• ١٠ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ١٩ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

فلسفة القرآن عن الكون والإنسان والحياة

د. محمد سعيد رمضان البوطي

فلسفة القرآن عن الكون والإنسان والحياة

في الوقت الذي يعتبر فيه القرآن معجزة اللغة العربية وبيانها، وكتاباً في التشريع والقانون، ومعلماً للفضيلة والأخلاق – فإنّه يحمل إلى الناس أسس حضارة إنسانية شاملة، وذلك عن طريق المفهوم الذي يقدمه عن كل من الكون والإنسان والحياة ووجه التفاعل والتناسق بينها.

ولن يتسع المجال في هذا المقام لشرح التقرير الذي يضعه القرآن عن كلّ من هذه العناصر الثلاثة للحضارة في كّل زمان ومكان، فإنّ من شأن ذلك أن يبعدنا عن الغرض الذي نحن بصدده؛ ولكننا نتناول من هذا البحث القدر الذي يفي بحاجتنا للتعرف إلى هذا الكتاب العظيم، ويكشف لنا أهم خصائصه ومحتوياته.

 

نظرة القرآن إلى الكون:

القرآن يبصِّر الإنسان بالكون الذي حوله على أنّه جملة من المظاهر المخلوقة أبدعها الله عزّ وجلّ في انتظام تناسق لغرضين اثنين:

الأوّل: أن يتأمل الإنسان فيه ويتنبه إلى مدى دقته وتناسق نواحيه وأجزائه، ليتوصل من ذلك إلى الإيمان بالخالق جلّ جلاله، ثمّ إلى إدراك ألوهيته وربوبيته المطلقة، ثمّ إلى ادراك أنّه عبد لهذا الإله العظيم. وهو يقول في بيان هذا الأمر الأوّل: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة/ 164).

ويقول: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران/ 190-191).

الثاني: أن تكون هذه المظاهر الكونية كلها مسخرة لخدمة الإنسان ومصلحته وحاجاته فوق هذه الأرض، وأن يجد فيها – بمقدار ما يتسع له ادراكه وعلمه – دواء لمصائبه وحلاً لمشكلاته وفائدة لحياته. ومن ثمّ فإن على الإنسان أن يُقبل على الكون تفهماً له واستفادة منه. وفي ذلك يقول الله عزّ وجلّ في عبارة عامة شاملة: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً) (البقرة/ 29).

ثمّ يقول في بيان مفصل: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) (إبراهيم/ 32-33). وقال: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا في الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الجاثية/ 13). ومن ثمّ فإنّ القرآن يحذّر الإنسان من أن ينظر إلى شيء من مظاهر الكون وفوائده المختلفة على انّه مما يجب الصدود عنه وعدم إشغال الذهن أو الحياة، رهبة أو تزهداً أو تعبداً، ويقول: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (الأعراف/ 32).

وإذاً، فجملة ما يقرره القرآن عن الكون أنّه خادم أمين مسخر للإنسان، يستفيد منه الإنسان بمقدار ما يتأمل فيه ويستبطن ظواهره. وكلمة "التسخير" من أقوى التعابير في الدلالة على الخدمة المستقرة الدائبة؛ وعلى أنّ للإنسان ان يستفيد منه ويستخدمه لصالحه في المعاش الدنيوي والمعاد الأخروي.

 

نظرة القرآن إلى الإنسان:

الإنسان في القرآن مخلوق يحمل أخطر مميزات وصفات يحملها مخلوق على الاطلاق. هذه المميزات هي: جملة الصفات الإنسانية المركبة فيه، من العقل وما يتفرع عنه من العلم والإدراك والقدرة على تحليل الأشياء وسبر أغوارها، والأنانية وما يتفرع عنها من النزوع إلى الأثرة والمنافسة والتملك وما يتفرع عنها من حب العظمة والنزوع إلى السيطرة والكبرياء ونظراً لما لهذه الصفات من الخطورة والأهمية ونظراً لكونها أسلحة ذات حدين: إن استعمل أحدهما جاء بالتنظيم العظيم للكون والخير الوفير للإنسان، وان استعمل الآخر أو استعملا معاً جاء بالشر الوبيل والفوضى الهائلة للحياة – نظراً لذلك أطلق القرآن على هذه الصفات اسم الأمانة فقال: (إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولا) (الأحزاب/ 72). والذي اقتضاه حمل هذه الصفات كلها، أو حمل هذه الأمانة، أنّه لم يكن يستطيع بغيرها تسخير شيء من مظاهر الكون.

والإنسان في القرآن، خليفة الله عزّ وجلّ في الأرض، أي إنّه جلت قدرته شاء أن يكون الإنسان مظهراً لعدالته، وأن يكون هو لسان الكون الناطق بحمده وتسبيحه والإيمان به، وذلك عن طريق تنفيذ أوامره وتطبيق شرعه والاهتداء إلى ألوهيته ووحدانيته. وفي بيان هذا يقول الله وهو يقص علينا بدء خلق الإنسان: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة/ 30). ويقول مخاطباً الإنسان: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ) (النمل/ 62). وهذه الآية الثانية وإن كانت تحمل معنى آخر هو: جعلناكم تتوارثون عمارة الأرض وسكناها، إلا أن كلا المعنيين صحيح ومراد كما قال المفسرون.

والإنسان في القرآن، بعد هذا موصوف بصفتين: واحدة منهما لبيان أصله وحقيقته، كي لا يطغيه شيء من صفاته التي تحدثنا عنها، ولا يتجاوز بها حدود عبوديته لله عزّ وجلّ، والثانية لبيان مركزه من هذا الكون كله ومستواه بين الخليقة أجمع.

ففي صدد بيان الصفة الأولى، يقول الله عزّ وجلّ: (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) (الطارق/ 5-7)، ويقول: (أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) (يس/ 77)، ويقول: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل/ 78).

وفي صدد بيان الصفة الثانية يقول: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا) (الإسراء/ 70).

والإنسان في القرآن، أخيراً، عبدالله، خلق ليكون مظهراً لألوهية الله عزّ وجلّ. وما صفة الخلافة فيه وتكريمه على سائر المخلوقات وتسخير الكون له إلا وسيلة لأن يحقق عبوديته لله تعالى بالكسب والممارسة والاختيار كما خلقه عبداً له بالجبر والاضطرار. وفي بيان ذلك يقول: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) (الذاريات/ 56-57).

 

نظرة القرآن إلى الحياة:

القرآن يتحدث عن الحياة الدنيا من جانبين:

الجانب الأوّل من حيث قيمتها الحقيقية، وعلاقتها بما وراءها، ومركزها من قصة الوجود بأسره والحياة كلها.

الجانب الثاني من حيث ما يجب أن تكون عليه حالة الإنسان تجاهها، ومدى ما ينبغي أن يستفيده منها.

فالحياة الدنيا – من حيث قيمتها الحقيقية – حياة فانية، وظل زائل ومعْبر إلى الحياة الباقية الأخرى. والقرآن يظل يلح على بيان هذه الحقيقة وتجسيدها وتنبيه الناس إليها. فيقول مثلاً: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً) (الحديد/ 20)، ويقول: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد/ 20).

أما الحياة الدنيا – من حيث ما ينبغي أن تكون عليه علاقة الإنسان بها – فهي وسيلة إلى تقويم معاشه ومعاده، وسبب لابدّ من مباشرته لإصلاح أمره وإسعاد نفسه وبني جنسه. ولذلك فالقرآن يأمر الإنسان بالاستفادة من الحياة، على أن لا تكون همَّه الأوّل، وعلى أن يتخذ منها وسيلة للغاية الكبرى التي خلق من أجلها، وسبباً يضمن لنفسه به السعادة الآخرة. فهو يقول في هذا الصدد (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (القصص/ 77)، ويقول محذراً من معارضة الفطرة الإنسانية بالانقطاع عن متعة الحياة الدنيا وطيباتها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) (87-88)، ويقول: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ) (البقرة/ 198).

وهكذا، يأمر القرآن الإنسان بالاقبال على الحياة للتمتع بطيباتها والاستفادة من نعيمها، على أن يقف قبل ذلك على حقيقة هويتها، ويصحو من الاغترار بمظهرها؛ وذلك كي يكون هو المسيطر عليها والمسير لها إلى ما تقتضيه مصالحه وسعادته، ولكي لا تكون هي المسيطرة عليه أو المسكرة له فيغرق في نعيمها وينسى أي معنى للوجود من ورائها.

فإذا تأملت في هذا التقويم القرآني، لكل من الكون والإنسان والحياة، أدركت أن محور المخلوقات كلها في الرتبة والألوهية إنما هو الإنسان، وأنّ الغاية التي خلق من أجلها أن يكون مظهراً لحكمة الله تعالى وعظمته وعدالته في الأرض بما يلتزمه من منهج العبودية له تعالى، وأن محور الوجود كله إنما هو الدار الآخرة فالدنيا بكل ما فيها والحياة بكل صورها وأشكالها مقدمة بين يدي تلك الحياة الأبدية الأخرى، تلك الحياة التي لا تكاد تجد صحيفة من القرآن خالية من التذكير بها والتحذير من جحودها.

فتلك هي أسس الحضارة الإنسانية التي جاء بها القرآن، والتي أرادها للإنسانية دستوراً ومنهجاً في هذه الحياة.

 

المصدر: كتاب من روائع القرآن

ارسال التعليق

Top