• ١٤ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

يحدثونك عن التراث

موفق أبو طوق

يحدثونك عن التراث

◄تراث.. تراث، أقلام كثيرة تكتب عن التراث، وألسنة عديدة تلهج بذكر التراث.. وأصحاب هذه الأقلام وتلك الألسنة، ما برحوا ينصبون أنفسهم في كل زمان ومكان.. محامين بارعين لهم دعوى واحدة ومرافعة واحدة.. هي: الدفاع عن كلمة التراث!!.

ولئن كان الحديث عن التراث يأخذ بمجامع القلوب، والذود عن حياضه يهمُّ كل مخلص في هذه الأُمّة.. إلا أنّ هذا لا يحول دون طرح سؤال كبير: إلى أي حد يمكن الاستفادة من التراث؟ أو بمعنى آخر: ما هي آخر محطة يقف عندها قطار التراث الذي يمتطيه أولئك المدافعون؟.

لا شك أنّ التراث الحقيقي لهذه الأُمّة تراث مشبع بالدروس والحكم، ولا شك أن أي تصور عصري له سيدفع عجلة الرقي والتقدم إلى الامام.. ولكن، هل يقصد كل المدافعين هذا المعنى بالذات، أم أنّ الرؤية تختلف بين شخص وآخر؟

الذين يتصورون أنّ التراث مجرد ذكرى عابرة للماضي البعيد، أو مرحلة زمنية عتيقة لها اتصال نظري فقط بالمراحل التي نعيشها اليوم.. والذين ينظرون إلى التراث على أنّه رؤى وأفكار أكل الدهر عليها وشرب، أو مجرد قطع أثرية نحب تداولها كما يحب الطفل اللعب بالنقود القديمة.. هؤلاء أناس يظلمون التراث، ولا يعطونه المكانة التي يستحقها.

فما فائدة التراث إن كان حديثاً يتلى وكلاماً يسمع؟.. ما فائدته إن لم نؤمن به وبأمجاده وطروحاته؟.. ما فائدته إن لم يكن وسيلة للنهوض من الكبوة، ومنبهاً للقيام من نوع عميق؟.. ما فائدته إن لم يكن بستاناً نأكل من خيراته كل يوم، ومعيناً صافياً نعبّ من مائه صباح مساء؟؟..
ليس التراث آثاراً جامدة موضوعة في متحف، وليس فولكلوراً شعبياً راقصاً يمتع المشاهدين.. ليس التراث عرض أزياء ملونة وثياب مزركشة مزخرفة، وليس هو لافتة مكتوبة بالخط العريض ترفع وتنزل عن الحاجة.

لا.. فالتراث فعل لا قول، والتراث حياة جديدة.. أمل ساطع يتوهج في النفوس الطامحة.. حلم جميل نسعى إلى استرجاعه بكل قناعة وحماسة.

ثمّ.. يخطئ من يظن أنّ التراث هو كل ما يمت إلى الماضي بصلة، ويخطئ من يتصور أن مفرزات الأمس بنوعيها السلبي والإيجابي، تستحق التبني والاحتضان.

فالمتتبع لحوادث التاريخ، والممحص لفقراته.. يعلم حق العلم أن ظروفاً قد أحاطت بهذه الأُمّة، دفعت أبناءها إلى ممارسات ذات آفاق معينة، نتجت عنها وقائع ومعطيات مختلفة، بعضها مقبول، وبعضها غير مقبول.. وكلا النوعين المقبول وغير المقبول، دخل التاريخ من بابه العريض.

ولكن.. ليس كل ما يدخل التاريخ يحمل بطاقة توصية إلى قلوبنا وعقولنا، وليس كل ما يدخل التاريخ يرفع راية المنطق ويمسك بلواء الحكمة.

نحن نقرأ التاريخ فعلاً.. نقرأ جميع فقراته، ونتابع كل أخباره، ولكننا لا نقول عن كل ما جرى: إنّه الصواب بعينه. فهنالك الأبيض الناصع، وهنالك الأسود الحالك.

هناك الطيب والخبيث، هناك السمو والسقوط، هناك الالتزام والتلون، هناك النظام والفوضى، هناك الموقف الجماعي وهناك أيضاً التفرد الشخصي.

أبداً.. لا تستحق كل فقرات التاريخ أن تكون تراثاً يتمسك به الإنسان.

نحن إذاً بحاجة إلى غربلة دقيقة لذلك القادم من الماضي.. قريباً كان أم بعيداً.

نحن بحاجة إلى فصل حقيقي بين الزبد، وما ينفع الناس.

ليس الهام أن نطالب بالحفاظ على التراث، بل الهام أن نعرف ما هو التراث الذي علينا أن نحافظ عليه.

وفي التاريخ أشياء يجب أن تبتر، وإن لم تبتر فعليها أن تبقى للعبرة فقط.. وعندما نصل إلى الأصالة المفيدة في كل شيء، نكون فعلاً قد وصلنا إلى التراث الحقيقي الذي يستحق أن نعض عليه بالنواجذ!!

 

المصدر: مجلة طبيبك/ تشرين أول "أكتوبر" 2009م

ارسال التعليق

Top