• ٢٢ كانون ثاني/يناير ٢٠٢١ | ٨ جمادى الثانية ١٤٤٢ هـ
البلاغ

دور الدين في تقويم المسيرة الإنسانية

السيد نجيب خلف

دور الدين في تقويم المسيرة الإنسانية
قد يحتاج البعض إلى فلسفة هذا الموضوع وتبريره عندما يشككون في دور الدين، وقد يكون جهل الدور ليس عند هؤلاء فقط بل عند أناس لم يأخذوا الدين على حقيقته، بل من خلال التأثر ببعض المفاهيم والشعارات المطروحة هنا وهناك. في عقيدتنا أنّ الدين هو أساس كل شيء وأنّه لو جُعل أساساً لأي عمل فمآله إلى نجاح يقيني حقيقي، فالدين يدخل في كل مشكلة ليصحح كل علاقة وكل بناء أُقيم على أساسٍ هش، ليبني من جديد بناءً متيناً قوياً. قد يكون هذا الكلام طبيعياً بالنسبة إلى رجل الدين أو لإنسان يعمل في حقل الدين، لكن لو نظرنا نظرة سطحية إلى بعض المواقف في التاريخ وإلى بعض المستجدات في هذا العصر لاستطعنا أن نفسر تلك الحالة الدينية التي ظهرت إلى الوجود وأصبحت حقيقة واقعة في مجتمعاتنا لدى أولئك الذين كانوا يملكون صوراً مشوّهة عن الدين وخاصة الدين الإسلامي والذين نراهم الآن فتحوا عقولهم بعد أن وصلوا إلى طريق مسدود واكتشفوا زيف الإعلام المضلِّل في المجتمعات الغربية الأوروبية والأميركية وحتى في أفريقيا وغيرها. فالحالة الإسلامية ليست موجودة عندنا فقط بل في العالم اجمع ولكننا لا نسمع عن ذلك بسبب الإعلام وليس بسبب الإسلام. إذاً الدين بدأ يدخل حقيقة أي مجتمعات أخرى وأفراد آخرين، فهموه خطأً فعادوا بشوق لمعرفة كنه هذا الدين، خاصة بعد أن أعطى الدين الإسلامي برهانه العملي على الأرض في بناء دولة إسلامية وصياغة نفوس جديدة من خلال جانبين: صياغة الفرد، وصياغة المجتمع.   - السعيد.. والشقي: حتى الآن ما زال بعض الغربيين ينظرون إلى الإنسان المتدين حديثاً على أنّه إنسان صيغ صياغةً جديدة تختلف جذرياً عن صياغتهم له سابقاً. فالانحطاط الخلقي الذي نشاهده الآن في أوروبا والغرب عموماً وصل إلى الحضيض، ولو أردنا التحدث عن بعض العادات التي يمارسها الغربيون لوصلنا إلى درجة سفلى بلغت حداً أصبح فيه الإنسان يعيش حياة ملؤها الحيرة والضياع. وقد شاهدت في بعض الجامعات هناك أشخاصاً لو قُدّر لهم دعاةً عاديون لوصل الإسلام إلى طول البلاد وعرضها.. ففي أفريقيا يحتاج الإنسان على بساطته وفطرته إلى صياغة جديدة، وكذلك الإنسان الغربي، وشتان بين الاثنين. فالإنسان هناك تأثر بعوامل كثيرة منها: الوراثة، والبيئة، والغريزة، والمنزل.. وقد يكون عامل الوراثة أشدها تحديداً لمسيرة ذلك الإنسان، وهناك حديث عن الرسول (ص) قد يبدو غريباً أو يُساء فهمه يقول: "السعيد سعيدٌ في بطن أمه، والشقي شقي في بطن أمه". هذا الحديث بظاهره، يفيدنا أنّ الإنسان تُكتب له السعادة في مجتمع مؤمن، والتي نفهم بأنها الجنة. فالإنسان يُكتب من أهل الجنة وهو في بطن أُمّه وكذلك الشقي. فلماذا إذن قال الله سبحانه وتعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة/ 7-8)؟ إذا كان الإنسان قد كتب عليه قبل أن يرى النور وقبل أن يؤدي أي عمل من أهل السعادة أو الشقاء؟. أحد علمائنا المؤلفين يخوض في محاولة لفلسفة هذا الحديث إلى أن يصل إلى مرحلة قد يُشعر فيه بنوع من الاتهام لله تبارك وتعالى فيقطع الحديث ويقول: "وهنا انكسر القلم" أي لا تخوضوا في هذا الحديث. في الواقع لا نريد أن ينكسر القلم هنا، بل نريد أن نوضح حقيقة هذا الحديث الذي يبين عاملاً مهماً من عوامل تأثر الطفل ببعض الأخلاق والصفات التي يكتسبها من أمه وأبيه وهو عامل الوراثة. فالطفل قد يكتسب بعض الصفات الحسنة أو السيئة من خلال ذلك، ولكن هناك بعض الصفات التي لا تتغير كصفات الخلق والصورة فمثلاً، إنسان قد يكتب عليه أنّه بخيل لأن أحد أبويه اتسم بالبخل، قد يكون إنسان آخر يتصف بالكذب أو النفاق فينشأ ذلك في طفله، من هنا حديث الرسول أيضاً وهو يشير إلى عامل الوراثة أيضاً بقوله: "إنّ العرق دساس" وهنا قد يكون اكتساب الطفل لبعض الصفات الحسنة أو السيئة من أجداده أيضاً ولكن قد لا يكون ذلك ضرباً لازماً ونعتاً لا يُمحى. فالصفات المرتبطة بالشكل أو الصورة قد لا يكون للمرء دخلٌ فيها. ولكن الصفات المرتبطة بالأخلاق فمجال التغيير فيها كبير من خلال عامل التربية أو الدين، الذي تعتبر مهمته محاولة صياغة ذلك الإنسان الذي ورث بعض الصفات عن أبويه. وقد يكون هناك إنسان جيِّد لكن نتيجة وضعه في بيئة معينة يتحول إلى إنسان شقي. إذن الإنسان يتأثر بعامل التربية، والبنية، والتعليم، والوراثة، وحتى عامل الشارع، والمعمل... ولكن يبقى تأثير الدين هو الأقوى من خلال ما أتى به الأنبياء لصياغة الإنسان صياغةً جديدة لا لترقيعه ليكون إنساناً وسطاً. فرقٌ أن تبني بناءً متيناً من الأساس، وبين أن ترث بناءً جاهزاً ولكن فيه الكثير من العيوب، قد تصلحه لكنه لن يكون بالتأكيد ذلك البناء الذي وضعته في مخيلتك.   - مهمة الدين: مهمة الدين أنّه يحاول صياغة الإنسان من الأساس، أن يصوغ الإنسان المؤمن على انقاض الإنسان الجاهلي، سواءً كانت جاهلية قديمة أو حديثة. هناك ثلاثة أنواع من الرقابة فنحن نعرف أن هناك واجبات ومحرمات سواء في القانون المدني أو الديني وكلاهما يحتاج إلى شيء يصونه، فالقانون المدني حين يمنع من السير في اتجاه لابدّ لتطبيقه من رقابة على الإنسان إما من الخارج من خلال شرطي سير، أو دولة وقوة تفرض تطبيق القانون، وعندها يعاقب المخالف لأنّه لو لم يكن ذلك لتحول المجتمع إلى غابة من الوحوش، الكبير فيها يأكل الصغير، والقوي يأكل الضعيف، من هنا لابدّ من رقابة خارجية تضع الإنسان أمام الترغيب والترهيب للقيام بواجبه والابتعاد عما حُرِّم عليه.   - الرقابة الداخلية: ولكن هذه الرقابة الخارجية قد لا تفي بالمطلوب، فقد تقصّر في بعض الأحيان، وقد تستدعي أن يكون هناك سلطة قوية فوق رأس كل إنسان وهذا غير ممكن. وحتى لو وجدت فستظل مفقودة في بعض الأمكنة، فبمقدورك أن ترتكب في بيتك ما تشاء من المحرمات والشرطي غافل عنك ومن هنا نجد ضرورة قيام رقابة أقوى من الرقابة الخارجية وهي الرقابة الداخلية التي تتأسس على إحياء دور الضمير في الإنسان بعد أن تخضعه لتربية مكثفة بحيث يتألم إذا حدث خلل ما بمنأى عن الرقابة الخارجية، فقد تستطيع أن تضحك على الآخرين ولكنك لن تستطيع أن تضحك على ذاتك "بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره" قد تعتذر عن بعض الأخطار لرفيقك أو أخيك، وقد تكون صادقاً في اعتذارك وقد تكون كاذباً فيه فمن يضمن أنك لست كاذباً؟.   - الرقابة الإلهية: من هنا نرى حاجة ماسة لرقابة أقوى وأشد من رقابة الضمير ومن رقابة الشرطي وتلك هي الرقابة الإلهية. فقد تخالف ضميرك، وقد تغش الآخرين، لكن لا يمكنك وأنت تعتقد بوجود إله أن تغافله، فالدين يُنمِّي لديك صفة التقوى، ويحاول بناء الفرد على أساسها، ويصبح عنصراً إيجابياً هاماً في تربية الفرد تربية صالحة، ليصبح أساساً مهماً في بناء المجتمع الذي هو أساس مهم أيضاً في بناء الأُمّة، وهناك الكثير من الآيات التي تبين أثر تلك التربية في الفرد، وتخاطب المجتمع ككل، (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (يونس/ 19). فالناس كانوا أمةً واحدةً ولكنهم توزعوا نتيجة اطماع وغرائز وشهوات ومصالح خاصة فقد خلت كلمة الله لإصلاح هذا الأمر حتى لا تظل المجتمعات تتخبط في تجارب قاتلة تستعيرها من شرقٍ أو غرب في عصرنا الحالي.   - إنسان جديد.. وأمّة جديدة: إذا عملية بناء الفرد والمجتمع تحتاج إلى دور الدين كأساس مهم يصوغ الفرد والأُمّة من جديد ومن أجل ذلك جاءت سلسلة الأنبياء التي بلغت الآلاف المؤلَّفة حتى قيل: "لم تخل قبيلة ولم يخلُ شعب من نبي أو وصي" يحاول تقويم ما فسد، ولكن الرسالة الشاملة كانت ما جاء به رسول الله (ص) والتي تناولت شتى مناخي الحياة فدخلت في كل صغيرة وكبيرة لصياغة الإنسان الجاهلي صياغة إيمانية جديدة، من هنا نفهم إنّه كان بإمكان الرسول (ص) أن يبين كتاب الله بين عشية وضحاها ويقول للناس هذا كتاب الله فتدبروا أمركم، ولكنه أراد كما قلنا صياغة إنسان جديد، لا إلقاء تعاليم كما يحصل في المدارس والجامعات. من هنا نفهم فلسفة التدرج في تبليغ الأحكام كما نرى في عملية محاربة الربا أو الخمر عبر ثلاث مراحل أو أربعة. فعملية الإيمان أو التدين لا تحتاج إلى عملية إلقاء فقط وإنما إلى عملية تحويل لكل جارحة في الإنسان كي تتربى على أساس الارتباط بالله (قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (الحجرات/ 14). ما نريده إذاً أن نعي رسالة الدين، أن ندخلها في النفس الإنسانية لتربيتها تربية جذرية صحيحة (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ...) (الأعراف/ 157)، اغلال العادات والتقاليد والأخلاق، وأغلال الحكام الظالمين. رسالة الدين هي رسالة الأنبياء الذين أرادوا أن يبلِّغوا رسالة الله، وتحمّلوا الكثير في سبيل ذلك حتى قال الرسول (ص): "ما أُوذي نبيٌ مثلما أوذيت" وكذلك نوح الذي لم يمل ولم تفتر عزيمته بل ظل يرفع كلامه لله وهو يتذمر من قومه، حتى أمر الله بقوله: (لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ) (هود/ 36)، وهنا بدأت عملية بناء الفرد من جديد فقط، بل عملية بناء أمة جديدة وبشرية جديدة، فكانت قضية السفينة التي بدأ يعمل بها ليل نهار في وسط الصحراء، والآخرون يسخرون منه، حتى إذا جاء أمر الله وركب الجميع فيها وبدأ الطوفان لم ينجُ معه إلا تلك الخميرة القليلة التي كانت خميرة ونواةً لمجتمع جديد وأُمّة جديدة. هذه القصة التي وردت في القرآن من خلال خمس سور أو ست وهي تتحدث عن مسيرة إصلاح البشرية، يجب أن نستفيد منها بالصبر والإصرار، والإرتباط بالله تعالى، فالذين لابدّ أن يدخل في صميم حياتنا، في الصغيرة والكبيرة، "رحم الله امرءاً وضع حجراً ورفع حجر" قيل كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: "إذا أمطرت الدنيا وغرقت الطرقات رحم الله أمرءاً وضح حجراً ليسير عليه الناس" عملٌ بسيط لا يحتاج إلى عناء قد يعتبر تافهاً لكنه في الحقيقة خدمة اجتماعية وعملٌ يؤجر المرء عليه. فإذا جفت الأرض اصبح ذلك الحجر عثرة في طريق الناس وهنا "رحم الله امرءاً رفع حجراً" ليسهّل طريق المؤمنين.   - كلمة أخيرة.. ما نريده هو أن تنمو رسالة الدين، أن تتحول لتكون مجتمعاً أساسه الفرد الصالح، المؤمن، لبناء الدولة العادلة، ولنا في تلك الثورة المباركة التي بدأت عملية التغيير أسوة، (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد/ 11).

ارسال التعليق

Top