• ٨ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٨ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

من أجل مجتمع أفضل

من أجل مجتمع أفضل

المحبة في الله:

الحمد لله الذي خلق الخلق وبعثهم في هذه الأرض، وجعل في كلّ فردٍ من أفراد البشر إمكاناتٍ وقدرات وحاجات تختلف عن غيره.

 

حاجة الفرد إلى غيره:

شاءت إرادةُ المولى عزّ وجلّ أن تكون احتياجاتُ الإنسان كثيرة ومتعددة، بحيث لا يمكن لفردٍ واحد أن يوفِّرها مما يستلزم احتياج الإنسان لغيره ليتعاون معه ويتعامل.

وليست الحاجاتُ وتبادل المنافع هي الدافع الوحيد لقيام العلاقات بين البشر بل هناك دوافعُ فطريةٌ ذاتية تدفعُ الإنسان لإقامة علاقات مع غيره من الناس. وهذه العلاقات أنواعٌ مختلفة؛ فهناك علاقاتٌ منشؤها التعامل الاقتصادي كالبيع والشراء والإيجار، وهناك علاقاتٌ اجتماعية كالقرابة والجِوار والصداقة والزمالة.

ونوعُ العلاقة يُحدِّد غالباً قوة هذه العلاقة وامتدادها ومداها. إذ غالباً ما تبقى العلاقة في ذات نوعها الذي نشأت فيه؛ فلا تتعدى مثلاً الجانب المالي إلى جانب القرابة والمصاهرة مثلاً وإنما تتّسع وتضيق، تقوى وتضعف حسب المتغيّرات المحيطة. وإن كان من الممكن أن تتحول إلى نوعٍ آخر كالتعامل التجاري الذي يتحول إلى علاقة زواج أو بالعكس.

 

موقف الإسلام من العلاقة الاجتماعية:

لقد دعا الإسلام الفرد المسلم لأن يكون ذا علاقةٍ مع غيره من أفراد المجتمع، وحدّد طبيعة هذه العلاقة وأهدافها وآثارها الدنيوية والأخروية.

فالعلاقة بين المؤمنين هي علاقةُ الأخوّة أي علاقة الأخ بأخيه. فكما يحب المرءُ أخاه من أُمّه وأبيه فينصَحُ له، ويَخلُصُ بحبه، ويحترمه، ويبذلُ له كلَّ نفعٍ مُستطاع، ويدفع عنه كلَّ سوءٍ يَقدِرُ على دفعه هكذا شأنه مع سائر المسلمين.

هذه العاطفة النبيلة عاطفةُ الأخوّة يصاحبها سلوكٌ عملي يبرهن فيه المسلم عن أخوّته لأفراد المجتمع. فليست الأخوّة في الإسلام هي انفعالٌ عاطفي محدود.

كما أنّ هذه الرابطة التي تشدُّ المسلم لأخيه المسلم ليست غاية ما يمكن أن تصل إليه العلاقات الاجتماعية؛ بل هي بدايةٌ لميدانٍ فسيح من أعمال الخير والبر يمكن أن تجري فيه.

 

دوافع سامية:

قد يحب المرء من يُحسِنُ إليه وهذه عاطفة كريمة طيِّبة. لكن الإسلام يحثُّ الفردَ على التّسامي في عواطفه ودوافعه؛ فلا يقفُ عند حدود حُبِّ مَن يفعلِ المعروف معه بل يدفعه لأنّ يحبَّ الإنسانَ للفضائل التي فيه وللخير الذي يفعله، ولو لم ينل المُحِبُّ منها شيئاً. بل إنّ مَن يُحبُّ الناس لأنهم يفعلون الخير مع غيره أسمى عاطفةً ممن يحبُّ الخيَّرين لأنّهم بذلوا الخيرَ له.

 

عمق المحبة:

لا شكّ أنّ المحبة تقوى مع الأيام وتترسّخ لاسيّما إذا كانت قد نشأت منذ الطفولة، إذ يجدُ المرءُ في أصداقاء الطفولة ما لا يجده في غيرهم. ولعلّ مردّ ذلك إلى طهارة الطفولة وبراءتها عن المصالح الفردية ونوايا الإضرار.

على أننا نجدُ علاقاتٍ نشأت واشتدّت وقويت خلال فترة وجيزة؛ فترى شخصين تعارفا، ولم يلبثا أن تآخيا وتحابّا وتآلفا، حتى يحسب من يراهما أنّهما أخوان أو صديقا طفولة. بينما لو نظرنا إلى علاقة كلّ منهما بأصدقائه ومعارفه الآخرين لوجدناها باقيةً على حالها! فما الذي جعل العلاقة بينهما تنمو هذا النمو المُلفِت للنظر؟..

هنا يوجِّهنا الحديث الشريف الوجهة الصحيحة ليبيِّن أنّ التقارب الفكري والتشابه الروحي هو السبب في الانجذاب والتقارب المادي.

قال (ص): "الأرواحُ جنودٌ مجنّدَةٌ، فما تعارف منها ائتلَفَ وما تناكر منها اختلف".

ولعل هذا يفسِّرُ لنا كيف وقَفَت علاقتُكَ بجارك عند حدودِها يومَ التقيتَ به، رغم مرور أعوامٍ طويلة على الجوار، وكيف شعرتَ بميلٍ وتقارب لإنسانٍ تعرّفتَ عليه للتو.

 

تشابه وتشابه:

إنّ التشابه يدعو الناس للتلاقي والتعارف والتآلف سواء كان هذا التشابه في الخير أو في الشر. فإنّ الكريم يميلُ لمُصادقة الكريم والحي يرتاح إلى الحيّ مثله، بل إنّ المصاب بمرض أو عاهة يميل إلى مصادقة مُبتلى مثله.

والسؤال الذي يُطرَحُ هنا: هل صُوَرُ التشابه هذه كلّها تدعو إلى تكوين صداقات على نفس القوة من المتانة والعمق.

ليس الأمر هكذا؛ وذلك لأنّ المتشابهين في الشر لا يحملون قلوباً نقيّةً طاهرةً؛ فلا تكونُ مودَّتُهم صافيةً، فسرعان ما يظهر فساد قلوبهم بسوء تعاملهم.

وأمّا االمتشابهين في الخير فأولئك يحملون قلوباً طاهرةً ونفوساً زكيةً. والمحبة الصافية تسكنُ القلوب الطاهرة وتأنسُ للنفوس الزكية؛ لذا كانت المحبة عند هؤلاء أصدق عاطفة وأوثق إحكاماً.

ويرى العلماء أنّ محبة أهل التقى والصلاح هو ثمرةٌ من ثمار محبة الله تعالى. لأنّ المرء إذا أحبّ شيئاً معه كلّ من يتصل به أو مَن له به علاقة. ويتمثّلون له بقول الشاعر:

أمُرُّ على الدِّيارِ ديارُ ليلى *** أُقبِّلُ ذا الجدارِ وذا الجدارا

وما حُبُّ الديارِ شَغَفْنَ قلبي *** ولكن حُبُّ مَن سكن الدِّيارا

ولا نقصد بهذا القول أن ندّعي بأنّ المحبة بين أهل الخير لا يمكن أن تزيد بل هي قابلةٌ دوماً للنّماء والزيادة. ولقد شرع لنا نبيّنا (ص) أنّه إذا أحببنا شخصاً أن نُعلِمَهُ بذلك، ونقول له: إنّي أحبُّكَ في الله. فيدعو لنا عندها، ويقول: أحبَّكَ الذي أحبَبْتَنا لأجله.

ارسال التعليق

Top