• ٢٦ أيار/مايو ٢٠٢٠ | ٣ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

مدلول التوبة في كتابه عز وجل

السيد أحمد زكي تفّاحة

مدلول التوبة في كتابه عز وجل
قال تعالى:
(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران/ 135).
إنّ الله سبحانه لا يدعو الناس إلى السماحة فيما بينهم حتى يطلعهم على جانب من سماحته – سبحانه وتعالى – معهم ليتذوقوا ويتعلموا ويقتبسوا.
والفاحشة أبشع الذنوب وأكبرها، ولكن سماحة هذا الدين لا تطرد من يهوون إليها – من رحمة الله – شريطة أن يذكروا الله ويستغفروا لذنوبهم، وألا يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أنّه الخطيئة وألا يتبجحوا بالمعصية من غير تحرج ولا حياء.
إنّ هذا الدين ليدرك ضعف هذا المخلوق البشري الذي يهبط إلى درك الفاحشة وتهييج فورة اللحم والدم فينزو نزوة الحيوان في حمى الشهوة، وتدفعه شهواته وأطماعه ورغباته إلى المخالفة عن أمر الله في حمى الإندفاع، يدرك ضعفه فلا يطرده من رحمته حيث يبادر إلى التوبة من المعصية ويذكر الله ولا ينساه ويستغفره من الذنب ويؤوب إليه.
إنّ هذا الدين لا يغلق في وجه هذا المخلوق الضعيف باب التوبة، إنّه ينير له الطريق ليفيء إلى الحمى الآمن ويتوب إلى الكنف الأمين، شيء واحد يتطلبه هذا الدين: ألا يجف قلبه وتظلم روحه، فينسى الله، وما دام يذكر الله، وما دام في قلبه ذلك المشعل الهادي إلى الله، سيؤوب إلى الحمى الآمن من جديد، ويعود إلى كنف الله.
والإسلام لا يدعو بهذا، إلى الترخص بارتكاب المعصية، ولا يمجد الهابط، إنما هو يقبل عثرة الضعف، ليبعث في الإنسانية الرجاء والأمل، فالمغفرة من الله، ومن يغفر الذنوب إلا الله، وأما الذين يستهترون ويصرون على المعصية فهم بعيدون عن رحمة الله.
وأما التائبون: (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (آل عمران/ 136).
ألا ما أسمح هذا الدين وما أيسر منهجه! على كل ما فيه من هتاف بالرفقة والسمو والطهر والنظافة، والطاعة، وعلى كل ما فيه من الطاعات والحدود، والأوامر والنواهي، التي يراد بها إنشاء نفوس زكية طاهرة، وإنشاء مجتمع نظيف سليم.
إنّ هذا الهتاف وهذه التكاليف، لا تغفل – في الوقت ذاته – ضعف الإنسان وقصوره، ولا تتجاوز به حدود طاقته وتكوينه، ولا تتجاهل فطرته وحدودها ودوافعها، ولا تجهل لذلك دروب نفسه، ومنحنياتها، ومن ثمّ هذا التوازن بين التكليف والطاقة، وبين الأشواق والضرورات، وبين الدوافع والكوابح/ وبين الأوامر والزواجر. وبين الترغيب والترهيب، وبين التهديد الرعيب بالعذاب عند المعصية والإطماع العميق في العفو والمغفرة.
إنّه حسب هذا الدين من النفس البشرية أن يتم إتجاهها لله، وأن تخلص حقاً في هذا الإتجاه، وأن تبذل غاية الجهد في طاعته ورضاه، فأما ذلك، فهناك رحمة الله، هناك رحمة الله ترحم الضعف، وتعطف على القصور، وتقبل التوبة، وتصفح عن التقصير، وتكفر الذنب، وتفتح الباب للعائدين، في إيناس وفي تكريم.
وآية بذل الطاقة اجتناب كبائر ما نهى الله عنه، أمّا مفارقة هذه الكبائر – وهي واضحة بارزة – لا ترتكبها النفس وهي جاهلة لها أو غير واعية! فهي دليل على أنّ هذه النفس لم تبذل المحاولة المطلوبة، ولم تستنفد الطاقة في المقاومة حتى هذه فالتوبة منها في كل وقت مع الإخلاص مقبولة برحمة الله التي كتبها على نفسه، وقد قال فيها: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران/ 135).
إنما الذي نحن بصدده هنا هو تكفير السيِّئات والذنوب مباشرة من الله، متى اجتنب الكبائر، وهذا هو وعد الله وبشراه للمؤمنين.
أما ما هي الكبائر، فقد وردت أحاديث تعدد أنواعاً منها – لا تستقصيها – وذلك بدليل احتواء كل حديث على مجموعة، تزيد أو تنقص، مما يدل على أنّ هذه الأحاديث كانت تعالج حالات واقعة، فتذكر من الكبائر في كل حديث ما يناسب الملابسة الحاضرة، والمسلم لا يعسر عليه أن يعلم الكبائر من الذنوب، وإن كانت تختلف عدداً ونوعاً بين بيئة وبيئة وبين جيل وجيل.
قال تعالى:
(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (النساء/ 17-18).
إنّ التوبة التي يقبلها الله، والتي تفضل فكتب على نفسه قبولها، هي التي تصدر عن النفس، وقد هزها الندم من الأعماق، حتى استفاقت وأنابت، وهي في فسحة من العمر، وبحبوحة من الأمل، ونية حقيقية صادقة في سلوك الطريق الجديد إلى الله.
والذين يعملون السوء بجهالة هم الذين يرتكبون الذنوب – طال أمر الجهالة أم قصر – ما دامت لا تستمر حتى تبلغ الروح الحلقوم.
والذين يتوبون من قريب: هم الذين يتوبون إلى الله قبل أن يتبين لهم الموت ويدخلوا في سكراته ويحسوا أنهم على عتباته فهذه التوبة هي توبة الندم على ترك الخطيئة، والنية على العمل الصالح.
والتوبة هي: ندم في الماضي على فعل القبيح، وترك له في الحاضر، وعزم على عدم الإتيان له في المستقبل، وهي إذن نشأة جديدة للنفس، ويقظة جديدة للضمير، (فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء/ 17).
(وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ) (النساء/ 18).
فهذه التوبة هي توبة المضطر، توبة الذي يتوب لأنّه لم يعد لديه متسع لارتكاب الذنوب، وهذه التوبة لا يقبلها الله، لأنها لا تنشىء صلاحاً في القلب، ولا صلاحاً في الحياة، ولا تدل على تغير في الطبع، ولا تغير في الإتجاه.
والتوبة إنما تقبل إذا كانت تصدر عن فسحة في الأجل وقدرة على ترك المعصية، فالتوبة إنما تقبل لأنها الباب المفتوح الذي يلجه الشاردون إلى الحمى الآمن، فيشترون أنفسهم من تيه الضلال والسير تحت راية الشيطان، ليعملوا عملاً صالحاً، إن قدر الله لهم امتداد العمر بعد المتاب.
(وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) (النساء/ 18).
هؤلاء قد قطعوا كل ما بينهم وبين التوبة من وشيجة، وضيعوا كل ما بينهم وبين المغفرة من فرصة.
(أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).
اعتدناه وهيّأناه فهو حاضر في الإنتظار لا يحتاج إلى إعداد أو إحضار.
وهكذا يشتد المنهج الرباني في العقوبة، ولكنه في الوقت ذاته يفتح الباب على مصراعيه للتوبة، فيتم التوازن في هذا المنهج الرباني الفريد.
وكتب الشيخ محمد جواد مغنية: "وتسأل أن ظاهر الآية يدل على أنّه يجب على الله أن يقبل التوبة من النادمين، مع العلم بأنّ الله يوجب على غيره ما يشاء" ولا يوجب أحد عليه شيئاً، إذ ليس كمثله شيء.
الجواب: ليس المراد ان غير الله يوجب على الله أن يقبل التوبة. تعالى الله، وإنما المراد أن فضله وكرمه يستوجب هذا القبول، تماماً كما تقول للكريم: إن كرمك يفرض عليك البذل والعطاء، ومن ذلك قوله تعالى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) (الأنعام/ 54).
(فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) ما داموا راغبين رغبة حقيقية في العودة إلى صفوف المؤمنين الأخيار، (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) عليم بالتوبة النصوحة، والزائفة، حكيم بقبول الأولى من التائب.
(وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ) إنّ الله يقبل من تاب إليه، على شريطة أن يتوب قبل أن تظهر له إمارات الموت، أما من تاب، وهو يساق إلى القبر فلا تُقبل توبته، لأنّها توبة العاجز عما يئس من نواله.
وتسأل: وماذا أنت صانع بما روي عن رسول الله (ص): "من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه، وأنّ الساعة لكثير، من تاب، وقد بلغت الروح هذه – مشيراً إلى حلقه – تاب الله عليه؟
الجواب: في هذه الرواية نظر لأمور:
الأمر الأوّل: إنها تخالف كتاب الله، وقد ثبت عن رسول الله (ص) أنّه قال: "قد كثرت على الكذابة في حياتي، وستكثر بعد وفاتي، فمن كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار، فإذا أتاكم الحديث عني فأعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فلا تأخذوا به"، ومن أجل هذا لا نأخذ بحديث قبول التوبة إذا بلغت الروح الحلقوم، وغير بعيد أن حكام الجور في عهد الأمويين والعباسيين قد أوعزوا إلى بعض أذنابهم أن يضع لهم هذا الحديث، ليحتجوا به أمام المحكومين بأن لهم مندوحة عند الله، مهما جاروا وأفسدوا، فلقد كان لكم حاكم منهم حزمة من فقهاء السوء يبررون أعمالهم ويكيفون الدين طبقاً لأهواء الشياطين.
الأمر الثاني: إنّ قبول التوبة عند الموت إغراء بارتكاب الذنب والمعصية، وهذا من عمل الشيطان، لا من عمل الرحمن.
الأمر الثالث: إنّ الله سبحانه إنما يقبل العمل من العامل إذا صدر منه عن إرادة وحرية كاملة، بديهة أنّ الإنسان إنما يكون حراً بالنسبة إلى العمل إذا كان قادراً على فعله وتركه معاً، أما إذا قدر على الفعل دون الترك، أو على الترك دون الفعل فإنّه يكون مسيراً لا مخيراً، ومن هذا الباب التوبة عند الموت، إذ المفروض أنّ التائب في هذه الحال يعجز عن اقتراف الذنب والمعصية، تماماً كما يعجز عنها من يقول غداً: (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) (الدخان/ 12). فإن قبل الله التوبة ممن يُساق إلى القبر فينبغي أن يقبلها ممن يُعذب في النار، والفرق تحكم، ولذا سوى الله بينهما، وعطف أحدهما على الآخر، حيث قال: (وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ)، أي أن الله سبحانه لا يقبل التوبة أيضاً من الذين يموتون على الكفر، ولا يندمون إلا حين يرون العذاب يوم القيامة، بل لا يقبلها منهم، وهم في طريقهم إلى هذا اليوم، كما دلت الآيتان 99-100 من سورة (المؤمنون): (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (المؤمنون/ 99-100).
أجل يجوز في نظر العقل أن يعفو جلّ وعزّ ويصفح عن المذنبين، وإن لم يتوبوا تفضلاً منه وكرماً، ولكن هذا شيء، وقبول التوبة شيء آخر.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) (الشورى/ 37).
طهارة القلب ونظافة السلوك من الإثم والفواحش، أثر من آثار الإيمان الصحيح، وضرورة من ضرورة القيادة الراشدة.
والله سبحانه يعلم ضعف الإنسان فيجعل الحد الذي يصلح به للقيادة، والذي ينال به ما عند الله، هو اجتناب كبائر الإثم والفواحش، وتسعه رحمته بما تقع من صغائر لا يصر على ارتكابها، لأنّه أعلم بطاقته، وهذا فضل من الله وسماحه ورحمته بهذا الإنسان.
(وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ).
وتتجلّى سماحة الإسلام مرة أخرى مع النفس البشرية، فتجب في السماحة والمغفرة بين العباد، وتجعل صفة المؤمنين أنّهم (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) والله سبحانه يعلم أنّ الغضب انفعال بشري ينبع من فطرته، وهو ليس شراً كله فالغضب لله وللدين وللحق وللعدل وللحرمات والكرامات غضب مطلوب، وفيه الخير، ومن ثمّ لا يحرم الغضب في ذاته، وهو أمر فطري في الطبيعة، ولكنه يدعوه إلى أن يغلب غضبه وأن يغفر ويعفو، ويعتبر هذه صفة فضلى من صفات الإيمان المحببة.
قال تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ) (النجم/ 32).
كبائر الإثم هي كبار المعاصي والفواحش وكل ما عظم من الذنب وفحش واللمم هو صغار الذنوب، وقد اختلفت الأقوال فيه، فابن كثير يقول: وهذا استثناء منقطع لأنّ اللمم من صغار الذنوب، ومحقرات الأعمال.
وقيل: "إلا اللمم" القبلة والنظرة والغمزة والمباشرة، فإذا مس الختان فقد وجب الغسل، وهو الزنى، وعن ابن عباس: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ)، قال هو الرجل يلم بالفاحشة ثمّ يتوب، وقال: قال رسول الله (ص):
إنّ تغفر اللهم تغفر جماً*** وأي عبد لك ما ألما؟
قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التحريم/ 8).
توبة نصوح توبة تنصح القلب وتخلصه، ثمّ لا تغشه ولا تخدعه، توبة عن الذنب والمعصية، تبدأ بالندم على ما كان والترك بالحاضر، والعزم على عدم العود في المستقبل، وتحضه على العمل الصالح بعدها، فهذه هي التوبة النصوح، التوبة التي تظل تذكر القلب بعدها وتنصحه، فلا يعود إلى الذنوب.
فإذا كانت هذه التوبة، فهي مرجوة إذن في أن يكفر الله بها السيئات، وأن يدخلهم الجنات، في اليوم الذي يخزي فيه الكفار، كما هو في المشهد الذي سبق في السباق، ولا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه.
إنّه لتكريم عظيم، أن يضم الله المؤمنين إلى النبيّ (ص) فيجعلهم معه صفا يتلقى الكرامة في يوم الخزي، ثمّ يجعل لهم نوراً (يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) نوراً يعرفون به في ذلك اليوم الهائل المائج العصيب الرهيب، ونوراً يهتدون به في الزحام المريج، ونوراً يسعى بين أيديهم وبأيمانهم إلى الجنة في نهاية المطاف.
وهم في رهبة الموقف وشدته يلهمون الدعاء الصالح بين يدي الله (يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وإلهامهم الدعاء وهم في هذا الموقف الرهيب، هو علامة استجابة الدعاء.
 
المصدر: كتاب دروس من القرآن

ارسال التعليق

Top