• ١٠ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ١٩ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

آداب الصحبة والمجالسة

أسرة

آداب الصحبة والمجالسة
دعت الأحاديث الشريفة إلى أن نصحب إخواننا وأصدقاءنا بالفضل بأن نفضِّلهم علينا، وأن ننصفهم فلا يشعروا بأدنى غبن أو ظلم في صحبتنا لهم، وأن نكرمهم فلا نكون البخلاء معهم، وأن نحفظهم في حضورهم وغيابهم فلا نسمح لأحد بأن يتطاول عليهم أو يسيء إليهم، وأن نبدي لهم النصيحة، ونشجِّعهم على طاعة الله تعالى، ونعينهم على أنفسهم بتجاوز أخطائهم وسيِّئاتهم.
وكم هو جميل اختصار ذلك كلّه بالقول: "كُن عليه رحمة ولا تكُن عليه عذاباً"..
جيء بشخصٍ سكِّيرٍ إلى النبي (ص)، وكان قد عاقبه على سُكره من قبل فلم يرتدع، فقال أحد الجالسين: لعنكَ اللهُ من سكِّير، فقال له النبي (ص): "لا تكن عوناً للشيطان على أخيك"! ومع ذلك فإنّ للصحبة آداباً ينبغي مراعاتها وإلا قصّرنا في حقِّها:
أ- أن لا نخدع صاحبنا في أي أمر، بل يجب أن نكون صريحين معه في كل شيء، وأن لا نغشّه بل نكون أمناء في نصيحته، وأن نتلطّف في طرحها. "لو تكاشفتم لما تدافنتم"، لأنّ الصراحة والشفافيّة كفيلة برفع الحيف عن الطرفين، وإلا فالتّدافن يعني الإختزان أو الإحتقان بما هو سلبي، وقد ينفجر فيدمِّر الجميع.
ب- أن لا نكذب عليه البتّة، وأن يكون الصِّدق ثالثنا ورائدنا، فليس أحفظ للصحبة وللصداقة من الصدق في المواضع كلّها. وليس اعتباطاً أن تكون كلمة (الصّديق) مشتقّة من (الصِّدق).
ج- أن لا نعمل على انتقاصه مهما بدا لنا ما يدعو إلى ذلك، فالانتقاص من الأخ أو الصديق هو انتقاص لأنفسنا، لأنّ موقع الأخ والصديق والصاحب هو موقع النفس منّا، وبدلاً من تعييره وانتقاصه لأعمل على استكمال جوانب شخصيّته، فذلك أوثق للصداقة، وأحبّ إلى الله ورسوله (ص).
إنّ من حقِّي عليك إذا أخطأت في فكرة قد تبدو لك سخيفة، أو تصرّف يُظهر سذاجتي أو نقصان معرفتي، أن تُرشدني إلى الصحيح، أو تُخبرني بالدليل ما هو خطأي وأين مكمن ضعفي، وبهذا أكون لك شاكراً ممتنّاً، أمّا إذ سخرت واستهزأت بقولي أو موقفي، فربّما حملتني على اليأس من نفسي، أو تصوّر أنّني قاصر، وأنّني دون الآخرين في النباهة والذكاء وحُسن التصرّف.
إنّك باحترام ضعفي، وإرشادي إلى الصحيح، تُعلِّمني أنّ خطأي ليس بسبب ضعف شخصيّتي، بل بسطحيّة معالجتي، ولذلك أشكرك لأنّك ساعدتني على التفكير من جديد وبطريقة أفضل!
د- إذا جلستَ مع صديقك فكن ليّناً معه في اختيار الكلمات المناسبة والمشاعر المعبّرة عن الحبِّ والحرس فـ"اللِّين يؤنس الوحشة". وقد عبّر القرآن عن ذلك أجمل وأرقّ تعبير (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر/ 88). فكأنّك وأنت العزيز الكريم ذليل بين يدي أخيك، ولكنّ الذِّلة هنا (تذلّل) وتواضع، لا ذلّة الإهانة التي تحطّ من قدر النفس وقيمة الإنسان.
ومن متطلّبات الملاينة: المجاراة في غير المُنكر، لأنّ مجاراة المُنكر مداهنة ونفاق وتأييد للفاسد القبيح. وأن لا تتّهمه فيما لا يوافقك من رأيه، فقد يكون نظر إلى الأمور من زاوية غير الزاوية التي نظرت منها، وأن لا تقوم من المجلس إلا بإذنه، فتركه بلا استئذان جفاء لا يليق بمسلم يتأدّب بآداب الإسلام، وأن لا تُسمعه إلا خيراً، فـ"لفظة السوء تبعث الشّرّ، والخير مقمعة للشّرّ"، وأن تشكره على حسن صنيعه، ليبذل المزيد ويداوم على المعروف.
هـ- في الحديث الشريف عن رسول الله (ص) "المجالس بالأمانة" أي ليس لي أن أُفشي حديثاً أو سرّاً يكتمه صاحبي لا سيما إذا خصّني به دون غيري، فلا يجوز البوح به إلا بإذنه.
إنّ اختصاصي بسرِّره ثقة منه وعرفان أني كتوم وحافظ للسِّر، فكيف أقابل ثقته وعرفانه بتسريب السر وإفشائه، أما كان هو أحرى بذلك، أي بإذاعة سرّه، إنني بذلك أخونه.
و- وإذا ضمّ المجلس أكثر من اثنين، فلا يليق بي أن أهمس لأحدهما بحديث لا أريد أن يسمعه الثالث، فذلك ممّا يحزنه ويؤذيه، فحتى لو لم يكن الهمس يعنيه لكنّه إشعار له أنّه غير أهل للثقة. ممّا يُكهرب ويُلبِّد الأجواء الإخوانيّة التي يفترَض أن يسودها الصحو والصفاء، لا أن تتلبّد بما يثير الشكّ والإرتياب.

ارسال التعليق

Top