• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

بعض الغموض إزاء زوجك لن يضر أحداً

سناء ثابت

بعض الغموض إزاء زوجك لن يضر أحداً
   قبل الزواج، كنا نعتقد أنّ الزواج الناجح هو ذلك الذي يبنى على الشفافية، وأنّ الحياة الزوجية السعيدة هي تلك التي لا يخفي فيها أي طرف أي شيء، عن الطرف الآخر. لكن اتّضح من خلال علماء النفس أنّ هذا غير صحيح، وأنّ هناك أشياء لا ينبغي إخبار الزوج بها. فما هي؟

يبدو أنّ نظريات العصور الغابرة والتي لقنتنا إياها جداتنا وأمّهاتنا ليست كما اعتقدناها صالحة لكلّ زمان ومكان. مَنْ مِنْ السيدات لم تتعلم في البيت كما في المدرسة أنّ الصراحة هي أهم شيء في الحياة الزوجية؟ بل حتى الأفلام والمسلسلات التلفزيونية أعطتنا الدروس والعبر في ضرورة الوضوح بين الزوجين وإلزامية أن يخبر بعضهما بعضاً بكلّ صغيرة وكبيرة.. اتضح أخيراً أنّ هذا غير صحيح تماماً، أو أنّه صحيح لكن ليس في كلّ الأحوال، وخاصة في علاقتك مع زوجك. يبدو أنّ بعض الغموض مطلوب. يقول الأخصائي النفسي جاك أنطوان مالارويز: "إنّه في زماننا هذا، تغيّرت طبيعة العلاقات الإنسانية ولم تعد العلاقة الزوجية المبنية على انصهار الطرفين في كيان واحد هي العلاقة النموذجية كما كان ذلك في السابق" ويضيف "ألّا تقولي كلّ شيء للآخر هو علامة على النضج، وفي المقابل الحرص على قول كلّ شيء هو علامة على ضعف الثقة بالنفس". فهل تريدين أن تكوني زوجة ناضجة أم زوجة ضعيفة الثقة بالنفس؟

 

لست مُجبرة:

أنت وزوجك لستما شخصاً واحداً، بل شخصان، تذكّري ذلك، وتذكري أنّ الاعتماد على الذات والاستقلالية شيئان مهمان وضروريان. لهذا عليك أن تحافظي على استقلاليتك حتى حدود معيّنة. هناك أمور كثيرة تعتقدين أنها ضرورية في حين أنها ليست كذلك، إنها اختيارية في الواقع. مثلاً، إذا كنتِ تساعدين والديك أو إخوتك مادياً من راتبك الشخصي، فليس ضرورياً أن تُخبري زوجك بذلك أو بقيمة المبلغ، الشيء نفسه ينطبق عليه وهو إن كان يساعد أقاربه فليس من شأنك أن تعلمي بالتفاصيل، يجب أن تتركي له بعض الاستقلالية. أيضاً إذا خرج زوجك مع صديق لا تحبينه فهو ليس مضطراً إلى أن يخبرك بذلك، وأنت إذا خرجت أنت مع صديقة لا تعجب زوجك لكنها صديقتك منذ الطفولة، فأنت لست مضطرة إلى إطلاعه على الأمر في كلّ مرة؟ قد تُقابلين أصدقاء وصديقات من أيام الدراسة، من بينهم شخص كان معجباً بك مثلاً، لا تُخبري زوجك بذلك، خاصةً إذا لم يسألك، لا تتطوعي أنت بإبلاغه بأشياء قد تُثير غضبه.. انتبهي، لا تخبريه لا تعني "اكذبي عليه"، يجب أن تكون لك طريقتك الذكية في إضفاء بعض الغموض على شخصيتك.

 

غُموض مرغوب:

"عندما تبوحين بكلّ شيء للطرف الآخر، زوجك، فإنك تُغامرين بأن تفقدي لمسة الغموض التي قد تُحيط بك، والغموض هو عنصر مهم من عناصر الإثارة"، تقول الأخصائية النفسية كاثرين بنسعيد، والتي ترى أنّ المراهنة على الشفافية في الحياة الزوجية تهدد هذه الأخيرة بالتحول إلى حياة باردة، مُملة، خالية من التشويق والإثارة، هذا دون الحديث عن عدم النضج الذي يفضحه هذا النوع من التواصل اللفظي الصريح. وتضيف الأخصائية "أن أحكي لزوجي كلّ ما حدث معي خلال اليوم بشكل أوتوماتيكي يذكّرني بنفسي عندما كنت طفلة، عندما كنت أعود كلّ يوم من المدرسة وأحكي لأُمي كلّ شيء بالتفصيل. انتبهي، على المدى الطويل هذا يضر بتأجج الحب بين الزوجين، وتتحول العلاقة إلى علاقة أخوية أكثر منها علاقة غرامية".

 

انتبهي:

إذا كان أخصائيو العلاقة الزوجية يُطالبونك بألّا تخبري زوجك بكلّ صغيرة وكبيرة في حياتك، فهذا ليس لكي يهدموا حياتك الزوجية وإنما لكي يجلعوها أكثر سعادة وإثارة. بالتالي، فهم لا يدعونك إلى أن تخفي عن زوجك الأمور المهمة، التي من شأن زوجك أن يغضب إن عرف أنك أخفيتها عنه، فأحياناً يكون إخفاء بعض الأمور خيانة أو خداعاً وليس مجرد غموض. انتبهي، بعض الأسرار الصغيرة مهمة وتُعتبر بمثابة التوابل لحياتك الزوجية، فتذكّري أنّ القليل من التوابل يكفي. إنّ الصمت في غير محله قد يكون خطراً كبيراً يمكن أن يُدمّر عشّك الهادئ. ومن الأمور المهمة التي لا ينبغي أن يُخفيها الزوجان عن بعضهما بعضاً، مثلاً إذا تم الاستغناء عنك في العمل، فلا داعي لأن تخرجي كلّ صباح وتتظاهري بأنك ذاهبة إلى العمل، في حين أنك تذهبين للبحث عن عمل آخر، وإذا اكتشفت أنك مصابة بمرض خطير فلا يمكنك أن تخفي ذلك عن زوجك، فالمنطق والأخلاق يقولان إنّ من حقّ الزوج أن يعرف بحالتك. ويقول الأخصائي النفسي الفرنسي جاك أنطوان مالارويز: "هناك حالات يكون فيها الإفصاح عن بعض الحقائق علامة على الثقة بالآخر، فكم من زوجين خرجا أقوى بكثير من السابق بعد تجارب مريرة وقاسية تقاسماها مع بعضهما". من جهة أخرى، فإنّ تقاسم المشاعر بين الزوجين يكون مُفيداً، لكن ليس دائماً. فالأمر يتوقف على اختيار الوقت المناسب لفعل ذلك". يجب انتظار اللحظة المناسبة لإخبار الزوج أو الزوجة عن أي أمر مهم، والتوقيت المناسب هو قاعدة مهمة من قواعد التواصل الناجح بين الزوجين، ومن القواعد الأخرى المهمة الإصغاء للطرف الآخر، وليس فقط التعبير عن الذات طوال الوقت.

 

طرف ثالث:

للمحلّلة النفسية إيف بريجون وجهة نظر مهمة وحل ناجع، حيث تقول: "إذا كانت حاجتك إلى البوح والتعبير عن نفسك ومخاوفك قوية، فلماذا لا تلجئين إلى طرف ثالث غير زوجك، مثلاً صديقة أو أخت أو حتى مُعالج نفسي. هناك أسرار وجراح لا ينبغي تقاسمها مع الزوج، لأنّ إخباره لن يخفف عنك شيئاً من ثقلها بل يزيد الزوج ثقلاً جديداً لا يعرف كيف يتخلص منه. ومن الأمور التي لا يجب أن تخبري بها زوجك، بعض الوقائع القاسية التي عشتها في طفولتك (تعرّضت مثلاً للتحرُّش الجنسي من قِبَل أحد الأقارب، أو كنت تتعرضين كثيراً للضرب من قِبَل والديك...) مثل هذه الوقائع يكون لها تأثير كبير في الزوج، الذي يمكن أن يلصق بكِ وصمة "الفتاة ضحية زنَى المحارم" أو "الفتاة الضعيفة المعنَّفة" وربما يتجرأ هو الآخر ويضربك". طبعاً مثل هذه الأسرار هي أمور أثقل من أن تسكتي عنها وتتحمّليها وحدك. لهذا، يمكنك أن تطلبي المساعدة من مُعالج نفسي متخصص، هذا لا يعني بالضرورة أنك تعانين مرضاً نفسياً، بل هذا سيساعدك لكي تتخلصي من عبء أسرارك القديمة من دون أن تُعرّضي علاقتك الزوجية للخطر.

 

أسئلة:

قبل أن تخبري زوجك بأي شيء اسألي نفسك أسئلة من قَبيل: هل حديثي عن هذا الأمر يعني أن أرمي ثقلاً جديداً على زوجي وأقلق راحته؟ ألا يعتبر تحدثك معه عن هذا الأمر بالتفصيل نوعاً من الاستعراض أو حتى تعذيباً له؟ هل سيُعرضني كلامي هذا للإهانة؟ أو هل يمكن أن يقوم زوجي بتأويل ما قلته له بحيث يأخذ فكرة سيئة عنّي؟ إذا كان الجواب بنعم أو حتى "ربما"، فمن الأفضل أن تحتفظي بالأمر لنفسك أو تتقاسميه مع صديقة ولكن ليس مع زوجك.

ارسال التعليق

Top