جعل الله شهر رمضان شهر القرآن، من أجل أن يعيش المسلمون في كلّ أيَّامه ولياليه، كلَّ معاني القرآن ووصاياه وتعاليمه ونصائحه وتشريعاته، وكلّ حركته في كلّ واقع النَّاس، على الصَّعيدين الفرديّ والاجتماعيّ.
المسلمون عندما يلتزمون بالقرآن نهجاً ودستوراً وحركةً وروحيَّة والتزاماً، فإنَّهم يستطيعون أن يؤكّدوا إنسانيَّتهم في كلّ وجودهم، وأن يتعرَّفوا ربَّهم من خلال آياته، وما يجب عليهم تجاهه وتجاه النَّاس من حولهم، وتجاه الحياة الَّتي يتحركون فيها.
موسمُ الرّوح
شهر رمضان هو موسم الرّوح الَّذي يطلّ فيه الإنسان على كلّ آفاق الرّوح في آفاق الله، حيث ينفتح العقل على خالقه، فيناجيه بكلّ الفكر الَّذي يتعبَّد له بإنتاج الفكر الحقّ، وحيث يناجي القلبُ صانعَه لينفتح عليه بكلّ نبضاته وخفقاته، في كلّ ما يريده الله للنَّاس من الخير، وتنفتح فيه حياة الإنسان على مبدعها، من أجل أن تكونَ في خدمة الله، بدلاً أن تكونَ في خدمة الشَّيطان.
لذلك، لابدَّ أن ندخلَ هذا الشَّهر دخول الإنسان الواعي الَّذي يريد أن يعيشَ فيه التَّعبئة الروحيَّة والفكريَّة والعمليَّة.
وقد أراد رسول الله (ص) في آخر جمعة من شهر شعبان، كما في مثل هذه الجمعة الَّتي تنفتح على بداية شهر رمضان، أن يحدّث النَّاس كيف يدخلون هذا الشَّهر، وأن يحدّثهم عن كلّ ما أعدَّه الله لهم من ألطافه وفيوضات رحمته، وعن كلّ ما ينبغي للإنسان أن يتطلَّع إليه، وأن يتحرَّك فيه، وأن يحقّقه في حياته، وأراد (ص) أن يبيّن للنَّاس أنَّ هذا الشَّهر هو الفرصة الَّتي قد لا تتكرَّر في حياة الإنسان، لأنَّه لا يعرف هل يبلغ الشَّهر القادم إذا فاته هذا الرَّمضان، فالكثيرون من إخواننا وأحبَّائنا وأقربائنا كانوا معنا في شهر رمضان الماضي، وهم الآن في رحاب الله، ألا يمكن أن نكون مثلهم؟ مَنْ يعطينا ضماناً أن نعيش، حتَّى لو كنَّا في قمَّة الصحّة؟
شهرُ الرَّحمةِ والمغفرة
وشهر رمضان هو شهر الموسم؛ موسم الرَّحمة والمغفرة والبركة، وموسم القرب من الله والعيش معه والمحبَّة له والحصول على محبَّته، ومَنْ يحصل على محبَّة الله ورضوانه، فقد حصل على الخير الَّذي لا خير أعلى منه، وعلى الفوز الَّذي لا فوز مثله.
ففي الرّواية، أنَّ رسول الله (ص) قال: " أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللهِ بِالْبَرَكَةِ - البركة الَّتي تنمّي أعماركم وأرزاقكم وعافيتكم، وتنمّي فرص الحياة لكم في كلّ نجاحاتكم - وَالرَّحْمَةِ - الَّتي إذا عاش الإنسان فيها، عاشَ في السَّعادة كلّها، لأنَّ الله عندما يرحمنا، فإنَّه يجعلنا في أحضان لطفه ومحبَّته، وتلك السَّعادة كلّ السَّعادة – وَالْمَغْفِرَةِ - حيث نتخفَّف من كلّ ذنوبنا الَّتي أثقلتنا، والَّتي قد تثقل مصيرنا عندما يقوم النّاس لربّ العالمين، بالاستغفار والتَّوبة والعودة إلى الله.
- شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ - {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [التّوبة: 36]، وشهر رمضان أفضل هذه الشّهور - وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الأَيَّامِ، وَلَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي، وَسَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ – ولذلك، فإنَّ الزَّمن هنا يرتفع ويسمو، ويمثّل الدَّرجة العليا في معنى الزَّمن.. إنَّ الأزمان كلّها واحدة، ولكنَّ الله يختصّ بالقيمة بعض الأزمنة، كما يختصُّ بالقيمة بعض الأماكن وبعض الأشخاص، فالله يصطفي من عباده الأنبياء، ويصطفي من شهوره شهراً معيَّناً، كما اصطفى من أرضه أرضاً معيَّنة هي الكعبة الحرام.
في ضيافةِ الله
- هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللهِ - نحن ضيوف الله في هذا الكون، هو الَّذي خلقنا، وهو الَّذي رزقنا، وهو الَّذي هيّأ لنا كلَّ وسائل الرّزق. ولكنَّ لله ضيافةً خاصّةً يختصّ بها الَّذين يعيشون هذا الشَّهر، ليقول لهم تعالوا إليّ؛ الموائد مبسوطة، موائد الرّزق الحلال، وموائد الرَّحمة والمغفرة والبركة، تعالوا أيُّها الضَّائعون لتجدوا على مائدتي هداكم، تعالوا أيُّها المتعبون لتجدوا على مائدتي راحتكم، تعالوا أيُّها الخائفون لتجدوا عندي أمنكم، تعالوا أيُّها المرضى لتجدوا عندي عافيتكم، تعالوا أيُّها المحرومون لتجدوا عندي ما يخفّف من حرمانكم، تعالوا إليّ، أنتم ضيوفي... ألا نقول في بعض أدعية شهر رمضان: "وقد أوجبْتَ لكلّ ضَيْفٍ قِرًى، وأَنَا ضَيْفُكَ، فَاجْعَلْ قِرَايَ اللَّيلَةَ الجنَّةَ، يَا وَهَّابَ الجنَّةِ، يَا وَهَّابَ المغفرة"؟!.
- وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللَّهِ. أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ، وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ، وَعَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ، وَدُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ، أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ، وَتِلاوَةِ كِتَابِهِ، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ- تماماً كمن يُحرَم الرّبح في الموسم، فماذا يربح بعد الموسم؟!
لذلك، أن نطهّر قلوبنا، من كلّ حقد وبغضاء وشرّ، أن نصفّي نيَّاتنا لتكون صادقة، فإذا اطَّلع الله على ما في داخلنا، فرأى أنَّنا صادقون في نيَّاتنا، وطاهرون في قلوبنا، فسينزل رحمته ليغسل تلك القلوب، وليعطي تلك النيَّات كلَّ حيويَّة وانفتاح.
معنى الجوعِ والعَطَش
ثمَّ يتابع رسول الله (ص)، على حسب الرّواية، فيقول إنَّكم تجوعون وتعطشون في شهر رمضان، ولو في لحظة من الزَّمن، ولو في آخر النَّهار، فلا تفكّروا إذا جعتم أو عطشتم متى يأتي الغروب لتشبعوا بطونكم، ولترووا ظمأكم، ولكن فكّروا أنَّ هناك يوماً طويلاً يجوع فيه النَّاس ويعطشون، يوماً هو كألف سنة مما تعدّون، والَّذين يشبعون في ذلك اليوم ويرتوون، هم الَّذين يعملون الصَّالحات عن إيمانٍ في الدّنيا، والَّذين يطيعون الله ويتَّقونه.
يقول (ص): - وَاذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ وَعَطَشِكُمْ فِيهِ، جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَعَطَشَهُ - حتَّى لا يطول وقوفكم بين يدي الله غداً، لأنَّ الإنسان كلَّما كثرت سيّئاته، طال وقوفه بين يدي الله، وكلَّما قلَّت سيّئاته، قلَّ وقوفه بين يدي الله.
لذلك، اختصروا السيّئات في الدّنيا، وتوبوا إلى الله منها، اختصروها حتَّى لا يطول وقوفكم هناك، لا تجعلوا حركة عمركم - هكذا يوحي إلينا رسولنا وإمامنا وهادينا ومرشدنا رسول الله (ص) - حركةً في زيادة سيّئاتكم.
إنَّ الإمام زين العابدين (ع) يتحدَّث في بعض أدعيته عن ذلك اليوم: "فوا سَوأتاهُ غَداً مِن الوُقوفِ بَينَ يَدَيكَ، إذا قِيلَ لِلمُخِفِّينَ جُوزوا، ولِلمُثقَلينَ حُطّوا – الَّذين أثقلت أوزارهم ظهورهم - أمَعَ المُخِفِّينَ أجوزُ، أم مَعَ المُثقَلينَ أحُطُّ؟! وَيلي! كُلَّما طالَ عُمري كَثُرَت خَطاياي ولَم أتُبْ، أما آنَ لي أن أستَحيِيَ مِن ربِّي؟"، ويقول (ع): "تَتَحَبَّبُ إلَينا بِالنِّعَمِ، ونُعارِضُكَ بِالذُّنوبِ، خَيرُكَ إلَينا نازِلٌ، وشَرُّنا إلَيكَ صاعِدٌ، ولَم يَزَل ولا يَزالُ مَلَكٌ كَريمٌ يَأتيكَ عَنَّا بِعَمَلٍ قَبيحٍ – ففي آخر اليوم، تصل التَّقارير إلى الله سبحانه وتعالى: كم غيبة اغتبنا، كم كذبة كذبنا، كم سباب سببنا، كم عرض حرام انتهكنا، كم ضربة بغير حقّ ضربنا، كم مال حرام أكلنا، كم أكلة حرام أكلنا، كم شربة حرام شربنا، كم موقف حرام وقفنا... - فَلا يَمنَعُكَ ذلِكَ أن تَحوطَنا بِنِعَمِكَ – يبقى مطر النّعم يغدق علينا - وتَتَفَضَّلَ عَلَينا بِآلائِكَ. فَسُبحانَكَ ما أحلَمَكَ وأعظَمَك وأكرَمَكَ مُبدِئاً ومُعيداً!".
مقالات ذات صلة
ارسال التعليق