• ٤ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ١٣ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

أدب السيرة الذاتية والمذكرات

د. تيسير مشارقة

أدب السيرة الذاتية والمذكرات
◄يعد الأدب، بمختلف أصنافه، ومنه الأدب الشخصي (السيرة الذاتية والمذكرات واليوميات...) أحد وسائل الإتصال بين الناس. وإذا رغب المرء بفهم الأدب (والشخصي منه) على أساس إتصالي، فيمكن القول أنّ الإنسان ينقل أفكاره إلى الناس عن طريق الكلام الشفوي، والأديب كما يقول الأديب الروسي تولستوي "ينقل إلى الآخرين عواطفه عن طريق الأدب أو الفن، ومعنى هذا أنّ الأدب لا يخرج عن كونه أداة تواصل بين الأفراد".
وأساس منهج التفسير الإعلامي للأدب يتمثل في الجوهر الاتصالي له، على اعتبار أنّ العقل البشري أداة اتصال، والاتصال هو حقيقة أساسية للوجود الإنساني والعملية الاجتماعية. وتشير كافة المعطيات في حياتنا البشرية "انّ الاتصال هو الحياة، والحياة هي الاتصال، وبانتقاء أحدهما ينتفي الآخر".
وعمليات التفسير الإعلامي للسيرة الذاتية تقوم على أساس من العبارة الاعلامية الشهيرة لعالم الاتصال الأميركي هارولد لاسويل:
من؟ (المؤلف، الأديب، الكاتب: المرسل).
يقول ماذا؟ (السيرة الذاتية، الرسالة الابداعية: الرسالة).
لمن؟ (الجمهور المتلقي).
وبأية وسيلة؟ (وسائل الاتصال الجماهيري: الكتاب، الصحافة المكتوبة أو المسموعة – والمرئية).
وبأي تأثير؟ (ما هو تأثير ما يقال في السيرة الذاتية؟).
ويمكن إضافة عنصر آخر لمعادلة لاسويل، وهو في أي ظروف يتم تقديم الرسالة؟ أي ضمن أي سياق؟
ونرى أيضاً، أن أسلوب التفسير الإعلامي الاتصالي للأدب (المنظور الميديالوجي) من أهم أدوات تحليل المضمون الأدبي، ويتداخل هذا المنهج مع غيره مع العلوم في إيجاد تفسير للأدب كعلم النفس والاجتماع والفلسفة والأيديولوجيا والانثربوولوجيا وغيرها. فمثلاً، كم ظلمت الشائعة والثقافة السماعية (الثقافة الشعبية الشفهية) نصوص أدبية عظيمة، كنصوص نزار قباني، بحجة أنّه شاعر ماجن يتغزل بالنساء (!) أو أنّه إباحي (!) وهذا ينطبق على شعر معيّن بسيسو، الذي أنف القراء قراءته لاعتبارات أيديولوجية تتعلق بانتماءات الشاعر، أو لاقتران إسمه بأنّه شاعر المقاومة، على الرغم عذوبة أشعاره وجمالها.
فالأفكار المسبقة عن أو أشاعر ديب قد تقتلعه من جذوره وقد تودي بأدبه إلى الهاوية، أي إلى النسيان.
وبهذا، فإنّ المعادلة الصحيحة لتواصلية السيرة ووصولها إلى بر أمان القارىء تكون من خلال النموذج الاتصالي التالي:
الأديب – الرسالة الإبداعية – الوسيلة – المستقبل
والاستجابة تكون بشكل تغذية عكسية راجعة من المستقبل إلى الأديب لاحقاً. وينهار العمل الأدبي إذا اعترت هذه السلسلة نقطة ضعف معينة في أي حلقة من حلقاتها.
وينبغي الافادة من المناهج الأخرى في فهم عناصر المعادلة الاتصالية تلك فمثلاً لا يكفي منهج التفسير الإعلامي لوحده لدراسة (المرسل) أي الأديب، صاحب السيرة الذاتية أو المذكرات، وهنا لابدّ من الاستعانة بمناهج أخرى كالمنهج الاجتماعي أو التحليل النفسي. ونفس الشيء ينطبق على العناصر المتبقية.
وغالباً ما ينتقل العمل الابداعي إلى الجمهور عن طريق العدوى (CONTAGION)، ودرجة العدوى الإبداعية أو الفنية تتوقف على شروط ثلاثة تفيد في التفسير الإعلامي:
-        الاصالة أو الفردية أو الحدة في العواطف التي يعبر عنها الكاتب.
-        درجة الوضوح في التعبير عن هذه العواطف.
-        اخلاص الفنان أو شدة العواطف التي يعبّر عنها.

 

-       مكانة السيرة الذاتية والمذكرات في الحياة:
عندما يقوم رجال السياسة بكتابة التاريخ، يكتبونه وفق رؤيتهم الرسمية وربما السياسية. انّهم يكتبون تاريخ الكبار، القادة وأصحاب النفوذ. وعندما يكتب المفكرون التاريخ ويرصدون حركة الفكر وحياة الناس ينطلقون من أيديولوجياتهم وشرطهم المفهومي والعقلي. وعندما يكتب الأدباء تاريخ أمتهم ينسجون ذلك وفق منظورهم، استناداً إلى مقومات الأدب الأساسية: الحقيقة، العاطفة، الخيال والصورة أو الأسلوب.
ولكن، يبقى التاريخ "الحقيقي" هو تاريخ كل الناس، تاريخ العلاقات الاتصالية فيما بينهم. وكان لتطور وسائل الاتصال وثورة المعلومات دوراً كبيراً في كشف الحقائق والحيلولة دون الزيف والتزوير.
ولم يعد بالامكان طي الحقائق، وليس من السهل حجب وجهة نظر أو التعتيم على الحقائق. ففي عصر الحقوق والحريات بات بمقدور أي فرد أن يكتب ما رأى، ولم تعد الحقائق حكراً على أحد.
فلولا ذلك الحلاق الدمشقي، مثلاً، والذي كان من هواياته تدوين وقائع الحياة اليومية، ولولا وجود مؤرخ قدّر له أن يرى بنفسه المجاعات، ويسمع أنين الذين يلفظون أنفاسهم على الأرصفة في المدن والقرى لما عرفنا عن تلك المجاعات الا القليل.
ولولا مجموعة من الشعراء والمغنين الهامشيين الذين عاشوا المآسي، ثمّ "حولوها" إلى شعر ينشد أو إان تغنى.. لولا هؤلاء وأمثالهم لضاع القسم الأكبر من تاريخنا.
وقد تحوّل التاريخ بعد إكتشاف الطباعة وإنتشار المطابع وإزدهار وسائل الإعلام. بدأ التاريخ ياخذ مساراً جديداً. وحين دخل فن السيرة الروائية حياتنا، وبازدهار الرواية، فما لا يستطاع قوله علناً أو كاملاً قيل في الرواية أو في السيرة الروائية.
وإذا قصّرت وسائل الإعلام في توصيل المعلومات، بسبب الرقابة أو صعوبة تدفق الاخبار والمعلومات لأسباب تكنولوجية، نجد أنّ الناس، القراء، المستقبلين يبحثون عن المعرفة والمعلومات – والمتعة أيضاً – من مصادر أخرى كالنص الأدبي والمذكرات أو اليوميات.
فالسيرة، كما الرواية، جاءت بمكرها الفني لتقول لنا الكثير نيابة عن الآخرين. فما اعتبر منتهيا وميتاً ردت إليه الحياة، وما اعتبر خطراً أو محرماً احتالت عليه السيرة أو الرواية من خلال الأسطورة والرمز. وقدمت بالتالي الرسالة التي لم تصل في الوقت المناسب. فعلت ذلك بطريقة فنية وبقالب آخر وفي سياق آخر. قدمت السيرة الذاتية والمذكرات التاريخ بطريقة مواربة، وأصبح بامكاننا كمستقبلين (متلقين) أن نقوم بالاستنتاج والمقارنة للوصول إلى الحقيقة.
الشعر يشي أكثر مما يتكلّم، ووسائل الاتصال (السمعية والبصرية) لها قوانينها الخاصة، والمسرح يحتاج لمناخ مشبع بالحرية كي يستطيع أن يوصل كل شيء، والرواية قد تقع في فخ التورية والرمزية، فتبقى السيرة والمذكرات واليوميات التي تكتب في أماكن بعيدة وترى النور – على الغالب – بكامل أحمالها.
لقد لعبت اللوحات الفنية في العصور الوسطى دوراً اتصالياً هاماً، كما تلعب السيرة الذاتية والمذكرات دوراً مهماً – اتصالياً – في حياتنا الحالية، فعن طريق تلك اللوحات اكتشفنا ذلك العصر: ملابس الشر، بيوتهم، عاداتهم، نمط حياتهم، الأسلحة المستعملة، بلاطات الملوك وخانات المسافرين..
تختلف السيرة والمذكرات عن الرواية والقصة والشعر، فيمكننا أن نقرأ في الرواية والقصة والشعر عن الأحلام والرغبات والهموم والاحقاد مع حفنة من التفاصيل، بينما في السيرة والمذكرات نقرأ سجلاً لحياة الناس، بيئتهم، قضاياهم الاجتماعية، حركتهم السياسية والاقتصادية، ويتم ذلك بغزارة وبأدق التفاصيل.
وإذا أريد للسير الذاتية والمذكرات أن تلعب دوراً اتصالياً فاعلاً ومؤثراً وناجحاً، فيفترض أن تكون بقالب فني جميل ومتقن، لأن السير والمذكرات دون فن، دون اتقان لن تستطيع أن تلعب هذا الدور ولن تصل إلى قطاعات عريضة من الناس.
نخلص إلى أن أدب السيرة والمذكرات من وسائل الاتصال بين الناس. وتهدف هذه الدراسة أن تفهم هذا النوع من فنون الأدب على أساس اتصالي. فإذا كان الإنسان ينقل أفكاره إلى الآخرين عن طريق الكلام، فالأديب ينقل أفكاره إلى الآخرين عن طريق عواطفه المحمّلة على مراكب الأدب أو الفن الأدبي، ويعني هذا، انّ الأدب لا يخرج عن كونه أداة تواصل بين الأفراد.►

المصدر: كتاب (مبادئ في الإتصال)

ارسال التعليق

Top