• ١ حزيران/يونيو ٢٠٢٠ | ٩ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

عناصر المجتمع في القرآن الكريم/ ج (3)

السيد محمد باقر الصدر

عناصر المجتمع في القرآن الكريم/ ج (3)

هذه المثل العليا المنخفضة المنتزعة عن الواقع والتي تحدثنا عنها في الجزء السابق في كثير من الأحيان تتخذ طابع الدين، ويسبغ عليها هذا الطابع من أجل اعطائها قدسية تحافظ على بقائها واستمرارها على الساحة، كما رأينا في الآيات الكريمة المتقدمة كيف انّ المجتمعات التي رفضت دعوة الأنبياء كثيراً ما كانت تصر على التمسك بعبادة الآباء وبدين الآباء، بالمثل الأعلى المعبود للآباء، بل انّ الحقيقة أنّ كلّ مثل أعلى من هذه المثل العليا المنخفضة لا ينفك عن الثوب الديني سواء أبرز بشكل صريح أو لم يبرز لأنّ المثل الأعلى دائماً يحتل مركز الإله بحسب التعبير القرآني والإسلامي، ودائماً تستبطن علاقة الأُمّة بمثلها الأعلى نوعاً من العبادة، من العبادة لهذا المثل الأعلى وليس الدين بشكله العام إلّا علاقة عابد بمعبود.

إذن المثل الأعلى لا ينفك عن الثوب الديني سواء كان ثوباً دينياً صريحاً، أو ثوباً دينياً مستتراً مبرقعاً تحت شعارات أخرى فهو في جوهره دين وفي جوهره عبادة وانسياق. إلّا انّ هذه الأديان التي تفرزها هذه المثل العليا المنخفضة أديان محدودة تبعاً لمحدودية نفس هذه المثل، لمّا كانت هذه المثل مثلاً منخفضة ومحدودة قد حولت بصورة مصطنعة إلى مطلقات وإلّا هي في الحقيقة ليست إلّا تصورات جزئية عبر الطريق الطويل الطويل للإنسان، إلّا أنها حولت إلى مطلقات بصورة مصطنعة.

إذن هذه المحدودية في المثل تعكس الأديان التي تفرزها، فالأديان التي تفرزها هذه المثل أو بالتعبير الأحرى الأديان التي يفرزها الإنسان من خلال صنع هذه المثل، ومن خلال عملقة هذه المثل وتطويرها من تصورات إلى مطلقات، هذه الأديان تكون أدياناً محدودة وضئيلة، أديان التجزئة، هذه الأديان هي أديان التجزئة في مقابل دين التوحيد الذي سوف نتكلم عنه حينما نتحدث عن مثله الأعلى القادر على استيعاب البشرية بأبعادها، هذه الأديان أديان التجزئة، هذه الآلهة، الآلهة التي يفرزها الإنسان بين حين وحين هي التي يعبر عنها القرآن الكريم بقوله (إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ) (النجم/ 23)، هذا الإله الذي يفرزه الإنسان، هذا الدين الذي يصنعه الإنسان، وهذا المثل الأعلى الذي هو نتاج بشري، هذا لا يمكن أن يكون هو الدين القيم، لا يمكن أن يكون هو المصعِّد الحقيقي للمسيرة البشرية، لأنّ المسيرة البشرية لا يمكن أن تخلق إلهها بيدها.

المجتمعات والأُمم التي تعيش هذا المثل الأعلى المنخفض المستمد من واقع الحياة، قلنا بأنها تعيش حالة تكرارية، يعني انّ حركة التاريخ تصبح حركة تماثلية وتكرارية، وهذه الأُمّة تأخذها بيدها ماضيها إلى الحاضر، وحاضرها إلى المستقبل ليس لها مستقبل في الحقيقة وانما مستقبلها هو ماضيها.

ومن هنا إذا تقدمنا خطوة في تحليل ومراقبة ومشاهدة أوضاع هذه الأُمّة التي تتمسك بمثل من هذا القبيل، إذا تقدمنا خطوة إلى الأمام نجد انّ هذه الأُمّة بالتدريج سوف تفقد ولاءها لهذا المثل أيضاً، لن تظل متمسكة بهذا المثل لأنّ هذا لمثل بعد أن يفقد فاعليته وقدرته على العطاء، بعد أن يصبح نسخة من الواقع، بعد أن يصبح أمراً مفروضاً ومحسوساً وملموساً، بعد أن يصبح غير قادر على تطوير البشرية وتصعيدها في مسارها الطويل، تفقد هذه البشرية، هذه الجماعة تفقد بالتدريج ولاءها لهذا المثل، ومعنى انّها تفقد ولاءها لهذا المثل يعني انّ القاعدة الجماهيرية الواسعة في هذه الأُمّة سوف تتمزق وحدتها لأنّ وحدة هذه القاعدة انما هي بالمثل الواحد فإذا ضاع المثل ضاعت هذه القاعدة.

هذه الأُمّة بعد أن تفقد ولاءها لهذا المثل تصاب بالتشتت، بالتمزق، بالتبعثر، تكون كما وصف القرآن الكريم (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) (الحشر/ 14)، بأسهم بينهم شديد باعتبار انّ التناقضات تبدأ في داخل هذه الأُمّة، هذه الأُمة التي لا يجمعها مثل أعلى، لا تجمعها طريقة مثلى، لا يجمعها سبيل واحد، قلوب متفرقة، أهواء متشتتة، أرواح متبعثرة، عقول مجمدة، في حالة من هذا القبيل لا تبقى أمة وانما يبقى شبح أمة فقط. وفي ظل هذا الشبح سوف ينصرف كلّ فرد في هذه الأُمّة ينصرف إلى همومه الصغيرة، إلى قضاياه المحدودة لأنّه لا يوجد هناك مثل أعلى تلتف حوله الطاقات، تلتف حوله القابليات والامكانات، تحشد من أجله التضحيات، لا يوجد هذا المثل الأعلى، حينما يسقط هذا المثل الأعلى تسقط الراية التي توحد الأُمّة، يبقى كلّ إنسان مشدوداً إلى حاجاته المحدودة، إلى مصالحه الشخصية، إلى تفكيره في أموره الخاصة، كيف يصبح؟ كيف يمسي؟ كيف يأكل؟ كيف يشرب؟ كيف يوفر الراحة والاستقرار له ولأولاده ولعائلته؟ أيّ راحة؟ أيّ استقرار؟ الراحة بالمعنى الرخيص من الراحة، والاستقرار بالمعنى القصير من الاستقرار، يبقى كل إنسان سجين حاجاته الخاصة، سجين رغباته الخاصة، يبقى يدور، يبقى يلتف حول هذه الرغبات وحول هذه الحاجات لا يرى غيرها إذ لا يوجد المثل، إذا ضاع المثل وتفتت وسقط في حالة من حالات هذه الأُمّة، قلنا بأنّ الأُمّة تتحول إلى شبح، لا تبقى أمة حقيقية، وانما هناك شبح أمة. وقد علّمنا التاريخ انّه في حالة من هذا القبيل توجد ثلاثة اجراءات، ثلاثة بدائل يمكن أن تنطبق على حالة هذه الأُمّة الشبح.

الإجراء التاريخي الأوّل: هو أن تتداعى هذه الأُمة أمام غزو عسكري من الخارج لأنّ هذه الأُمة التي افرغت من محتواها، التي تخلّت عن وجودها كأمة، وبقيت كأفراد، كلّ إنسان يفكر في طعامه، يفكر في لباسه، يفكر في دار سكناه ولا يفكر في الأُمّة، لن يبقى هناك من يفكر في الأُمّة، وانما كلّ إنسان يفكر في حاجاته حين يفكر. إذن في وضع من هذا القبيل يمكن أن تتداعى هذه الأُمّة أمام غزو من الخارج، وهذا ما وقع بالفعل بعد أن فقد المسلمون مثلهم الأعلى وفقدوا ولاءهم لهذا المثل الأعلى ووقعوا فريسة غزو التتار حينما سقطت حضارة المسلمين بأيدي التتار، هذا هو الإجراء التاريخي الأوّل.

والإجراء التاريخي الثاني: هو الذوبان والانصهار في مثل أعلى أجنبي في مثل مستورد من الخارج، هذه الأُمّة بعد أن فقدت مثلها العليا النابعة منها فقدت فاعليتها وأصالتها، حينئذ تفتش عن مثل أعلى من الخارج لكي تعطيه ولاءها، لكي تمنحه قيادتها. هذا هو الإجراء التاريخي الثاني.

والإجراء التاريخي الثالث: أن ينشأ في أعماق هذه الأُمّة بذور إعادة المثل الأعلى من جديد بمستوى العصر الذي تعيشه تلك الأمة، هذان الإجراءان، الإجراء الثاني والإجراء الثالث وقفت الأُمّة أمامهما على مفترق طريقين حينما دخلت عصر الاستعمار، حينما دخلت الأُمة عصر الاستعمار وقفت على مفترق طريقين: كان هناك طريق يدعوها إلى الانصهار في مثل أعلى من الخارج، هذا الطريق الذي طبقه جملة من حكام المسلمين في بلاد المسلمين "رضا خان" في إيران و"أتاتورك" في تركيا، حاول هؤلاء أن يجسدوا المثل الأعلى للإنسان الأوروبي المنتصر، ويطبقوا هذا المثل الأعلى ويكسبوا ولاء المسلمين أنفسهم لهذا المثل الأعلى، بعد أن ضاع المثل الأعلى في داخل المسلمين. بينما رواد الفكر الإسلامي في بدايات عصر الاستعمار وفي أواخر الفترة التي سبقت عصر الاستعمار، ورواد الفكر الإسلامي ورواد النهضة الإسلامية أطلقوا جهودهم في سبيل الإجراء الثالث في سبيل إعادة الحياة إلى الإسلام من جديد، في سبيل انتشار هذا المثل الأعلى وإعادة الحياة إليه وتقديمه بلغة العصر وبمستوى العصر وبمستوى حاجات المسلمين. الأُمّة تتحول إلى شبح فتواجه أحد هذه الاجراءات الثلاثة.

الآن تكلمنا عن أمّة هذه الآلهة المنخفضة، حينما نتقدم خطوة، إذا تقدمنا خطوة نجد المثل التكراري يتمزق، انّ الأُمّة تفقد ولاءها، أنّ الأمة تتحول إلى شبح تواجه أحد هذه الاجراءات الثلاثة، الآن نرجع إلى الوراء خطوة. إذا رجعنا إلى الوراء خطوة، سوف نواجه النوع الثاني من الآلهة، من المثل العليا أليس قلنا في البداية انّ المثل العليا عكس ثلاثة أنواع. تكلمنا الآن عن النوع الأوّل.

إذا رجعنا خطوة إلى الوراء – هذا ما سوف اشرح معناه بعد لحظات – سوف نواجه النوع الثاني من الآلهة من المثل العليا. هذا النوع الثاني يعبر عن كلِّ مثل أعلى للأُمة يكون مشتقاً من طموح الأُمّة، من تطلعها إلى المستقبل. ليس هذا المثل تعبيراً تكرارياً عن الواقع بل هو تطلع إلى المستقبل، تحفز نحو الجديد، نحو الإبداع والتطوير، ولكنّ هذا المثل منتزع عن خطوة واحدة من المستقبل، منتزع عن جزء من هذا الطريق الطويل المستقبلي، أيّ انّ هذا الطموح الذي منه انتزعت الأُمة مثلها، كان طموحاً محدوداً كان طموحاً مقيداً لم يستطيع أن يتجاوز المسافات الطويلة، وانما استطاع أن يكوّن رؤية مستقبلية محدودة، وهذه الرؤية المستقبلية المحدودة انتزع منها مثله الأعلى.

وفي هذا المثل الأعلى جانب موضوعي صحيح ولكنه يحتوي على امكانيات خطر كبير، أما الجانب الموضوعي الصحيح فهو انّ الإنسان عبر مسيرته الطويلة لا يمكنه أن يستوعب برؤيته الطريق الطويل الطويل كلّه، لا يمكنه أن يستوعب المطلق لأنّ الذهن البشري محدود والذهن البشري المحدود لا يمكن أن يستوعب المطلق وانما هو دائماً يستوعب نفحة من المطلق، شيئاً من المطلق، يأخذ بيده قبضة من هذا المطلق تنير له الطريق، تنير له الدرب. فكون دائرة الاستيعاب البشري محدودة، هذا أمر طبيعي أمر صحيح وموضوعي.

ولكن الخطير في هذه المسألة انّ هذه القبضة التي يقبضها الإنسان من المطلق، هذه القبضة، هذه الكومة المحدودة، هذه الومضة من النور التي يقبضها من هذا المطلق، يحولها إلى نور السماوات والأرض، يحولها إلى مثل أعلى، يحولها إلى مطلق.

هنا يكمن الخطر لأنّه حينما يصنع مثله الأعلى وينتزع هذا المثل الأعلى من تصور ذهني محدود للمستقبل، لكن يحوّل هذا التصور الذهني المحدود إلى مطلق، حينئذ هذا المثل الأعلى سوف يخدمه في المرحلة الحاضرة سوف يهيئ له امكانيات النمو بقدر طاقات هذا المثل، بقدر ما يمثل للمستقبل، بقدر امكاناته المستقبلية سوف يحرّك هذا الإنسان وينشط هذا الإنسان، لكن سرعان ما سوف يصل إلى حدوده القصوى، إلى حدود هذا المثل القصوى، وحينئذ سوف يتحول هذا المثل نفسه إلى قيد للمسيرة، إلى عائق عن التطور، إلى مجمّد لحركة الإنسان لأنّه أصبح مثلاً، أصبح إلهاً، أصبح ديناً؛ أصبح واقعاً قائماً، وحينئذ سوف يكون بنفسه عقبة أمام استمرار زحف الإنسان نحو كماله الحقيقي.

وهذا المثل الذي يعمم خطأ يحوّل من محدود إلى مطلق، خطأ التعميم فيه تارة يكون تعميماً أفقياً خاطئاً وأخرى تعميماً زمنياً خاطئاً، هناك تعميمان خاطئان لهذا المثل، هناك تعميم أفقي خاطئ وهناك تعميم زمني عمودي خاطئ:

التعميم الأفقي الخاطئ: أن ينتزع الإنسان من تصوره المستقبلي مثلاً ويعتبر انّ هذا المثل يضم كلّ قيم الإنسان التي يجاهد من أجلها، ويناضل في سبيلها. بينما هذا المثل على الرغم من صحته إلّا انّه لا يمثل إلّا جزءاً من هذه القيم. فهذا التعميم تعميم أفقي خاطئ هذا المثل يكون معبراً عن جزء من أفق الحركة بينما جرّد منه ما يملأ كلّ أفق الحركة.

الإنسان الأوروبي الحديث في بدايات عصر النهضة وضع مثلاً أعلى وهو التحرية، جعل الحرية مثلاً أعلى لأنّه رأى انّ الإنسان الغربي كان محطَّماً ومقيَّداً، كانت على يديه الأغلال في كلِّ ساحات الحياة، كان مقيداً في عقائده العلمية والدينية بحكم الكنيسة وتعنت الكنيسة، كان مقيداً في قوته ورزقه بأنظمة الاقطاع، كان مقيداً أينما يسير، أراد الإنسان الأوروبي الرائد لعصر النهضة أن يحرر هذا الإنسان من هذه القيود، من قيود الكنيسة، من قيود الاقطاع، أراد أن يجعل من الإنسان كائناً مختاراً إذا أراد أن يفعل يفعل، يفكر بعقله لا بعقل غيره، ويتصور ويتأمل بذاته ولا يستمد هذا التصور كصيغ ناجزة من الآخرين.

وهذا شيء صحيح إلّا انّ الشيء الخاطئ في ذلك هو التعميم الأفقي فإنّ هذه الحرية بمعنى كسر القيود عن هذا الإنسان، هذا قيمة من القيم، هذا إطار للقيم، ولكن هذا وحده لا يصنع الإنسان، ليس هذا هو المثل الأعلى فإنّ هذا وحده لا يصنع الإنسان، أنت لا تستطيع أن تصنع الإنسان بأن تكسر عنه القيود وتقول له افعل ما شئت، لا يوجد إنسان ولا كائن، لا يوجد إقطاعي ولا قسيس ولا سلطان ولا طاغوت يضطرك إلى موقف أو يفرض عليك موقفاً، هذا وحده لا يكفي فإنّ كسر القيود انما يشكل الإطار للتنمية البشرية الصالحة، يحتاج هذا إلى مضمون إلى محتوى، مجرد انّه يستطيع أن يتصرف، يستطيع أن يمشي في الأسواق هذا لا يكفي، اما كيف يمشي؟ ما هو الهدف الذي من أجله يمشي في الأسواق؟ المحتوى والمضمون هو الذي فات الإنسان الأوروبي، الإنسان الأوروبي جعل الحرية هدفاً وهذا صحيح ولكنه صيّر من هذا الهدف مثلاً أعلى بينما هذا الهدف ليس إلّا إطاراً في الحقيقة وهذا الإطار بحاجة إلى محتوى وإلى مضمون وإذا جرّد هذا الإطار عن محتواه سوف يؤدي إلى الويل والدمار، إلى الويل الذي تواجهه الحضارة الغربية اليوم التي صنعت للبشرية كلّ وسائل الدمار لأنّ الإطار بقي بلا محتوى، بقي بلا مضمون. حينئذ هذا هو مثال للتعميم الأفقي، التعميم الأفقي للمثل الأعلى.

وأما التعميم الزمني أيضاً، كذلك على مرّ التاريخ توجد خطوات ناجحة تاريخياً ولكنها لا يجوز أن تحول من حدودها كخطوة إلى مطلق، إلى مثل أعلى يجب أن تكون ممارسة تلك الخطوة ضمن المثل الأعلى لا أن تحول هذه الخطوة إلى مثل أعلى حينما اجتمع في التاريخ مجموعة من الأسر فشكلوا القبيلة، حينما اجتمعت مجموعة من القبائل فشكلت عشيرة، حينما اجتمعت مجموعة من العشائر فشكلت أمة، هذه الخطوات صحيحة في تقدم البشرية وتوحيد البشرية، ولكن كلّ خطوة من هذه لا يجب أن تتحول إلى مثل أعلى، لا يجوز أن تتحول إلى مطلق، لا يجوز أن تكون العشيرة هي المطلق الذي يحارب من أجله هذا الإنسان، وانما المطلق الذي يحارب من أجله الإنسان يبقى هو ذاك المطلق الحقيقي، يبقى هو الله سبحانه وتعالى، الخطوة تبقى كأسلوب ولكن المطلق يبقى هو الله سبحانه وتعالى، هذا التعميم الزمني أيضاً هو شكل من التعميم الخاطئ حينما يحول هذا المثل المنتزع من خطوة محدودة عبر الزمن يحوّل إلى مثل أعلى.

وحال هذا الإنسان الذي يحول هذه الرؤية المحدودة من عبر الزمن يحولها إلى مطلق، حاله حال الإنسان الذي يتطلع إلى الأفق فلاتساعده عينه إلّا على النظر إلى مسافة محدودة فيخيل له بأنّ الدنيا تنتهي عند الأفق الذي يراه، انّ السماء تنطبق على الأرض على مسافة قريبة منه وقد يخيل له وجود الماء، وجود السراب على مقربة منه. إلّا انّ هذا في الحقيقة ناشئ من عجز عينه عن أن يتابع المسافة الأرضية الطويلة الأمد.

كذلك هنا هذا الإنسان الذي يقف على طريق التاريخ الطويل، على طريق المسيرة البشرية، له أفق بحكم قصوره الذهني، بحكم محدودية الذهن البشري، له أفق كذلك الأفق الجغرافي ولكن هذا الأفق يجب أن يتعامل معه كأفق، لا كمطلق كما اننا نحن على الصعيد الجغرافي لا نتعامل مع هذا الأفق الذي نراه على بعد عشرين متراً أو مائتي متر انّه نهاية الأرض، وانما نتعامل معه بأنّه أفق، كذلك أيضاً هنا يجب أن يتعامل هذا الإنسان معه كأفق لا يحول هذا الأفق التاريخي إلى مثل أعلى وإلّا كان من قبيل من يسير نحو سراب.

انظرو إلى التمثيل الرائع في قوله سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (النور/ 39).

إذا قارنا بين هذين النوعين من المثل العليا: المثل العليا من الواقع والمثل العليا المشتقة من طموح محدود، يمكننا أن نلاحظ انّ المثل العليا المشتقة من الواقع كثيراً ما تكون قد مرت بمرحلة هذه المثل العليا التي تعبر عن طموح محدود، يعني كثيراً ما تكون تلك المثل من النوع الأوّل امتداداً للمثل من النوع الثاني، بأن يبدأ المثل ويبدأ هذا المثل الأعلى مشتقاً من طموح، لكن حينما يتحقق هذا الطموح المحدود، حينما تصل البشرية إلى النقطة التي أثارت هذا المثل، يتحول هذا المثل إلى واقع محدود بحسب الخارج، حينئذ يصبح مثلاً تكرارياً.

من هنا قلنا في ما سبق أننا لو رجعنا خطوة إلى الوراء بالنسبة إلى آلهة النوع الأوّل، مثل النوع الأوّل، لو رجعنا خطوة إلى الوراء لوجدنا آلهة النوع الثاني، فالمسألة في كثير من الأحيان تبدأ هكذا، تبدأ بمثل أعلى له طموح مشتق من طموح مستقبلي ثم يتحول هذا المثل الأعلى إلى مثل تكراري، ثم يتمزق هذا المثل التكراري كما قلنا وتتحول الأُمّة إلى شبح أمة.

في هذه الفترة الزمنية تمرّ الأُمّة بمراحل في الحقيقة، يمكننا تلخيصها في أربع مراحل:

المرحلة الأولى هي مرحلة فاعلية هذا المثل بحكم انّه قد بدأ مشتقاً من طموح مستقبلي ومن نظرة مستقبلية، فهذا المثل يكون له في المرحلة الأولى فاعلية وعطاء وتجديد بقدر ما يكون له من ارتباط بالمستقبل.

ولكن طبعاً هذه الفاعلية وهذا العطاء وهذا التجديد هو عطاء يسميه القرآن بالعاجل، مكاسب عاجلة، وليست مكاسب على الخط الطويل. هذه المكاسب مكاسب عاجلة لأنّ عمر هذا المثل قصير، لأنّ عطاء هذا المثل محدود، لأنّ هذا المثل سوف يتحول في لحظة من اللحظات إلى قوة إبادة لكلِّ ما أعطاه من مكاسب ولهذا يسمى هذا بالعاجل.

انظروا إلى قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) (الإسراء/ 18-20)، الله سبحانه وتعالى خير محض، عطاء محض، جود كله، فبقدر ما تتبنى الأُمّة مثلاً قابلاً للتحريك، الله سبحانه وتعالى أيضاً يعطي، لكنه يعطي بقدر قابلية هذا المثل، يعطي شيئاً عاجلاً لا أكثر.

في حالة من هذا القبيل تكون السلطة التي تمثل هذا المثل، تكون هذه السلطة ذات مثل أعلى، ذات مثل يعطي ويبدع وتكون قيادة موجهة للأُمّة في حدود هذا المثل ويكون للأُمّة دور المشاركة في صنع هذا المثل وفي تحقيق هذا المثل.

هذه المرحلة سوف تؤدي إلى مكاسب، ولكنها في النظر القرآني العميق الطويل الأمد مكاسب عاجلة تعقبها جهنم، جهنم في الدنيا وجهنم في الآخرة. هذه المرحلة الأولى مرحلة الإبداع والتجديد.

المرحلة الثانية حينما يتجمد هذا المثل الأعلى، حينما يستنفد طاقته وقدرته على العطاء، حينئذ يتحول هذا المثل إلى تمثال ولا يبقى مثلاً وانما سوف يتحول إلى تمثال، والقادة الذين كانوا يعطون ويوجهون على أساسه يتحولون إلى سادة وكبراء لا إلى قادة، وجمهور الأُمّة يتحول إلى مطيعين ومنقادين لا إلى مشاركين في الإبداع والتطوير، وهذه المرحلة هي المرحلة التي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا) (الأحزاب/ 67).

ثمّ تأتي المرحلة الثالثة؛ مرحلة الامتداد التاريخي لهؤلاء، هذه السلطة تتحول إلى طبقة بعد ذلك تتوارث مقاعدها عائلياً أو طبقياً وراثياً بشكل من أشكال الوراثة، وحينئذ تصبح هذه الطبقة هي الطبقة المترفة المنعمة الخالية من الأغراض الكبيرة، المشغولة بهمومها الصغيرة وهذا ما عبَّر عنه القرآن الكريم بقوله: (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) (الزخرف/ 23)، هؤلاء نتاج آباء،هؤلاء امتداد تاريخي لآباء لهم تاريخ وهم امتداد تاريخي، وهذا الامتداد التاريخي تحول من مستوى مثل وعطاء إلى مستوى طبقة مترفة تتوارث هذا المقعد بشكل من أشكال التوارث. هذه هي المرحلة الثالثة.

ثمّ حينما تتفتت الأُمّة، حينما تتمزق الأُمّة، حينما تفقد ولاءها لذلك المثل التكراري على ضوء ما قلنا تدخل في مرحلة رابعة وهي أخطر مراحلها ففي هذه المرحلة يسيطر عليها مجرموها، يسيطر عليها أناس لا يرعون عهداً ولا ذمة وهذا ما عبَّر عنه القرآن الكريم في قوله سبحانه وتعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلا بِأَنْفُسِهِمْ) (الأنعام/ 123). حينئذ يسيطر مجموعة من هؤلاء المجرمين.

يسيطر هتلر والنازية مثلاً في جزء من أوروبا لكي يحطم كلّ ما في أوروبا من خير وكلّ ما في أوروبا من إبداع، لكي يقضي على كلِّ تبعات ذلك المثل الأعلى الذي رفعه الإنسان الأوروبي الحديث والذي تحول بالتدرج إلى مثل تكراري ثم تفسخ هذا المثل لكن بقيت مكاسبه في المجتمع الأوروبي، يأتي شخص كهتلر لكي يمزق كلّ تلك المكاسب ويقضي على كلِّ تلك المكاسب.

الآن نصل إلى النوع الثالث من المثل العليا. النوع الثالث من المثل العليا هو المثل الأعلى الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى. في هذه المثل التناقض الذي واجهنا سوف يحل بأروع صورة، كنا نجد تناقضاً وحاصل هذا التناقض هو انّ الوجود الذهني للإنسان محدود، والمثل يجب أن يكون غير محدود فكيف يمكن توفير المحدود وغير المحدود وكيف يمكن التنسيق بين المحدود وغير المحدود، هذا التنسيق بين المحدود وغير المحدود سوف نجده في المثل الأعلى الذي هو الله سبحانه وتعالى.. لماذا؟ لأنّ هذا المثل الأعلى ليس من نتاج الإنسان، ليس إفرازاً ذهنياً للإنسان، بل هو مثل أعلى عيني له واقع عيني، هو موجود مطلق في الخارج، له قدرته المطلقة وله علمه المطلق وله عدله المطلق. هذا الموجود العيني بواقع العين يكون مثلاً أعلى لأنّه مطلق لكن الإنسان حينما يريد أن يستلهم من هذا النور، حينما يريد أن يمسك بحزمة من هذا النور، طبعاً هو لا يمسك إلّا بالمقيد، إلّا بقدر محدود من هذا النور إلّا انّه يميز بين ما يمسك به وبين مثله الأعلى، المثل الأعلى خارج حدود ذهنه، لكنه يمسك بحزمة من النور، هذه الحزمة مقيدة لكن المثل الأعلى مطلق.

ومن هنا حرص الإسلام على التمييز دائماً بين الوجود الذهني وما بين الله سبحانه وتعالى الذي هو المثل الأعلى. فرق حتى بين الاسم والمسمى وأكّد على انّه لا يجوز عبادة الاسم، وانما العبادة تكون للمسمى لأنّ الاسم ليس إلّا وجوداً ذهنياً، إلّا واجهة ذهنية لله سبحانه وتعالى، بينما الواجهات الذهنية دائماً محدودة، العبادة يجب أن تكون للمسمى لا للاسم، لأنّ المسمى هو المطلق أما الاسم فهو مقيد ومحدود، الواجهات الذهنية تبقى كواجهات ذهنية محدودة مرحلية واما صفة المثل الأعلى تبقى قائمة بالله سبحانه وتعالى. وهذا ما يأتي إنّ شاء الله توضيحه.

 يتبع...

المصدر: كتاب المدرسة القرآنية

ارسال التعليق

Top