• ٤ حزيران/يونيو ٢٠٢٠ | ١٢ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

تنشئة الطفل المبدع

د. بركات محمد مراد

تنشئة الطفل المبدع
 
 هذه قصة طفل عبقري، وتبدأ القصة عندما جاء التهديد مبطن للطفل في شكل قصيدة عندما كان عمره ثمان سنوات. والتي تقول "هذه الأغنية لطفل عبقري. غنها بلطف، حيث إنها أغنية موحشة". هذا هو مطلع القصيدة للشاعر "لانجستون هايز" Langston Highes، ويبدو أن مرسلها أحد الزملاء بالفصل. فقد أشعل "كريج" هذا الطفل الصغير غيرة التلاميذ حينما وجدوا أنّه يغزو مراتب تفوقهم من خلال انتقاله من الصف الثاني حتى الصف التاسع في سنة واحدة فقط. وقد قام المعلمون بفصل درجات "كريج" عن بقية درجات التلاميذ في الفصل حتى يزيلوا الغيرة والغيظ منهم. وقد تمكن "كريج" من العد من 1 إلى 25 قبل أن يرفع يده للإجابة حتى يعطي فرصة للآخرين كي يجيبوا على الأسئلة وتستمر القصيدة: "غني بلطف بقدر الإمكان خشية أن تخرج الأغنية عن السيطرة".

 لقد أنهى "كريج" المرحلة الثانوية في سنتين فقط بمعدل (A+). وقد قام برنامج "ستون دقيقة" 60 minutes بتصوير كلمة التخرج التي ألقاها، وفي أثنائها فقد أحد أسنانه اللبنية. وفي أثناء الحفل كان هناك تواجد لبعض أفراد الشرطة في زي مدني، خشية من أي تهديد يتعرض له هذا الطفل العبقري، وبعث له حاكم الولاية بخطاب تهنئة بمناسبة تخرجه، وفي الوقت الذي كان بقية زملائه يلهون باللعب على الشاطئ كان الطفل الصغير يعقد اجتماعات مع مدرسيه ومرشديه وإدارة المدرسة وبقية المسؤولين في منطقته ليشكرهم على الدعم الذي قدموه له.

ولقد التحق "كريج" بالجامعة في العاشرة من عمره. وكان "كريج" ينتقل بين دروس الرياضيات والفيزياء واللغة الفرنسية ومقررات اخرى، وهو يحمل حقيبة الكتب على ظهره الصغير. وفي أثناء ذلك كان يتحاشى تعليقات واستغراب وكلمات المديح. ولم تربكه درجة الاهتمام التي حصل عليها فقد كانت لديه أجندته الخاصة وهو مصمم على تنفيذها. وقد تقدمت عدة جهات بطلبات لمقابلة هذا الطفل العبقري. وفي هذا اليوم التاريخي أجرى "كريج" مؤتمرين صحفيين بدلاً من مؤتمر واحد، وقد كان يقف على مجموعة من الكتب حتى يصل إلى الميكرفون.
ويُسأل عما يريد أن يكون: هل يريد أن يصبح مهندساً في عالم الفضاء والطيران أم باحثاً في الطب الحيوي أم رئيساً للولايات المتحدة؟ لقد لاحظ أبواه أن ابنهما يبدي مهارات نمائية فبدلاً من أن يقوم ببعثرة ألعابه في السرير، كان "كريج" يمسكها ويتفحصها بعناية، وبدأ ينطق كلمة "دادا" وعمره ثلاثة أشهر، وبدأ بعد ذلك ينطق الجملة كاملة. ثمّ استطاع أن يحفظ كتاب قبل أن يكمل عامه الأوّل. أخذ يقرأ لنفسه بعد ذلك بفترة قصيرة، وبدأ "كريج" بحل المسائل الحسابية وعمره 14 شهراً. وفي سنته الثانية بدأ يقرأ عن الديناصورات، بل ويتحدث حول العصر الطباشيري بكل ثقة ودراية. وبدأ يلاحظ أن أسنان الإنسان مسطحة مثل الديناصورات آكلات النباتات، فاستنتج أنّ الإنسان نباتي. ويبدأ في إقناع أسرته ليكونا نباتيين.
لم يقم والداه بتعليمه أو تربيته كالأطفال الآخرين. ولم تتناول الأُم أثناء حملها أي أدوية أو عقاقير لتنشيط الذكاء. لقد كان الأبوان يصطحبانه إلى جميع الدعوات التي توجه إليهما، بل كانا يرفضان الذهاب بدونه. كان والده يصحبه في رحلات التنزه والصعود إلى الجبال ويتحدث معه عن التحليل الضوئي والنظام البيئي. ثمّ بدأ "كريج" توجيه أسئلة تدل على ذكاء عال. وعندما كان يظهر اهتماماً في أي موضوع يقوم والداه بتوفير الكتب والألعاب، والشرائط والزيارات إلى المتاحف. ويعلق "كريج" على ذلك: "لقد كانا يشبعان احتياجاتي".
وبدأ "كريج" باكتشاف أخطاء كتاب الرياضيات الذي يدرّس وله من العمر 6 سنوات، مما أحدث احتكاكات بينه وبين إدارة المدرسة. وأخيراً وجدت الأسرة مدرسة في ولاية فلوريدا تسمح لابنها أن يتخطى الصفوف الدراسية. فقد مكث في الصف الثاني أسبوعين ثمّ انتقل إلى الصف الرابع، ووصل إلى الصف السادس. وقد سمح له بحضور بعض المقررات في الجامعة كمستمع. دخل المرحلة الثانوية وهو في سن الثامنة، وقد سجل في تسع مقررات أما أعماله المنزلية، فقد كانت تتضمن 50 مألة في الفيزياء و100 مسألة في التفاضل وحساب المثلثات.
لقد أوردنا هذه القصة من أجل أن نتوقف بالبحث عن طفل اتصف بخصائص إبداعية خاصة مكنته من النمو العقلي والفكري السريع، متجاوزاً أقرانه في مثل سنه، ومحصلاً لدرجات علمية عالية في اسنوات قليلة. ويعترف الباحثون اليوم بصعوبة الوقوف على تعريف موحد للإبداع، ولعل أول أوجه هذه الصعوبة تكمن في درجة التعقيد التي ينطوي عليها الإبداع، مما دفع "ماكينون" للاعتراف بأنّ الإبداع لا يمكن وصفه بتعريف محدد على اعتبار أنّه ظاهرة متكاملة ذات وجوه متعددة، إلا أن معظم الباحثين يذهبون إلى عده ضرباً مفارقاً من ضروب الذكاء، إذا إنّ الإبداع يتطلب في أبسط أشكاله نوعاً من تجاوز المألوف.

 فإذا كان الذكاء يعرّف بأنّه القدرة على حل المشكلات، فإنّ الإبداع يتجاوز هذه القدرة إلى قدرة أخرى ترقى إلى استبصار طرق ومناهج جديدة في إيجاد الحلول على نحو غير معروف من قبل. كما وضع البعض شروطاً أخرى للتفكير الإبداعي، ومنها أن يتضمن هذا التفكير قدراً من الدافعية والحماس لتحقيق الأهداف، وإيماناً عميقاً بجدواها العملية.

ولا يقتصر الإبداع على مجال واحد من مجالات التفكير، بل يتعداه أيضاً إلى مجالات الفن والموسيقى والجمال التخيلي؛ إذ يتميز المبدعون عادة برهافة الحس، والقدرة على الإدراك العميق لكل ما يدور من حولهم. والإبداع أيّاً كان – فكريّاً أو أدبيّاً أو فنيّاً – يحتاج إلى عوامل مهيئة تساعد على نموه، فهو يتطلب تربة خصبة وصحية لتنبت فيها بذوره التي لو لم تجد رعاية وعناية خاصة، فلن يكتب لها الحياة، فالمبدع بحاجة إلى أجواء نفسية صحية تتناسب وصفاته الشخصية، من رهافة الحس وسعة الخيال، والذكاء، والحرية، فلا يعقل أن يحيا المبدع في بيئة تسودها العقد النفسية، والضجيج والأمراض النفسية، ويسطير عليها الروتين، والمنافع الشخصية، والمحسوبيات، وتسودها الأحقاد.
ونؤكد هنا على شخصية المبدع، إذ أن المبدع من طراز خاص، يمتاز عن غيره من البشر بصفات خاصة تجعله جديراً بأن يكون مبدعاً، وأولى هذه الصفات الإحساس المرهف، ذلك الإحساس الذي يجعله يشعر بها لا يشعر به الآخرون من غير المبدعين، وينتبه إلى ما لا ينتبه إليه غيره، ويتصف المبدع، كذلك بالخيال الواسع، والذكاء والحرية، بالإضافة إلى ما حباه الله به من موهبة الإبداع.
فالخيال الواسع يمكّنه من اكتشاف علاقات جديدة بين الأشياء أو العناصر لم تكن موجودة من قبل، كما يساعد هذا الخيال النشط على تصميم نماذج جديدة، وصياغة أطر مبتكرة، ولا يتأتى له ذلك إلا بالذكاء والفطنة. وباختصار، فالمبدع شخص عبقري من طراز خاص، إذن فالمبدع شخص مرهف الإحساس متمرد على واقعه، يدفعه طموحه وخياله الواسع إلى ارتياد آفاق جديدة وإنتاج شيء جديد مبتكر، بما وهبه الله من موهبة وذكاء وفطنة.

 إنّ المبدع في الأصل شخص موهوب، لكنه لابدّ أن ينمي موهبته ويصقلها بالتجارب، وهو في حاجة ماسة إلى حرية حقيقية، لينفلت من إسار الواقع والتقليد، ويحلق إلى آفاق جديدة، وليبحر صوب المجهول، ولذا فإنّ التقاليد الصارمة، والموروثات النمطية والحدود المصطنعة والروتين، كلها مواد سامة تصيب المبدع في مقتل وتقضي على إبداعه، بعد أن تكبله وتسجنه وتشل تفكيره وخياله.

وما من شك في أن دور الأهل هام وحيوي في اكتشاف مواهب أطفالهم في مرحلة مبكرة من عمرهم، ورعايتهم لها وتنميتها، وهناك مثالان فقط من أمثلة عديدة أذكّر بها الأهل بدورهم في صنع العباقرة والمبدعين ورعايتهم، وهما الموسيقي العبقري "موتسارت"، والعالم الفذ "آينشتاين" الذي قامت اختراعات القرن الماضي على اكتشافاته. فقد لاحظ والدا الطفل "موتسارت" أن ابنهما البالغ الثالثة من عمره، وأخته التي تكبره، والتي توفيت فيما بعد، يعشقان الموسيقى، فماذا فعل الأب الذي تعلم في المدارس حتى سن العشرين، وتخرج في المدرسة ليعمل موسيقيّاً؟
بدأ يعلم أولاده العزف على البيانو، وعندما بلغ "موتسارت" الخامسة، صحبه أبواه في جولة في أوروبا، وكان "موتسارت" يعزف على البيانو أمام الجمهور في هذه السن الصغيرة، ورفض والده أن يلحقه بالمدرسة العادية حتى لا يقتل موهبته هو وأخته، وحتى عندما مرضت أخته، كان "موتسارت" يدخل غرفته ويعزف أروع الألحان الحزينة، ولم يمنعه أبواه أبداً عن ذلك.
كان "موتسارت" موسيقيّاً موهوباً يمتلك كل أدوات الموهبة التي يمكن أن تجعله موسيقي عصره والعصور التالية حتى يومنا هذا، فقد كان يسمع اللحن أو السيمفونية التي يكتبها في عقله وبداخله، قبل أن يخط حرفاً واحداً منها على الورق، وكانت لديه مقدرة فائقة على تخيل رد فعل المستمعين، وحالتهم النفسية عند سماع موسيقاه، على الرغم من أنّه لم يكن يفكر سوى في موسيقاه فقط، والتي لمست القلوب، وحلقت بالأرواح من سحرها وجمالها، ولولا وجود هذا الأب الواعي والأُم المتفهمة لـ"موتسارت"، ربما ماتت موهبته بالسكتة القلبية، أو بجلطة مفاجئة من أستاذ فاشل في المدرسة لا يعرف قيمة هذه الموهبة ولا يقدرها.
أما المثال الآخر فهو العالم "ألبرت آينشتاين" الذي لم يكن يتوقع أحد يوم أهداه والده "بوصلة" وهو في سن الرابعة من عمره، أن تكون هذه البوصلة هي كلمة السر التي أخرجت مارد حب الاستطلاع العلمي بداخله، وأن تستحث قدراته ومواهبه على التخيل والابتكار والسباحة مع الخيال، حتى أنه كان يتخيل نفسه بعد أن كبر قليلاً، شعاعاً من الضوء يسير بسرعة الضوء، ثمّ تخيل ما يمكن أن يراه ويرويه لوالده الذي كان يعمل بائعاً للأدوات الكهربائية ويعيد تركيبها، ويتخيلها بشكل آخر وإمكانيات أخرى.
وعندما بلغ "آينشتاين" الثانية عشرة من عمره، أهداه عمه كتاباً في الهندسة، وكان ذلك الكتاب بالنسبة له مثل "مصباح علاء الدين السحري" الذي أدخله إلى عالم الرياضيات والحيز والفراغ. ثمّ أهداه أحد أقاربه الذي كان طالباً في كلية الطب بعض الكتب في الطبيعة لـ"فرويد" و"كانت"، فأصبح علم الطبيعة هو عشقه الأوّل والأخير إلى جانب الرياضيات.
وكان "آينشتاين" في ذلك الوقت في المدرسة، إلا أن مدرسيه كانوا يعاملونه على أنّه تلميذ عادي أو أقل من المتوسط، باستثناء مادتي الرياضيات والطبيعة التي كان يحصل فيها على الدرجات النهائية. وعندما وصل "آينشتاين" إلى المرحلة الثانوية رأى مدرسوه أنّه طالب عنيد وجامح، باستثناء مدرسه اليوناني الذي كان يدرس له الفيزياء أو الطبيعة، الذي نصحه بأن يترك هذه المدرسة التي لا تتناسب مع طموحه وقدراته في هذا العلم.
وبعد عام التحق "آينشتاين" بمدرسة أخرى تعتمد على الفهم والرؤية العقلية أكثر من الحفظ، وبعد عام آخر التحق "آينشتاين" بالأكاديمية متعددة الفنون في زيورخ والتي قبلته فوراً بناء على اختبارات تم إجراؤها له في الرياضيات والطبيعة، وبدأ يمارس داخل هذه الأكاديمية حرية التفكير والإبداع والتخيل والاختراع وحب الاستطلاع من خلال الإمكانيات المتخصصة الموجودة بها، وأصبح "آينشتاين" أبرز علماء القرن الماضي بعد سلسلة من النجاحات والإخفاقات والصعاب من خلال الوصول إلى نظرية النسبية وغيرها من الفتوحات العلمية الهائلة.
 
المصادر والمراجع:
·       د. أحمد دعدوش: الإبداع.. غربة فكرية، المعرفة العدد 132، الرياض، إبريل 2006م.
·       د. برد العمر: تنشئة طفل عبقري، مجلة الطفولة العربية، العدد 10، الكويت، مارس 2002م.
·       د. عبدالهادي مصباح: العبقرية والذكاء والإبداع، الدار المصرية اللبنانية، 2006م.
·       د. ماهر عباس جلال: ثقافة الإبداع العربي، الوعي الإسلامي، العدد 500، إبريل 2007م.
 
المصدر: كتاب أطفالنا.. وتربية عصرية

ارسال التعليق

Top