• ٣٠ أيار/مايو ٢٠٢٠ | ٧ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

مظاهر الاختلاف في المهارات والمواهب

م. عبدالحميد عبدالسلام

مظاهر الاختلاف في المهارات والمواهب

خلق الله سبحانه وتعالى بني آدم وميزهم بنعمة العقل والإدراك عن بقية المخلوقات في الأرض وأعطاهم مهارات ورغبات وميول مختلفة "وله في خلقه شؤون" والحكمة في ذلك كبيرة جدّاً حيث لا يدركها الجميع، فهذا الاختلاف هو سبب وجود العدد الكبير من العاملين في مجالات مختلفة، فنحن نرى في المجتمع الواحد البائع والسائق وعامل النظافة وعامل الزراعة وعامل البناء والطبيب والصيدلاني والصحفي والمهندس والمحامي والمدرس والمحاسب والموسيقي والرسّام والنحات واللحام والميكانيكي والكهربائي والراعي والمزارع وغيرها من المهن الأخرى. فهل يمكننا أن نتخيل حال المجتمع لو لم تكن مهارات ورغبات الأفراد مختلفة، فمن المؤكد أنّ المجتمع سيكون متخماً بمهنة واحدة أو بعدة مهن، ويعاني نقصاً شديداً في العشرات بل المئات من المهن الأخرى التي يحتاج إليها المجتمع. وهذا التنوع في المهارات والرغبات بالتأكيد من صنع الله سبحانه وتعالى وضمّنه في المورثات (الجينات) لمختلف البشر. وقد بينت الكثير من الدراسات الطبية والنفسية والتربوية تأثير المورثات في مستوى الذكاء لفرع من فروع المعرفة، فمثلاً أوضحت بعض الدراسات أنّ الفروق في درجات اختبارات الذكاء بين أقارب الدرجة الأولى لا يتجاوز 15 نقطة.

الآن وقد تقدم المجتمع في أغلب الدول وأصبح يعتمد كثيراً على الدراسات والبحوث في أغلب حاجاته من تدريس وطب وهندسة وموسيقى وفنون أخرى، فكيف لهذه الدراسات والبحوث أن تساعد في اكتشاف الميول والرغبات والمهارات لدى أفراد المجتمع وفي وقت مبكر من حياة الإنسان، من المدرسة الابتدائية مثلاً، وتوجيههم إلى ما يرغبون بحيث لا تتولد لديهم عقدة من فروع معرفة لم يخلقهم الله لها، فهذا يتعقد من الرياضيات ولا ذاك من اللغة ولا ذاك من الفن.

 

من هو الموهوب؟

الكثير من الناس ومن بينهم مسؤولون في وزارات التربية والتعليم ومدرسون وأهل وطلبة، لديهم انطباع أنّ الموهوب الذكي هو ذلك الطالب الذي يحصل على درجات عالية في الرياضيات والدروس العلمية الأخرى وينسون أن هناك موهوبين في اللغة والرياضة والحفظ والفن سواء كان رسماً أو نحتاً أو موسيقى... إلخ من فروع المعرفة الأخرى. قبل كلّ شيء يجب أن نتفق أنّ الموهوب الذكي هو شخص يتمتع بقدرات ومهارات أعلى من أقرانه في فرع معيّن من فروع المعرفة أو تطبيقاتها وليس في الرياضيات أو العلوم فقط. ويجب أن يدرك المدرسون أنّ العلاقة بين تعلمنا وأدمغتنا علاقة وثيقة كما دلت على ذلك دراسات كثيرة من قبل التربويين وأطباء الأعصاب أو دراسات مشتركة بينهم، وكذلك بينت بعض هذه الدراسات على إمكانية إثراء تعلمنا من خلال تدريبات خاصة أو تغييرات في المحيط الذي تجري فيه عملية التعلم مثل المدرسة أو المعهد أو البيت بحيث تصبح عملية التعلم أسهل وأسرع وأفضل وأكثر إمتاعاً. وإحدى هذه الدراسات أعطت خمس طرق للإثراء وهي:

1-    دماغنا متفرد: إنّ دماغ الشخص منا متفرد وخاص به من حيث التركيب أو الأداء ولو فهم المدرسون هذا فسيكون التعامل مع طلبتهم أسهل.

2-    دماغنا ينمو بالتحدي: يجب على واضعي المناهج أن يدركوا أنّ التعلم الشحيح والمستوى الضعيف يؤديان إلى رتابة ويحولان الدماغ إلى حالة "مطفأ"، ولتغييره إلى حالة "شغّال" وجعله ينمو علينا بالتحدي. وعلى الطرف النقيض من ذلك إذا كانت هناك تخمة فإنّ الدماغ سوف يئن ويتألم. لذلك علينا ان نجد الحالة الأمثل لمقدار التعلم.

3-    دماغنا عضو مادي: وهذه حقيقة تعني أنّه يتأثر بحالتنا الجسمية وما يحيطنا، لذلك التحكم بما نأكل ونشرب وما نلعب من رياضة وبما يحيطنا مثل الإضاءة وأماكن الجلوس والأثاث ودرجة الحرارة والتهوية والوقت.

4-    دماغنا يتعامل مع الأفكار ومع العواطف: في داخل كلّ منا مراكز للخوف والتوتر والعواطف، وهذه يمكن أن تُقوي أو تضعف تعلمنا. لذلك يجب تنشيط المشاعر التي تساعد على التعلم والنظر لأنفسنا على أننا مسيطرون في هذا الموضوع فهذا سيحول المقاومة إلى جاذبية.

5-    لدى الإنسان ذكاء متعدد: أغلب الناس لديهم من أربع إلى ستة فعاليات موهوبين بها مثل الرياضة والموسيقى والشعر... إلخ. على المدرس مساعدة الطالب في تحديد القدرات العقلية الأقوى عند الطالب ومساعدته على اختيار مواضيع دراسته تبعاً لذلك، أما إذا اختار الطالب، أو أجبرته قوانين الدراسة على الاختيار، من خارج ذلك فيجب أن يكون مبدعاً أو خلاقاً في ربطها مع مواهبه. لنفرض أنّ على الطالب أن يدرس الرياضيات لأنّه درس إجباري ولكنه موهوب في الموسيقى. في هذه الحالة يمكن للطالب أن يؤلف ويلحن القواعد والقوانين الرياضية بشكل غنائي أو أغاني ويحفظها، أما إذا لم يكن الطالب قادراً على النظم والتلحين فيمكنه أن يذهب إلى موقع مايكروسوفت "أغاني الرياضيات" ويحمل أغانيه الجميلة ويحفظ فهم لديهم الكثير من الأغاني عن الرياضيات. مثلاً لديهم أغنية عن حل معادلة الدرجة الثانية، وعلى سبيل التشويق أقدم ترجمة لكلمات نظمها طالب كان لا يحب الرياضيات ولكن عن طريق حفظ الأغاني حفظ قوانين في الرياضيات.

 

ترجمة المطلع تقول:

هذا الدرس ألهمني لأكتب لكم أغنيات

فالكلمات المقفأه والنبضات المؤثرات جعلتني أغني                          

إنّه درس متخم بالمجانين والنكات

فانسَ الحيوانات التافهات وتهيأ لدراسة الرياضيات!                       

 

كيف يتم التعلم بصورة أسرع؟

والموهوبون، بصورة عامة، يتعلمون بشكل أسرع وأعمق وأوسع من أقرانهم فهم يتعلمون القراءة ويستعملونها بشكل يماثل أو يقارب من هم أكبر منهم سناً من الأطفال الإعتياديين ويعبرون عن وجهات نظرهم بشكل منطقي مبتكر وبفضول أشد وبمفردات لغوية كثيرة إضافة لتمتعهم بذاكرة ممتازة. وهم كذلك مثاليون وذوو شخصية قوية وحساسون عاطفياً ويرغبون بصحبة من هم أكبر منهم سناً، وبعضهم لديهم مشاكل تواصل مع أهلهم أو معلميهم بسبب نقص في مفردات لغتهم، مقارنة بالكبار طبعاً. أما ما يسمى الطفل العبقري أو الطفل المعجزة فهو الطفل الذي يتقن بشكل تام مهارة معينة أو فناً من الفنون التي لا يقدر عليها إلا الكبار. وأحد التعاريف المقبولة هنا: هو ذلك الفرد الذي يُظهر في عمر مبكر بحدود عمر إثنى عشرة سنة، مهارات تخصصية أو فهماً وإدراكاً متميزين في فرع من فروع المعرفة أو مجال معيّن لا يتقنه إلا الكبار، وكمثل على ذلك يعتبر الموسيقار موزارت عبقرياً. ويستعمل العاملون في المجال التربوي مصطلح "العارف" لوصف أي شخص له أداء متميز في أي مجال. وأدخل الباحث الدكتور "بيرنارد ملاند" عام 1978 مصطلح "العارف المتوحد" لوصف مرضى التوحد أو الناس الذين يعانون خللاً تطورياً لكن في الوقت نفسه لديهم قدرات أو مهارات متميزة. وسيكون من الملائم أن نتوقف هنا لنرى كيف يُعرّف "الموهوب". ففي الولايات المتحدة الأمريكية هناك عدد من التعاريف نظراً لوجود عدد كبير من الولايات ولكنها تشترك جميعاً في ما يلي:

1-    لا تستند في تحديد الموهوب إلى صفة واحدة بل إلى عدة صفات، مثل الذكاء والابتكار والفن والقيادة والميل الأكاديمي.

2-    المقارنة مع الأقران الذين هم من فئته العمرية نفسها أو صفه الدراسي أو محيطه وتجربته.

3-    إستعمالها لمصطلحات تدل على الحاجة لتطوير الموهبة، مصطلحات مثل قدرات ومهارات. فمثلاً ينص تعريف ولاية تكساس على أنّ الطالب الموهوب الذكي يعني طفلاً أو شاباً يؤدي، أو يظهر قابلية أداء أعلى بكثير من أداء أقرانه، والذين يشتركون في الصفات الآتية (لاحظ تعدد الصفات مما يعني أنّ الموهبة لا تقتصر على فرع واحد وإنما تشمل الكثير من الفروع بضمنها الأكاديمية والكثير من الصفات بضمنها القيادة) يظهرون قدرات أداء عالية في مجالات علمية أو إبتكارية أو فنية، لديهم قابليات قيادية ناجحة، لديهم فهم غير إعتيادي في مجال أكاديمي معيّن.►

 

المصدر: كتاب تطورات التنوع العلمي وأثرها على الحياة

ارسال التعليق

Top