• ٤ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٤ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

وعي ومعرفة يوم الغدير

عمار كاظم

وعي ومعرفة يوم الغدير

يصادف يوم الثامن عشر من ذي الحجة، عيد الغدير الأغر. فهو يوم من أشهر الأيّام في حياة رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) ولقد وثّقته كلّ الكُتُب التاريخية على اختلاف مذاهبها وذكرت العديد من تفاصيل هذا اليوم العظيم. نعم، فهو غدير المعرفة، وغدير الروح، وغدير الحركة في الحياة التي تتجدّد، فالغدير ليس مجرّد مناسبة تقليدية، نستهلكها كما يستهلك الناس ما اعتادوا عليه من تقاليد، بل إنّ يوم الغدير يمثِّل الموقع الذي يمثِّله الإمام عليّ (عليه السلام)، القمة في الفكر، والقمة في الروح، والقمة في وعي الحياة كلّها، بكلّ مفرداتها وأوضاعها. فقد كان الإمام عليّ (عليه السلام) فكراً ينفتح على فقه العقيدة، وفقه الشريعة، وفقه المنهج، وفقه الإدارة، وفقه الحرب والسلم، وفقه الحياة. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «فمَن كنتُ مولاهُ فهذا عليٌّ مولاهُ اللَّهُمّ والِ مَن وَالاهُ وعادِ مَن عاداهُ واُنصُرْ مَن نَصرَهُ واُخذُلْ مَن خَذلَهُ».

كان (عليه السلام) الإنسان الذي لم يفهمه عصره، بل كان الغريب في عصره، وكان (عليه السلام) يقول: «إنّ ها هنا لعلماً جمّاً لو أصبت له حَمَلة». وكان الإنسان الذي أخلص للإسلام كلّه، وهو القائل: «.. فخشيت إن أنا لم أنصر الإسلام وأهله، أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولا يتكم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السراب، أو كما يتقشّع السحاب..»، والقائل: «لأسلمن ما سلمت أُمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلّا عليّ خاصّة». إنّ الإمام عليّاً (عليه السلام) عاش عقل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وروحه منذ طفولته الأُولى، حتى اندمج عقله بعقله، وذابت روحه في روحه، وتحرّكت حياته في كلّ خطوط حياته، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الإسلام كلّه، وكما قال الخليل بن أحمد الفراهيدي، وقد سُئِل: لماذا قدّمت عليّاً؟، قال: «احتياج الكلّ إليه، واستغناؤه عن الكلّ، دليلٌ على أنّه إمام الكلّ». ولذلك، انفتح الإمام عليّ (عليه السلام) على الزمن كلّه. فالإمام (عليه السلام) ليس ابن زمنه، لأنّنا عندما ندرسه وندرس كلّ كلماته، نجد أنّه يعالج مشكلاتنا في أكثر من جانب، كما كان يعالج مشكلات عصره؛ لأنّ في مشاكل الحياة ما ينفتح على كلِّ عصر، لأنّها ليست منطلقة من خصوصيات الزمن، بل من خصوصيات الحياة، والإمام عليّ (عليه السلام) كان إمام الحياة.

لقد وُلِد عليّ (عليه السلام) في الكعبة، واستشهد في بيت الله سبحانه وتعالى، لذلك عندما نقف في ذكرى ولايته (عليه السلام)، علينا أن نرتبط به ارتباط العقل والروح والقدوة والحياة، لأنّ عليّاً (عليه السلام) لا يسير بنا إلّا إلى الله سبحانه وتعالى، ولذلك فإنّ عليّاً (عليه السلام) يمثِّل القمّة الشامخة الرفيعة في كلِّ ما أراده الله سبحانه للإسلام أن يتحرّك فيه. وعلى ضوء هذا، فإنّ علينا أن نقف في يوم الغدير لنبايع عليّاً (عليه السلام) في خطّه، وفي كلّ ما أعطانا من علم وفكر وصلابة وصبر، وأن نقول: الحمد لله الذي جعلنا من المتمسّكين بولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، الحمد لله على إكمال الدِّين، الحمد لله على إتمام النِّعمة.

ونقول له: يا أبا الحسن، إنّنا معك، إنّنا ندعو الله أن يوفّقنا لأن نقتدي بك، وأن نصبر كما صبرت، وأن نسير كما سرت، وأن نأخذ بالإسلام كما أخذت به، وأن نخلص لله سبحانه كما أخلصت، لأنّك كنت تحبّ الله كما أحبّه رسوله، وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله».. لقد أحببت الله وأحبّك الله، لأنّ حياتك كلّها كانت لله سبحانه وتعالى، ولم تكن حياتك لنفسك. والسلام عليك يوم وُلِدت ويوم اُستشهدت ويوم تُبعثُ حيّاً.

ارسال التعليق

Top