• ٨ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٨ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

عنف النساء ضد النساء

عنف النساء ضد النساء

بعد خروجها للعمل وتقلدها المناصب

أيهما أكثر عنفاً في مواجهة الآخر الرجل في مواجهة المرأة أم المرأة في مواجهة بنات جنسها، الحقيقة أنّه لا يفل الحديد إلّا الحديد، فشهادات العديد من النساء تظهر أنّ المرأة أكثر قهراً وتسلطاً في مواجهة غريمتها الأنثى، لا لشيء سوى أنها ربما تملك مفاتيح ومعرفة بنقاط ضعف وقوة الطرف الآخر، إضافة إلى أنها أكثر اطلاعاً على سيكولوجية بنات جنسها، وربما بسبب أنّ المجتمع الشرقي مجتمع ذكوري بامتياز وأنّ العنف الذي يمارسه الرجل تجاه المرأة ينعكس في التعامل بين النساء وخاصة بين القيادات في مواجهة مرؤوسيهن من النساء.

"العنف النسائي موجود لا شكّ، ولكن تختلف أساليبه مقارنة بأساليب عنف الرجل على المرأة، فالتأثير النفسي والمعنوي هو سيد الموقف في إيذاء النساء لبعضهنّ البعض"، هذا ما بدأت به منى الحايك (38 عاماً) صاحبة محل ملابس نسائية حديثها.

 

عنف النساء:

من وجهة نظر منى فإن عنف المرأة للمرأة لا يتم بتلقائية عابرة إنما من خلال أساليب محددة تتخذها للنيل من فريستها، ودائماً ما تكون تلك الأساليب في صميم حياة المرأة المستهدفة، وتمثل لها نقاط ضعف يمكن أن تقلب حياتها رأساً على عقب وأبرز تلك الأهداف هي الزوج والأبناء، العرض، وغيرها من الركائز الحساسة في حياة كلّ امرأة.

تقول منى: إنّ عنف المرأة في مواجهة غريمتها المرأة أشد خطراً من عنف الرجل عليها، فهي ترى هذا النوع من التعنيف سريع المفعول، وسريانه طويل الأمد، لا يزول بسهولة مع الوقت، مقارنة بالتعنيف الذكوري اللحظي، الذي يكون إما بالضرب أو اللفظ.

تضيف أنها تعرضت لعنف واضح وصريح، من قبل إحدى صديقاتها المقربات غيرة منها ومن مستواها الاجتماعي واستقرارها الأسري، تقول: لم أتوقع للحظة أنّ أعز صديقاتي، هي من ستطعنني في ظهري يوما، وكيف؟ من خلال زوجي! التي كانت تحسدني على تفاهمي معه، وانسجامنا الأسري، ونجاحي المهني كوني صاحبة محل ناجح للملابس النسائية.

ما كان يدهشني من هذه الصديقة غير الصدوقة، أنها كانت أيضاً تنعم بحياة هانئة مع زوج لا بأس به، فما الداعي إذاً لغيرتها المفرطة، وحقدها الذي أوصلها إلى حد الانتقام مني من خلال زوجي، الذي لفت شباكها حوله، جاهدة لإيقاعه في حبها، ولكنها لم تضع في الحسبان أنّه رجل فوق مستوى الشبهات.

 

الأسرة السبب:

منال ياسين (23 عاماً) مقدمة برامج إذاعية، تقول: "يعترضني عنف المرأة في طريقي المهني والعائلي، وتتضاءل ثقتي في الآخرين وتزداد حالتي النفسية سواءً".

تضيف منال أنّ العنف الأنثوي يبدأ من داخل الأسرة، فالأخت كثيراً ما تعنف أختها، في الوقت التي تؤدي فيه كلّ فروض الطاعة لأخيها، وتسكت على تعنيفه لها، بينما ترد الأذية لأختها الصاع صاعين!

تضيف: إنّ أكثر ما يدهشني أنّ الضربة القاضية للمرأة تأتي غالباً من أخرى قريبة منها، مثل الصديقة، الأخت، والأُم أيضاً، التي تتعامل مع ابنتها وكأنها شيء ثانوي مقارنة بأهمية ابنها في حياتها، التي ترسخ في عقليته أنّه دائماً الأفضل.

تضيف: أفضل التعامل مع رجل في حياتي المهنية، كونه أكثر حيادية وتعاوناً مع المرأة بشكل عام، فضلاً عن أنّ مشاعر الغيرة والحسد تكون أقل بكثير مقارنة بغيرة المرأة.

منال تخلت عن فكرة الإقدام على الزواج بسبب العنف النسوي، فقصة طلاق إحدى صديقاتها كانت آخر المطاف للنفور التام من فكرة الزواج، بسبب العنف الذي كانت تمارسه عليها حماتها، والذي وصل إلى حد التحكم في ساعات نومها واستيقاظها، إلى أن وصل الحال، لتدخلها في علاقتها الخاصة بزوجها استغلالاً لحاجته المادية لها فهي التي كانت تنفق عليه.

 

شبح المديرة:

أما تهاني كتكت (25 عاماً)، فنية مونتاج، فقد عانت من تعنيف المرأة لها في معترك العمل، وخاصة من قبل مديرتها السابقة، التي كانت تعكس تقلباتها المزاجية عليها، من اكتئاب وخلافات زوجية، لتجعل منها "كبش فداء" لتصرفاتها غير المهنية.

حتى أنها كانت تتصيد لها الأخطاء لتخصم من راتبها، وتفضل غيرها عليها، حتى لو كان أقل كفاءة منها. كلّ هذا جعل تهاني تفضل ترك عملها، الذي هو مصدر رزقها الوحيد، لتهرب من شبح مديرتها، وهو ما أثر على نفسيتها بالسلب، وجعلها تتراجع بشكل واضح في عملها.

وتتفق خلود السوالمة (30 عاماً) مسؤولة مشاريع مع رأي تهاني تقول: إنّ طريقة تعامل المديرة مع موظفاتها تعتمد على شخصيتها، ومدى اتزانها النفسي، الذي يحتم عليها عدم الخلط بين عقدها النفسية ومشكلات حياتها الخاصة، ومهامها الإدارية، وأيضاً إلى أي درجة تحقق الجمع بين معاملة موظفاتها بمودة، وإضفاء جو من الألفة في العمل، وبين إجبارهنّ على تأدية مهامهنّ العملية بجدية بحتة ومهنية، في جو يسوده الاحترام.

وترى خلود أنّ هذه المعادلة قليلاً ما تحققها المديرات في تأدية عملهنّ ولكنها موجودة بدرجات وتعتقد أنّ للموظفات دوراً كبيراً في تضخيم الأمور وتهويل المواقف ليشوهن صورة مديراتهنّ، فعند تقصيرهنّ من الطبيعي مراجعتهنّ على ذلك، ولكنهنّ لا يحتملن المعاتبة من قبل امرأة مثلهن، حتى وإن كانت مديرة، بعكس الحال لو كان المدير رجلاً.

 

وجهة نظر:

زينب الغنيمي المستشارة القانونية عضو مجلس إدارة مركز شؤون المرأة، لها وجهة نظر مختلفة عن عنف المرأة ضد المرأة، فهي تربطه بالثقافة السائدة في المجتمعات العربية عامة، والغزية بشكل خاص، بسبب فهمها الخاطئ للدين، بأنّ الرجل أياً كان في حياة المرأة، هو قوَّام عليها، وهذه القوامة تعني التسلط والتجبر، والضرب أحياناً.

وتوضح أنّ السلطة في الغالب كانت ومازالت من حقوق الرجل الشرقي الحصرية، ولكن مع تقدم المرأة في المجال العلمي، وتقلدها مناصب إدارية مهمة ورفيعة في معترك العمل، أصبحت أيضاً تمتلك السلطة، ولتصبح إدارية وصاحبة سلطة ناجحة، وضعت شخصية الرجل المتسلطة المتعجرفة أمام عينيها، لتجعلها أسوة تستمد منها تصرفاتها، مستطردة: العقلية الذكوية ليست حكراً على الرجل، بل يمكن أن تمتد للمرأة أيضاً، إذا ما توافرت لها كلّ متطلبات التسلط.

وتعتقد زينب أنّ المرأة المتسلطة ليس من الضرورة أن تكون ضحيتها امرأة، ممكن أن يكون رجلاً أيضاً، كالزوج الذي لا يعمل، أو راتبه أقل من راتبها، والمريض غير القادر على تأدية مهامه الزوجية، ففي هذه الحالة تتسلط عليه، وتعنفه أيضاً بقسوة، لأنّها هي من يمتلك المال والقوة، التي من خلالهما تستمد السلطة.

وترى أنّ الشخصيات النسوية اللواتي يقمن باستغلال مناصبهنّ لإرضاء غرورهنّ، وانتظار فروض الطاعة ممن حولهنّ، هن نساء تخلين عن أنوثتهنّ، ولم يستطعن أن يكن رجالاً لذا فهن عديمات شخصية، وغير واثقات بأنفسهن.

فالمرأة المديرة عندما تتعامل في العمل مع الموظفين الذكور غالباً ما يكون بطريقة يسودها الاحترام والتقدير، بخلاف معاملتها مع الإناث اللواتي تنظر لهن نظرة دونية، لأنهنّ باختصار يذكرنها بنفسها قبل أن تكون صاحبة سلطة، أما الرجل وإن كان أقل كفاءة منهنّ فترى فيه شخصيتها الحالية التي تشبهه، لتفاجأ بأنّ الرجل نفسه لا يتقبلها كرئيسة تلقي عليه الأوامر، ويأبى ضمها لجنسه.

 

خالد دحلان: العنيفات مصابات بالنرجسية:

ويرى اختصاصي الطب النفسي الدكتور خالد دحلان أنّ "مجتمعاتنا الذكورية خلقت من الرجل شخصية مسيطرة مستبدة، كانت المرأة ومازالت أولى ضحاياه، التي تشربت كلّ قسوة هذه الشخصية المسيطرة، وعانت الكثير من التمييز بينها وبين الرجل، في كلِّ أشكال العلاقات الاجتماعية التي تربطها به".

ويؤكد وصف المرأة في المجتمعات الشرقية بالضحية، التي لا ترتاح وتستكين نفسيتها، إلا إذا أخرجت هذا الكبت والإحساس بالاضطهاد، من خلال ممارسته على غيرها، ولذلك تكون ضحيتها امرأة أخرى، لأنها تستطيع تعنيفها بسهولة مقارنة بتعنيفها للرجل.

ويشخص نفسية النساء اللواتي يعنفن غيرهنّ من النساء، ويتعمدن إذلالهنّ وممارسة كلّ أساليب الانتقام منهنّ، لدوافع كثيرة منها الغيرة، والحسد، وحب التسلط، بالنساء المصابات بمرض نفسي "النرجسية" وهو عبارة عن اضطراب عقلي من اضطرابات الشخصية، حيث يعاني المرء من إحساس مرضي بأهميتها.

ارسال التعليق

Top