• ٨ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٨ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

أنت والآخرون

فوزية الدريع

أنت والآخرون
كلما عزل الإنسان نفسه عن الآخرين كان أضعف، والآخر أيضاً كان أضعف. ولعل مسألة اتحاد الإنسان بالآخر، أفضل من عبر عنها هو التفكير الأفريقي، والفلسفة الأفريقية التي تسمى "يوبنتا" (Ubunta) والتي تعني: الشخص هو الشخص من خلال الآخرين.
إنّ مسألة انفصال الإنسان عن الآخرين أصبحت مقيتة وشديدة، وهي تظهر بطرق عديدة منها: انفصال أفراد البيت الواحد، تقطع أواصر صلة الرحم، تفكك أبناءالدولة الواحدة، وكذلك انفصال الإنسان في مواقع أخرى من الكرة الأرضية.
إنّ كل انفصال نتيجته معروفة، وهي: "أنت هناك وأنا هنا"، وكل يبحث عن مصلحته ولا يعبأ بالآخر. نعم، هذه هي النتيجة، ومعناها حرب المصالح. نعم، هذا أساس الحروب: انفصال الإنسان عن الإنسان. ولو نظرنا إلى الخريطة الأرضية، فسنجدها ساحة معركة، من البيت إلى الدول، كلها معارك قائمة، وكل واحد في حرب ضد الثاني.
ولعل السلام سوف يبدأ حين نبدأ من أنفسنا، من خلال بيوتنا، ومن خلال المجتمع الصغير الذي نعيش فيه. فمن الثابت أنّه لن يستطيع أحد تغيير العالم الخارجي إلا إذا بدأ بتغيير نفسه. لا تقف صارخاً: أريد تغيير العالم القاسي، واسأل نفسك: ما هي درجة قسوتي، وكيف أغيرها؟
المشكلة أنّه مع قسوة الدنيا صرنا قساة، وقلدنا السيئ، ونسينا الفطرة الخيّرة التي في داخلنا. ابدأ الآن بعد رد الأذى بأذى، وقل للآخر: "أنا إنسان، وأسامحك". فأكبر مصيبة موجودة الآن في حالة العداء في البيت، وفي كل مكان، وحالة عدم المسامحة. إن إحساسك بأن من العار أن تكون ضعيفاً ينسيك حقيقة كم أنت ضعيف. فالإنسان المؤذي العنيف هو إنسان ضعيف.
نحن في حاجة إلى إعادة أخلاقيات السلام، وهي موجودة، ليس في ديننا الإسلامي العظيم (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) (الأنفال/ 61)، ولكنها موجودة كذلك في الفطرة البشرية.
واحدة من أهم مصائب الإنسان أنّه يريد دائماً من الآخر أن يبدأ بالتقرب إليه، وأن يخطو الخطوة الأولى. لكن الحقيقة هي أن من الأفضل أن تبدأ بنفسك. كن المبادر في الصح، فعلى الأقل سيكون لديك فخر البداية، ولا تؤجل الشيء الجميل الذي سينبع منك. الآن أفضل من الغد، أو حتى بعد قليل.
بعضنا – بكل أسف – يعيش في ازدواجية.. يدعو إلى السلام من ناحية، ولا يدعو إلى السلام من ناحية أخرى. فهو أشبه بمن يعطي وردة، وباليد الأخرى يوجه صفعة. بالطبع، نحن تلوثنا من خلال سنوات طويلة بهذا الذي يسمى عادة العنف، ولن نتغير بين يوم وليلة، ولكننا في حاجة إلى أن نبدأ التغيير، ولو بخطوة صغيرة.
وإحدى المشاكل الكبيرة أنّ الناس يتكلمون عن السلام، وما يسمونه الزمن الجميل، وكأنّه أيام الأسود والأبيض. كل هذا الخداع لا يفيد. الخير مازال موجوداً داخلنا، ونحن القادرون على إعادة أيام الأسود والأبيض في عز الألوان. البعض الآخر منا يرى دائماً أن كل حروبنا، حتى في داخل غرف نومنا مع شريك حياتنا أو في صالاتنا مع أولادنا، ليس مسؤوليتنا، بل هي مسؤولية المسؤولين من قادة وساسة واقتصاديين. هذه خدعة ذاتية. فكلنا مسؤولون عن سلوكنا وتصرفاتنا. وإحدى المصائب الكبرى هي إيمان البعض بأنّه من العادي أن تكون هنا حرب، أو مشكلة، أو قليل من العنف.
لا.. هذه مغالطة، وهذا السلوك غير عادي وغير مقبول، ولا يجب أن نعتبر أي عنف عادياً حتى ولو تمثل في رفع الصوت. فالحياة علمتنا أن هزة الزلزال الأولى هي إنذار بزلزال كبير يدمر الأرض وما عليها.

ارسال التعليق

Top