. هذه الآية دليل يُطمئن العبد على رزقه. يقول الله تبارك وتعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ...) (الروم/ 40)، فاستعمل الله تبارك وتعالى فعل "رزقكم" بالماضي، أي أنّه بالفعل تم تقدير الرزق. يقول النبي (ص): "إنّ أحدكُم يُجمع خلقُهُ في بطن أمه أربعين يوماً نطفةً؛ ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثمّ يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمَرُ بأربعِ كلمات: بكتبِ رزقه وأجله وعمله وشقيٌّ أو سعيدٌ.." (رواه البخاري ومسلم).
اسمع قول الله تبارك وتعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) (الذاريات/ 22-23).
فالرزق مكتوب لكل كائن حي، فنزلت هذه الآية على جزئين: الجزء الأوّل (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)، فلما سمعها الأعرابي قال: صدق الله. ومن ثمّ عاد الأعرابي نفسه بعد شهور عديدة، فكان حينها قد نزل الجزء الثاني من الآية وهو (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)، فبكى الأعرابي عندما سمعها وقال: ماذا فعلتم ليُقسم الله سبحانه وتعالى أنّ الرزق حق؟ فنحنُ صدّقناه من الآية الأولى.
يقول الله تبارك وتعالى: (أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ) (الملك/ 21). فمن تَذَلَّل لغير الله، وهذا على خلاف طلب الحاجات بعزة نفس، فيقول (ص): "اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس، فإنّ الأمور تجري بالمقادير". ويقول الله تبارك وتعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ) (يونس/ 31). فكما سبحانه وتعالى لا شريك له في ملكه، فسبحانه لا شريك له في رزقه. ويتزامن اسم الله الرزاق مع اسم الله الخالق، فيقول الله تبالك وتعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ) (الروم/ 40). ويقول الله سبحانه وتعالى: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ...) (فاطر/ 3).

- اسم الله الرزاق في الكون:
كنت قد ذكرت سابقاً، أنّ الله تبارك وتعالى يُعرّفنا إلى اسمه بطريقتين: بكتاب يُقرأ وهو القرآن الكريم، أو بكتاب يُنظر وهو صفحة الكون، وهو معجزة من الله تعالى. فقد عرفنا اسم الله الرزاق من القرآن، والآن سنعرفه من الكون، كي لا نتذلل لأحد.
سأبدأ لكم بمثال قد مَرَّ علينا كثيراً في المدرسة، ولكننا لم نفهمه أو نربطه باسم الله الرزاق. فلو فهمناه باسم الله الرزاق لاستحال أكل الحرام. والمثال هو دورة الماء. سنفهم الآن دورة الماء باسم الله الرزاق. فالماء سر الحياة. يقول الله تبارك وتعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) (الأنبياء/ 30). بدايةً، إن اتّساع مساحة البحار بفضل اسم الله الرزاق، لأنّه عصب الحياة ونحتاج إليها كثيراً، فتكون نسبة الماء 71 في المئة من مساحة الأرض، ثمّ يأمر الرزاق البحار أن تكون مالحة كي لا تأسَن وتظل صالحة، ومن ثمّ يأمر الله الرزاق الشمس أن تُسخن هذه البحار، فالشمس تُسخن 16 مليون طن في الثانية، وتُسخن في السنة 5050 تريليون طن ماء تتبخّر من البحار كي تُروى الكائنات الحية. فيربط الله تبارك وتعالى الرزاق بين الشمس التي تُسخن الماء ونزول الماء، فيقول الله تبارك وتعالى: (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا) (النبأ/ 13-14). ثمّ يأتي دور الرياح لتحمل ما تبخر على سطح الماء إلى أعلى ليبرد، وتُنزل الهواء الجاف إلى أسفل. فيقول الله تبارك وتعالى: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ...) (الروم/ 48).
فمن يقوم بذلك؟ إنّه الله الرزاق.
ومن ثمّ يأمر الله الرزاق السحاب بأن يقترب من بعضه البعض حتى يثقل، فيقول الله تبارك وتعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا) (النور/ 43)، ثمّ يأتي دور الجاذبية بجذب المياه إلى أسفل، ثمّ ينزل الماء في المكان الذي حدده الله تبارك وتعالى: (حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ...) (الأعراف/ 57). فهذه مُعجزة الرزاق في إنزال الماء.
يقول الله تبارك وتعالى: (أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ) (الواقعة/ 69-70). لذلك، كان النبي (ص)، عندما ينزل المطر يُعرض نفسه له ويمسح به وجهه وجسده، لأنّها معجزة من الله الرزاق. ولذلك يقول النبي أن دعاء المطر مُستجاب. وكان النبي (ص)، عندما يشرب الماء يقول: "الحمد لله الذي جعله عذباً فراتاً برحمته ولم يجعلهُ مِلحاً أجاجاً بمعاصينا". فكل نقطة ماء دليل حي على اسم الله الرزاق، وتستمر المعجزة بأن تعرف أن كمية الماء التي تتبخر كل سنة هي نفسها الكمية التي تنزل على الأرض.
كم أنفق الله تبارك وتعالى على الأرض؟
يقول الله تبارك وتعالى في الحديث القُدسي: "خلقت السماوات والأرض ولم أعيّ بخلقهنّ، أفيُعيني رغيف أسوقه إلى عبدي؟ عبدي.. لي عليك فريضة ولك عليَّ رزق فإن خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك..".
عرفت كل الكائنات الله الرزاق، من طير وسمك، إلا أنت أيها الإنسان، أيها الخليفة، أيها المسلم، أيها المؤمن، فماذا يتقول له يوم القيامة عندما يسألك عن أكل الماء الحرام وعن التذلل لغير الله؟ فبماذا سترد على الله تبارك وتعالى؟

- هل الرزق مادي فقط.. مال فقط؟
ليس كل الرزق مالاً فقط. فأشعة الشمس رزق، والجار الصالح رزق، والروح التي في جسدك هي رزق، والزوجة الصالحة رزق، والدعاء رزق، وركعتان في آخر الليل رزق.
فأيهما أحب إليك؟ رزق الجسد (رزق مادي) أم رزق الروح؟
إنّ الله عندما يغضب على عبد يمنع عنه الرزق، يقول النبي: "إنّ العبد ليُحرم الرزق بالذنب يُصيبه". ففي الأثر أن رجلاً قد ارتكب ذنباً، فظن أنّ الله لم يحرمه الرزق، فأوحى إليه الله أنّه قد عاقبه، فقال له: بلى قد عاقبتك، ألم أحرمك لذة مُناجاتي؟ فأرزاق الأرواح أحلى بكثير من أرزاق الأجساد.

- ماذا يريد منا الرزَّاق؟
1- إيّاك أن تأكل الحرام، لكي يبقى الأمل في قلوبنا. فأكل الحرام يحرمنا استجابة الدعاء، ثمّ ذكر النبي (ص): "الرجل يطيل السفر، يقول يا رب يا رب، ومَطعمه حرام، ومَشربه حرام، وغُذي من حرام، فأنّى يستجاب له؟".
2- السعي: لكي تحصل على الرزق المكتوب لك يطلب منك الرزاق أن تسعى، لأنّه يغضب عليك إن لم تفعل. وهنا أشير إلى السعي الذي يقوم به المعتمر والحاج. فأصل السعي، ورمزه السيدة هاجر التي كانت تبحث عن شيء دنيوي، تبحث لابنها.. لسيدنا إسماعيل عن ماء، فأصبح السعي عبادة، لكي يذكرك بالسيدة هاجر التي سعت بالصفا والمروة سبع مرات، الأمر الذي يرهق الشباب. ولكن، ماذا كانت نتيجة السعي؟ نزل جبريل وضرب بجناحه عند قادم إسماعيل، فخرج نبع ماء يشرب منه المسلمون منذ آلاف السنين وإلى الآن.
يقول الله تبارك وتعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) (الأنعام/ 38)، أي لا تقولوا عن النحل والنمل هذه أمم حقيرة، ولكن تعلّموا منها. تعلموا من النحل النشاط والعمل الدؤوب.
يُحكَى في الأثر، أن أحد الأشخاص كان مسافراً في تجارته، فرأى طائراً كسيحاً لا يجد مَن يُطعمه، فقال عنه إنّه مسكين. وأثناء ذلك، جاء طائر صحيح، وأطعم الطائر الكسيح، فرجع هذا التاجر إلى بلده وقابل عالماً صديقاً له فقال له: لا داعي للسعي، فالرزّاق موجود. وأخبره بقصة الطائر الصحيح والطائر الكسيح، فنظر إليه العالم وقال له: أرضيت أن تكون مكان الطائر الكسيح، ولم تَرْضَ أن تكون مكان الطائر المعطاء؟►

ارسال التعليق

Top